الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : أَنَّ أَهْلَ النَّارِ إِذَا أُلْقُوا : أَيْ طُرِحُوا فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ مِنَ النَّارِ ، فِي حَالِ كَوْنِهِمْ مُقَرَّنِينَ ، دَعَوْا هُنَالِكَ : أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الضَّيِّقِ ثُبُورًا ، فَيُقَالُ لَهُمْ : لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ، فَقَوْلُهُ : ( مَكَانًا ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ ، كَمَا قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ . وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ أَنَّهُمْ يُلْقَوْنَ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ مِنَ النَّارِ ، جَاءَ مَذْكُورًا أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ [ 104 \ 8 - 9 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [ 90 \ 19 - 20 ] وَمَعْنَى مُؤْصَدَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِهَمْزٍ ، وَبِغَيْرِ هَمْزٍ : مُطْبَقَةٌ أَبْوَابُهَا ، مُغَلَّقَةٌ عَلَيْهِمْ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ بِشَوَاهِدِهِ الْعَرَبِيَّةِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [ 18 \ 18 ] وَمَنْ كَانَ فِي مَكَانٍ مُطْبَقٍ مُغَلَّقٍ عَلَيْهِ ، فَهُوَ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يُجْعَلُ فِي مَحَلِّهِ مِنَ النَّارِ بِشِدَّةٍ كَمَا يُدَقُّ الْوَتَدُ فِي الْحَائِطِ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ جَهَنَّمَ تَضِيقُ عَلَى الْكَافِرِ كَتَضْيِيقِ الزُّجِّ عَلَى الرُّمْحِ . وَالزُّجُّ بِالضَّمِّ : الْحَدِيدَةُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الرُّمْحِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : مُقَرَّنِينَ : أَيْ فِي الْأَصْفَادِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ : وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [ 14 \ 49 ] وَالْأَصْفَادُ : الْقُيُودُ . وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى مُقَرَّنِينَ : أَنَّ الْكُفَّارَ يُقْرَنُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فِي الْأَصْفَادِ وَالسَّلَاسِلِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : كُلُّ كَافِرٍ يُقْرَنُ هُوَ وَشَيْطَانُهُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [ 43 \ 38 ] . وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : مُقَرَّنِينَ مُكَتَّفِينَ ، وَمِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : مُقَرَّنِينَ : أَيْ قُرِنَتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ فِي الْأَغْلَالِ ، وَالثُّبُورُ : الْهَلَاكُ وَالْوَيْلُ وَالْخُسْرَانُ . وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الثُّبُورَ يَجْمَعُ الْخَسَارَ وَالْهَلَاكَ وَالْوَيْلَ وَالدَّمَارَ . كَمَا قَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ : وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [ 17 \ 102 ] أَيْ هَالِكًا ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ : إِذَا جَارَى الشَّيْطَانَ فِي سُنَنِ الْغَسَـ ـى وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ ا هـ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ : وَالثُّبُورُ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ أَيْضًا ، قَالَ الْكُمَيْتُ : وَرَأَتْ قُضَاعَةُ فِي الْأَيَا مِنِ رَأْيَ مَثْبُورٍ وَثَابِرِ أَيْ مَخْسُورٍ وَخَاسِرٍ يَعْنِي فِي انْتِسَابِهَا لِلْيَمَنِ . ا هـ مِنْهُ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا مَعْنَى دُعَائِهِمُ الثُّبُورَ هُوَ قَوْلُهُمْ : وَاثُبُورَاهُ ، يَعْنُونَ : يَا وَيْلَ ، وَيَا هَلَاكَ ، تَعَالَ ، فَهَذَا حِينُكَ وَزَمَانُكَ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : وَمَعْنَى وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا أَنَّكُمْ وَقَعْتُمْ فِيمَا لَيْسَ ثُبُورُكُمْ فِيهِ وَاحِدًا ، إِنَّمَا هُوَ ثُبُورٌ كَثِيرٌ ، إِمَّا لِأَنَّ الْعَذَابَ أَنْوَاعٌ وَأَلْوَانٌ ، كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا ثُبُورٌ ، لِشِدَّتِهِ وَفَظَاعَتِهِ ، أَوْ لِأَنَّهُمْ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بُدِّلُوا غَيْرَهَا ، فَلَا غَايَةَ لِهَلَاكِهِمْ . ا ه .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية