الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
( هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ لَمَّا أَمَرَهُ تَعَالَى بِالصَّبْرِ عَلَى سَفَاهَةِ قَوْمِهِ ، وَذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَحْوَالِهِمْ ، ذَكَرَ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ حَالُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ مِنَ الْجَزَاءِ ، وَمَقَرُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ . وَلَمَّا كَانَ مَا يَذْكُرُهُ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ التَّنْزِيلِ ، قَالَ : ( هَذَا ذِكْرٌ ) ، كَأَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ ، وَأَعْقَبَهُ بِذِكْرِ أَهْلِ النَّارِ قَالَ : ( هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ) ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَضَى مِنَ الْأَنْبِيَاءِ . وَقِيلَ : ( هَذَا ذِكْرٌ ) : أَيْ : شَرَفٌ تُذْكَرُونَ بِهِ أَبَدًا . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ : ( جَنَّاتِ ) بِالنَّصْبِ ، وَهُوَ بَدَلٌ ، فَإِنْ كَانَ ( عَدْنٍ ) عَلَمًا ، فَبَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِنْ نَكَرَةٍ ; وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً ، فَبَدَلُ نَكِرَةٍ مِنْ نَكِرَةٍ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : ( جَنَّاتِ عَدْنٍ ) مَعْرِفَةٌ لِقَوْلِهِ : ( جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ ) ، وَانْتِصَابُهَا عَلَى أَنَّهَا عَطْفُ بَيَانٍ بِ ( حُسْنَ مَآبٍ ) وَ ( مُفَتَّحَةً ) حَالٌ ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَا فِي الْمُتَّقِينَ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ . وَفِي ( مُفَتَّحَةً ) ضَمِيرُ الْجَنَّاتِ ، وَالْأَبْوَابُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ : مُفَتَّحَةً هِيَ الْأَبْوَابُ لِقَوْلِهِمْ : ضُرِبَ زَيْدٌ الْيَدُ وَالرِّجْلُ ، وَهُوَ مِنْ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ . انْتَهَى . وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ ( جَنَّاتِ عَدْنٍ ) مَعْرِفَةً بِالدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ : ( جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي ) ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الَّتِي صِفَةٌ لِجَنَّاتِ عَدْنٍ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرَهُ ، إِذْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الَّتِي بَدَلًا مِنْ جَنَّاتِ عَدْنٍ . أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِي وَالَّتِي وَجُمُوعَهُمَا تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْأَسْمَاءِ ، فَتَلِي الْعَوَامِلَ ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً ؟ وَأَمَّا انْتِصَابُهَا عَلَى أَنَّهَا عَطْفُ بَيَانٍ فَلَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ النَّحْوِيِّينَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَعَارِفِ ، فَلَا يَكُونُ عَطْفُ الْبَيَانِ إِلَّا تَابِعًا لِمَعْرِفَةٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي النَّكِرَاتِ ، فَيَكُونُ عَطْفُ الْبَيَانِ تَابِعًا لِنَكِرَةٍ ، كَمَا تَكُونُ الْمَعْرِفَةُ فِيهِ تَابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ ، وَتَبِعَهُمُ الْفَارِسِيُّ . وَأَمَّا تَخَالُفُهُمَا فِي التَّنْكِيرِ وَالتَّعْرِيفِ فَلَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ أَحَدٌ سِوَى هَذَا الْمُصَنِّفِ . وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : ( مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ) ، فَأَعْرَبَهُ عَطْفَ بَيَانٍ تَابِعًا لِنَكِرَةٍ ، وَهُوَ ( آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) ، وَ ( مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ) مَعْرِفَةٌ ، وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ فِي آلِ عِمْرَانَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَفِي ( مُفَتَّحَةً ) ضَمِيرُ الْجَنَّاتِ ، فَجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ أَعْرَبُوا الْأَبْوَابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ . وَجَاءَ أَبُو عَلِيٍّ فَقَالَ : إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ مِنَ الْحَالِيَّةِ إِنْ أَعْرَبَ مُفَتَّحَةً حَالًا ، أَوْ مِنَ النَّعْتِ إِنْ أَعْرَبَ نَعْتًا لِ ( جَنَّاتِ عَدْنٍ ) ، فَقَالَ : فِي ( مُفَتَّحَةً ) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْجَنَّاتِ حَتَّى تَرْتَبِطَ الْحَالُ بِصَاحِبِهَا ، أَوِ النَّعْتُ بِمَنْعُوتِهِ ، وَالْأَبْوَابُ بَدَلٌ . وَقَالَ : مَنْ أَعْرَبَ الْأَبْوَابَ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ الْعَائِدُ عَلَى الْجَنَّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : الْأَبْوَابُ مِنْهَا . وَأَلْزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَدَلَ فِي مِثْلِ هَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ ، إِمَّا مَلْفُوظًا بِهِ ، أَوْ مُقَدَّرًا . وَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ مُحْتَاجًا إِلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ ، كَانَ أَوْلَى مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرَيْنِ . وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ ، فَالرَّابِطُ عِنْدَهُمْ هُوَ أَلْ لِمَقَامِهِ مَقَامَ الضَّمِيرِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : مُفَتِّحَةً لَهُمْ أَبْوَابُهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَهُوَ مِنْ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ ، فَإِنْ عَنَى بِقَوْلِهِ : وَهُوَ قَوْلُهُ الْيَدُ وَالرِّجْلُ ، فَهُوَ وَهْمٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ . وَإِنْ عَنَى الْأَبْوَابَ ، فَقَدْ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الْجَنَّاتِ . وَأَمَّا تَشْبِيهُهُ مَا قَدَّرَهُ مِنْ قَوْلِهِ : ( مُفَتَّحَةً ) هِيَ الْأَبْوَابُ ، بِقَوْلِهِمْ : ضُرِبَ زَيْدٌ الْيَدُ وَالرِّجْلُ ، فَوَجْهُهُ أَنَّ الْأَبْوَابَ بَدَلٌ مِنْ ذَلِكَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ ، كَمَا أَنَّ الْيَدَ وَالرِّجْلَ بَدَلٌ مِنَ الظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ : ( مُفَتَّحَةً ) نَعْتٌ لِجَنَّاتِ عَدْنٍ . وَقَالَ الْحَوْفِيُّ : ( مُفَتَّحَةً ) حَالٌ ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى ، تَقْدِيرُهُ : يَدْخُلُونَهَا . وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُفَيْعٍ ، وَأَبُو حَيْوَةَ : ( جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً ) ، بِرَفْعِ التَّاءَيْنِ : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ، أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : هُوَ جَنَّاتُ عَدْنٍ هِيَ مُفَتَّحَةٌ . وَالِاتِّكَاءُ : مِنْ هَيْئَاتِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، ( يَدْعُونَ فِيهَا ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُمْ مَنْ يَسْتَخْدِمُونَهُ فِيمَا يَسْتَدْعُونَ ، كَقَوْلِهِ : ( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ) . وَلَمَّا كَانَتِ الْفَاكِهَةُ يَتَنَوَّعُ وَصْفُهَا بِالْكَثْرَةِ ، وَكَثْرَتُهَا بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا ، وَكَثْرَةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا ; وَلَمَّا كَانَ الشَّرَابُ نَوْعًا وَاحِدًا وَهُوَ الْخَمْرُ ، أُفْرِدَ . ( وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ) . قَالَ قَتَادَةُ : مَعْنَاهُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ ، ( أَتْرَابٌ ) : أَيْ : أَمْثَالٌ عَلَى سِنٍّ وَاحِدَةٍ ، وَأَصْلُهُ فِي بَنِي آدَمَ لِكَوْنِهِمْ مَسَّ أَجْسَادَهُمُ التُّرَابُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَالْأَقْرَانُ أَثْبَتُ فِي التَّحَابِّ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ هُوَ بَيْنَهُنَّ ، وَقِيلَ : بَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ ، أَسْنَانُهُنَّ كَأَسْنَانِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ الْآدَمِيَّاتِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْغُنْيَانِ : حُورٌ . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو : ( وَهَذَا مَا يُوعَدُونَ ) ، بِيَاءِ الْغَيْبَةِ ، إِذْ قَبْلَهُ ( وَعِنْدَهُمْ ) وَبَاقِي السَّبْعَةِ : بِتَاءِ الْخِطَابِ عَلَى الِالْتِفَاتِ ، وَالْمَعْنَى : هَذَا مَا وَقَعَ بِهِ الْوَعْدُ لِيَوْمِ الْجَزَاءِ . ( إِنَّ هَذَا ) : أَيْ : مَا ذُكِرَ لِلْمُتَّقِينَ مِمَّا تَقَدَّمَ ، ( لَرِزْقُنَا ) دَائِمًا ، أَيْ : لَا نَفَادَ لَهُ . ( هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ) ، قَالَ الزَّجَّاجُ : أَيْ : الْأَمْرُ هَذَا ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ : هَذَا لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ ، أَوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ الْمُبْتَدَأِ ، وَالطَّاغُونَ هُنَا : الْكُفَّارُ ; وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ : أَصْحَابُ الْكَبَائِرِ كُفَّارًا كَانُوا أَوْ لَمْ يَكُونُوا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمَعْنَى الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ ، وَكَذَّبُوا رُسُلِي لَهُمْ شَرُّ مَآبٍ أَيْ : مَرْجِعٍ وَمَصِيرٍ . ( فَبِئْسَ الْمِهَادُ ) أَيْ : هِيَ ( هَذَا ) فِي مَوْضِعِ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ ( جَهَنَّمَ ) ، ( وَغَسَّاقٌ ) ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : الْعَذَابُ هَذَا ، وَحَمِيمٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ ، أَوْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاشْتِغَالِ ، أَيْ : لِيَذُوقُوا هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ ، أَيْ : هُوَ حَمِيمٌ ، أَوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ ، أَيْ : مِنْهُ حَمِيمٌ وَمِنْهُ غَسَّاقٌ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : حَتَّى إِذَا مَا أَضَاءَ الصُّبْحُ فِي غَلَسٍ وَغُودِرَ الْبَقْلُ مَلْوِيُّ وَمَحْصُودُ أَيْ : مِنْهُ مَلْوِيٌّ وَمِنْهُ مَحْصُودٌ ، وَهَذِهِ الْأَعَارِيبُ مَقُولَةٌ مَنْقُولَةٌ . وَقِيلَ : هَذَا مُبْتَدَأٌ ، وَ ( فَلْيَذُوقُوهُ ) الْخَبَرُ ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ فِي إِجَازَتِهِ : زَيْدٌ فَاضْرِبْهُ ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : وَقَائِلَةٍ خَوْلَانُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ وَالْغَسَّاقُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الزَّمْهَرِيرُ ; وَعَنْهُ أَيْضًا ، وَعَنْ عَطَاءٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَابْنِ زَيْدٍ : مَا يَجْرِي مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ . وَعَنْ كَعْبٍ : عَيْنٌ فِي جَهَنَّمَ تَسِيلُ إِلَيْهَا حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، يُغْمَسُ فِيهَا فَيَتَسَاقَطُ الْجِلْدُ وَاللَّحْمُ عَنِ الْعَظْمِ . وَعَنِ السُّدِّيِّ : مَا يَسِيلُ مِنْ دُمُوعِهِمْ ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ : الْقَيْحُ يَسِيلُ مِنْهُمْ فَيُسْقَوْنَهُ . وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ وَثَّابٍ ، وَطَلْحَةُ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَحَفْصٌ ، وَالْفَضْلُ ، وَابْنُ سَعْدَانَ ، وَهَارُونُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو : بِتَشْدِيدِ السِّينِ . فَإِنْ كَانَ صِفَةً ، فَيَكُونُ مِمَّا حُذِفَ مَوْصُوفُهَا ، وَإِنْ كَانَ اسْمًا ، فَفَعَّالٌ قَلِيلٌ فِي الْأَسْمَاءِ ، جَاءَ مِنْهُ : الْكَلَّاءُ ، وَالْجَبَّانُ ، وَالْفَنَّادُ ، وَالْعَقَّارُ ، وَالْخَطَّارُ . وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ : بِتَخْفِيفِ السِّينِ . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ : ( وَآخَرُ ) عَلَى الْإِفْرَادِ ، فَقِيلَ : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : وَلَهُمْ عَذَابٌ آخَرُ . وَقِيلَ : خَبَرُهُ فِي الْجُمْلَةِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : ( أَزْوَاجٌ ) مُبْتَدَأٌ ، وَ ( مِنْ شَكْلِهِ ) خَبَرُهُ ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ ( وَآخَرُ ) . وَقِيلَ : خَبَرُهُ ( أَزْوَاجٌ ) وَ ( مِنْ شَكْلِهِ ) فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ ، وَجَازَ أَنْ يُخْبَرَ بِالْجَمْعِ عَنِ الْوَاحِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ دَرَجَاتٌ وَرُتَبٌ مِنَ الْعَذَابِ ، أَوْ سَمَّى كُلَّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْآخَرِ بِاسْمِ الْكُلِّ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : ( وَآخَرُ ) أَيْ : وَعَذَابٌ آخَرُ ، أَوْ مَذُوقٌ آخَرُ ; وَأَزْوَاجٌ صِفَةُ آخَرَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أَوْ صِفَةً لِلثَّلَاثَةِ ، وَهِيَ : ( حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ ) . انْتَهَى . وَهُوَ إِعْرَابٌ أَخَذَهُ مِنَ الْفَرَّاءِ . وَقَرَأَ الْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْجَحْدَرِيُّ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِيسَى ، وَأَبُو عَمْرٍو : ( وَأُخَرُ ) عَلَى الْجَمْعِ ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ ، ( وَمِنْ شَكْلِهِ ) فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ ; ( وَأَزْوَاجٌ ) خَبَرُهُ ، أَيْ : وَمَذُوقًا آخَرُ مِنْ شَكْلِ هَذَا الْمَذُوقِ مِنْ مِثْلِهِ فِي الشِّدَّةِ وَالْفَظَاعَةِ . ( أَزْوَاجٌ ) : أَجْنَاسٌ . وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ : ( مِنْ شَكْلِهِ ) بِكَسْرِ الشِّينِ ; وَالْجُمْهُورُ : بِفَتْحِهَا ، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى الْمِثْلِ وَالضَّرْبِ . وَأَمَّا إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْفَتْحِ ، فَبِكَسْرِ الشِّينِ لَا غَيْرَ . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ ) : هُوَ الزَّمْهَرِيرُ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ : هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ) ، مِنْ قَوْلِ رُؤَسَائِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ، وَالْفَوْجُ : الْجَمْعُ الْكَثِيرُ ، ( مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ) أَيِ : النَّارَ ، وَهُمُ الْأَتْبَاعُ ، ثُمَّ دَعَوْا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ : ( لَا مَرْحَبًا بِهِمْ ) ؛ لِأَنَّ الرَّئِيسَ إِذَا رَأَى الْخَسِيسَ قَدْ قُرِنَ مَعَهُ فِي الْعَذَابِ ، سَاءَهُ ذَلِكَ حَيْثُ وَقَعَ التَّسَاوِي فِي الْعَذَابِ ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ السَّالِمُ مِنَ الْعَذَابِ وَأَتْبَاعُهُ فِي الْعَذَابِ . وَ ( مَرْحَبًا ) مَعْنَاهُ : ائْتِ رَحْبًا وَسَعَةً لَا ضَيِّقًا ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجِبُ إِضْمَارُهُ ، وَلِأَنَّ عُلُوَّهُمْ بَيَانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ . وَقِيلَ : ( هَذَا فَوْجٌ ) ، مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ خَزَنَةِ النَّارِ ; وَأَنَّ الدُّعَاءَ عَلَى الْفَوْجِ وَالتَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ : ( إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ ) ، مِنْ كَلَامِهِمْ . وَقِيلَ : ( هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ) ، مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ ، وَالدُّعَاءُ عَلَى الْفَوْجِ وَالْإِخْبَارُ بِأَنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ مِنْ كَلَامِ الرُّؤَسَاءِ الْمَتْبُوعِينَ . ( قَالُوا ) أَيِ : الْفَوْجُ : ( لَا مَرْحَبًا بِكُمْ ) ، رَدٌّ عَلَى الرُّؤَسَاءِ مَا دَعَوْا بِهِ عَلَيْهِمْ . ثُمَّ ذَكَرُوا أَنَّ مَا وَقَعُوا فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ وَصَلْيِ النَّارِ ، إِنَّمَا هُوَ بِمَا أَلْقَيْتُمْ إِلَيْنَا وَزَيَّنْتُمُوهُ مِنَ الْكُفْرِ ، فَكَأَنَّكُمْ قَدَّمْتُمْ لَنَا الْعَذَابَ أَوِ الصَّلْيَ . وَإِذَا كَانَ ( لَا مَرْحَبًا بِهِمْ ) مِنْ كَلَامِ الْخَزَنَةِ فَلَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ : قَالُوا بَلْ هَؤُلَاءِ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ ، بَلْ جَاءَ بِخِطَابِ الْأَتْبَاعِ لِلرُّؤَسَاءِ ، لِتَكُونَ الْمُوَاجَهَةُ لِمَنْ كَانُوا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُوَاجَهَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِقَبِيحٍ أَشَفَى لِصُدُورِهِمْ ، حَيْثُ تَسَبَّبُوا فِي كُفْرِهِمْ ، وَأَنْكَى لِلرُّؤَسَاءِ . ( فَبِئْسَ الْقَرَارُ ) : أَيِ : النَّارُ ; وَهَذِهِ الْمُرَادَةُ وَالدُّعَاءُ كَقَوْلِهِ : ( كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ) . وَلَمْ يَكْتَفِ الْأَتْبَاعُ بِرَدِّ الدُّعَاءِ عَلَى رُؤَسَائِهِمْ ، وَلَا بِمُوَاجَهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ : ( أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ) ، حَتَّى سَأَلُوا مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزِيدَ رُؤَسَاءَهُمْ ضِعْفًا مِنَ النَّارِ ، وَالْمَعْنَى : مَنْ حَمَلَنَا عَلَى عَمَلِ السُّوءِ حَتَّى صَارَ جَزَاءُنَا النَّارَ ، ( فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا ) ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِ الْأَتْبَاعِ : ( رَبَّنَا آتِهِمْ ) ، أَيْ : سَادَاتَهُمْ ( ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ ) ، ( رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ ) . وَلَمَّا كَانَ الرُّؤَسَاءُ ضُلَّالًا فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَأَضَلُّوا أَتْبَاعَهُمْ ، نَاسَبَ أَنْ يَدْعُوا عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَزِيدَهُمْ ضِعْفًا ، كَمَا جَاءَ : " فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " فَعَلَى هَذَا الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : ( قَالُوا ) لِلْأَتْبَاعِ . وَ مَنْ قَدَّمَ : هُمُ الرُّؤَسَاءُ . وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ : ( قَالُوا رَبَّنَا ) إِلَى آخِرِهِ ، قَوْلُ جَمِيعِ أَهْلِ النَّارِ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( مَنْ قَدَّمَ ) ، هُوَ إِبْلِيسُ وَقَابِيلُ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الضِّعْفُ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ . ( وَقَالُوا ) أَيْ : أَشْرَافُ الْكُفَّارِ ، ( مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ ) أَيِ : الْأَرْذَالِ الَّذِينَ لَا خَيْرَ فِيهِمْ ، وَلَيْسُوا عَلَى دِينِنَا ، كَمَا قَالَ : ( وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ) . وَرُوِيَ أَنَّ الْقَائِلِينَ مِنْ كُفَّارِ عَصْرِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، هُمْ : أَبُو جَهْلٍ ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ، وَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ ، وَالَّذِينَ لَمْ يَرَوْهُمْ : عَمَّارٌ ، وَصُهَيْبٌ ، وَسَلْمَانُ ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ . قِيلَ : يَسْأَلُونَ أَيْنَ عَمَّارٌ ؟ أَيْنَ صُهَيْبٌ ؟ أَيْنَ فُلَانٌ ؟ يَعُدُّونَ ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : أُولَئِكَ فِي الْفِرْدَوْسِ . وَقَرَأَ النَّحْوِيَّانِ ، وَحَمْزَةُ : ( اتَّخَذْنَاهُمْ ) وَصْلًا ، فَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ ، وَابْنُ عَطِيَّةَ : صِفَةٌ لِرِجَالٍ . قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : مِثْلُ قَوْلِهِ : ( كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ ) . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : حَالٌ ، أَيْ : وَقَدِ اتَّخَذْنَاهُمْ . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَالْأَعْرَجُ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ : بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، لِتَقْرِيرِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى هَذَا ، عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهَا وَالْأَسَفِ ، أَيِ : اتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا ، وَلَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ . وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ ، وَشَيْبَةُ ، وَالْأَعْرَجُ ، وَنَافِعٌ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ : ( سُخْرِيًّا ) ، بِضَمِّ السِّينِ ، وَمَعْنَاهَا مِنَ السُّخْرَةِ وَالِاسْتِخْدَامِ . وَقَرَأَ الْحَسَنُ ، وَأَبُو رَجَاءٍ ، وَعِيسَى ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ : بِكَسْرِ السِّينِ ، وَمَعْنَاهَا : الْمَشْهُورُ مِنَ السُّخْرِ ، وَهُوَ الْهُزْءُ . قَالَ الشَّاعِرُ : إِنِّي أَتَانِي لِسَانٌ لَا أُسَرُّ بِهَا مِنْ عَلْوَ لَا كَذِبٌ فِيهَا وَلَا سَخَرُ وَقِيلَ : بِكَسْرِ السِّينِ مِنَ التَّسْخِيرِ . وَأَمْ ، إِنْ كَانَ اتَّخَذْنَاهُمُ اسْتِفْهَامًا إِمَّا مُصَرَّحًا بِهَمْزَتِهِ كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ كَذَلِكَ ، أَوْ مُؤَوَّلًا بِالِاسْتِفْهَامِ ، وَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ لِلدَّلَالَةِ . فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ لِتَقَدُّمِ الْهَمْزَةِ ، وَالْمَعْنَى أَيُّ الْفِعْلَيْنِ فَعَلْنَا بِهِمْ ، الِاسْتِسْخَارُ مِنْهُمْ أَمِ ازْدِرَاؤُهُمْ وَتَحْقِيرُهُمْ ؟ وَإِنَّ أَبْصَارَنَا كَانَتْ تَعْلُو عَنْهُمْ وَتَقْتَحِمُ . وَيَكُونُ اسْتِفْهَامًا عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، لِلِاسْتِسْخَارِ وَالزَّيْغِ جَمِيعًا . وَقَالَ الْحَسَنُ : كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا ، اتَّخَذُوهُمْ سِخْرِيًّا ، وَزَاغَتْ عَنْهُمْ أَبْصَارُهُمْ مُحَقِّرَةً لَهُمْ . وَأَنَّ ( اتَّخَذْنَاهُمْ ) لَيْسَ اسْتِفْهَامًا ، فَأَمْ مُنْقَطِعَةٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً أَيْضًا مَعَ تَقَدُّمِ الِاسْتِفْهَامِ ، يَكُونُ كَقَوْلِكِ : أَزَيْدٌ عِنْدَكَ أَمْ عِنْدَكَ عَمْرٌو ؟ وَاسْتَفْهَمْتَ عَنْ زَيْدٍ ، ثُمَّ أَضْرَبْتَ عَنْ ذَلِكَ وَاسْتَفْهَمْتَ عَنْ عَمْرٍو ، فَالتَّقْدِيرُ : بَلْ أَزَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ : ( أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ ) لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ : ( مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ أَوَّلًا دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ رُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُمْ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَعَهُ ، ثُمَّ جَوَّزُوا أَنْ يَكُونُوا مَعَهُ ، وَلَكِنَّ أَبْصَارَهُمْ لَمْ تَرَهُمْ . ( إِنَّ ذَلِكَ أَيِ : التَّفَاوُضُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ ، ( لَحَقٌّ ) أَيْ : ثَابِتٌ وَاقِعٌ لَا بُدَّ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمْ . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ : ( تَخَاصُمُ ) بِالرَّفْعِ مُضَافًا إِلَى أَهْلِ . قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : بَدَلٌ مِنْ ( لَحَقٌّ ) . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : بَيَّنَ مَا هُوَ فَقَالَ : ( تَخَاصُمُ ) مُنَوَّنًا ، ( أَهْلُ ) رُفِعَا بِالْمَصْدَرِ الْمُنَوَّنِ ، وَلَا يُجِيزُ ذَلِكَ الْفَرَّاءُ ، وَيُجِيزُهُ سِيبَوَيْهِ وَالْبَصْرِيُّونَ . وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ : ( تَخَاصُمُ أَهْلِ ) ، بِنَصْبِ الْمِيمِ وَجَرِّ أَهْلِ . قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الْإِشَارَةِ تُوصَفُ بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ . وَفِي كِتَابِ اللَّوَامِحِ : وَلَوْ نُصِبَ ( تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ) ، لَجَازَ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ ذَلِكَ . وَقَرَأَ ابْنُ السَّمَيْقَعِ : ( تَخَاصُمُ ) : فِعْلًا مَاضِيًا ، ( أَهْلُ ) : فَاعِلًا ، وَسَمَّى تَعَالَى تِلْكَ الْمُفَاوَضَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رُؤَسَاءِ الْكُفَّارِ وَأَتْبَاعِهِمْ تَخَاصُمًا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ : ( لَا مَرْحَبًا بِهِمْ ) ، وَقَوْلَ الْأَتْبَاعِ : ( بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ ) ، هُوَ مِنْ بَابِ الْخُصُومَةِ ، فَسَمَّى التَّفَاوُضَ كُلَّهُ تَخَاصُمًا لِاسْتِعْمَالِهِ عَلَيْهِ . ( قُلْ ) : يَا مُحَمَّدُ ، ( إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ ) أَيْ : مُنْذِرُ الْمُشْرِكِينَ بِالْعَذَابِ ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، لَا نِدَّ لَهُ وَلَا شَرِيكَ ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَأَنَّهُ مَالِكُ الْعَالَمِ ، عُلْوِهِ وَسُفْلِهِ ، الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُغَالَبُ ، الْغَفَّارُ لِذُنُوبِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَ لِدِينِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية