الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
( أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) . لَمَّا انْقَضَتْ قِصَّةُ الْمُؤْمِنِ وَقَرِينُهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ ، عَادَ إِلَى ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالرِّزْقِ الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّهُ فِيهَا لِأَهْلِهَا فَقَالَ : أَذَلِكَ الرِّزْقُ ( خَيْرٌ نُزُلًا ) وَالنُّزُلُ مَا يُعَدُّ لِلْأَضْيَافِ ، وَعَادَلَ بَيْنَ ذَلِكَ الرِّزْقِ وَبَيْنَ ( شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ) . فَلِاسْتِوَاءِ الرِّزْقِ الْمَعْلُومِ يَحْصُلُ بِهِ اللَّذَّةُ وَالسُّرُورُ ، وَشَجَرَةُ الزَّقُّومِ يَحْصُلُ بِهَا الْأَلَمُ وَالْغَمُّ ، فَلَا اشْتِرَاكَ بَيْنِهِمَا فِي الْخَيْرِيَّةِ . وَالْمُرَادُ تَقْرِيرُ قُرَيْشٍ وَالْكُفَّارٍ وَتَوْقِيفِهِمْ عَلَى شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا فَاسِدٌ . وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ اسْتِفْهَامًا حَقِيقَةً لَمْ يَجُزْ ، إِذْ لَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ أَنَّ فِي شَجَرَةِ الزَّقُّومِ خَيْرًا حَتَّى يُعَادِلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ رِزْقِ الْجَنَّةِ . وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ لَمَّا اخْتَارَ مَا أَدَّى إِلَى رِزْقِ الْجَنَّةِ ، وَالْكَافِرَ اخْتَارَ مَا أَدَّى إِلَى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ ، قِيلَ ذَلِكَ تَوْبِيخًا لِلْكَافِرِينَ وَتَوْقِيفًا عَلَى سُوءِ اخْتِيَارِهِمْ . ( إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ) قَالَ قَتَادَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالسُّدِّيُّ : أَبُو جَهْلٍ وَنُظَرَاؤُهُ ، لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ لِلْكُفَّارِ يُخْبِرُ مُحَمَّدٌ عَنِ النَّارِ أَنَّهَا تُنْبِتُ الْأَشْجَارَ ، وَهِيَ تَأْكُلُهَا وَتُذْهِبُهَا ، فَفَتَنُوا بِذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ وَجُمْلَةَ أَتْبَاعِهِمْ . وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : إِنَّمَا الزَّقُّومُ : التَّمْرُ بِالزُّبْدِ ، وَنَحْنُ نَتَزَقَّمُهُ . وَقِيلَ : مَنْبَتُهَا فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ ، وَأَغْصَانُهَا تَرْتَفِعُ إِلَى دَرَكَاتِهَا . وَاسْتُعِيرَ الطَّلْعُ ، وَهِيَ النَّخْلَةُ ، لِمَا تَحْمِلُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ ، وَشَبَّهَ طَلْعَهَا بِثَمَرِ شَجَرَةٍ مَعْرُوفَةٍ يُقَالُ لِثَمَرِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ، وَهِيَ بِنَاحِيَةِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهَا الْأَسْتَنُ ، وَذَكَرَهَا النَّابِغَةُ فِي قَوْلِهِ : تُحِيدُ عَنِ أَسْتَنٍ سُودٍ أُسَافِلُهُ مَشْيَ الْإِمَاءِ الْغَوَادِي تَحْمِلُ الْحُزَمَا وَهُوَ شَجَرٌ خَشِنٌ مُرٌّ مُنْكَرُ الصُّورَةِ ، سَمَّتْ ثَمَرَهُ الْعَرَبُ بِذَلِكَ تَشَبُّهًا بِرُءُوسِ الشَّيَاطِينِ ، ثُمَّ صَارَ أَصْلًا يُشَبَّهُ بِهِ . وَقِيلَ : هُوَ شَجَرَةٌ يُقَالُ لَهَا الصَّوْمُ ، ذَكَرَهَا سَاعِدَةُ بْنُ حَوْبَةَ الْهُذَلِيُّ فِي قَوْلِهِ : مُوَكَّلٌ بِشُدُوفِ الصَّوْمِ يَرْقُبُهَا مِنَ الْمَنَاظِرِ مَخْطُوفُ الْحَشَا زَرِمُ وَقِيلَ : الشَّيَاطِينُ صِنْفٌ مِنَ الْحَيَّاتِ ذَوَاتُ أَعْرَافٍ ، وَمِنْهُ : عُجَيِّزٌ تَحْلِفُ حِينَ أَحْلِفُ كَمِثْلِ شَيْطَانِ الْحِمَاطِ أَعْرِفُ وَقِيلَ : شُبِّهَ بِمَا اشْتُهِرَ فِي النُّفُوسِ مِنْ كَرَاهَةِ رُءُوسِ الشَّيَاطِينِ وَقُبْحِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ ، وَلِذَلِكَ يُصَوِّرُونَ الشَّيْطَانَ فِي أَقْبَحِ الصُّوَرِ . وَإِذَا رَأَوْا أَشْعَثَ مُنْتَفِشَ الشَّعْرِ قَالُوا : كَأَنَّهُ وَجْهُ شَيْطَانٍ ، وَكَأَنَّ رَأْسَهُ رَأْسُ شَيْطَانٍ ، وَهَذِهِ بِخِلَافِ الْمَلَكِ ، يُشَبِّهُونَ بِهِ الصُّورَةَ الْحَسَنَةِ . وَكَمَا شَبَّهَ امْرِؤُ الْقَيْسِ الْمَسْنُونَةَ الزُّرْقَ بِأَنْيَابِ الْغُولِ فِي قَوْلِهِ : وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُشَاهِدْ تِلْكَ الْأَنْيَابَ ، وَهَذَا كُلُّهُ تَشْبِيهٌ تَخْيِيلِيُّ . وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهَا يَعُودُ عَلَى الشَّجَرَةِ ، أَيْ مِنْ طَلْعِهَا . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ ( لَشَوْبًا ) بِفَتْحِ الشِّينِ ; وَشَيْبَانُ النَّحْوِيُّ : بِضَمِّهَا . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : الْفَتْحُ لِلْمَصْدَرِ وَالضَّمُّ لِلِاسْمِ ، يَعْنِي أَنَّهُ فَعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، أَيْ مَشُوبٍ ، كَالنَّقْصِ بِمَعْنَى الْمَنْقُوصِ . وَفُسِّرَ بِالْخَلْطِ وَالْحَمِيمُ : الْمَاءُ السُّخْنَ جِدًّا ، وَقِيلَ : يُرَادُ بِهِ هُنَا شَرَابُهُمُ الَّذِي هُوَ طِينَةُ الْخَبَالِ صَدِيدُهُمْ وَمَا سَاحَ مِنْهُمْ . وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُمْ يَمْلَئُونَ بُطُونَهُمْ مِنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ لِلْجُوعِ الَّذِي يَلْحَقُهُمْ ، أَوْ لِإِكْرَاهِهِمْ عَلَى الْأَكْلِ وَمَلْءِ الْبُطُونِ زِيَادَةً فِي عَذَابِهِمْ ، ذَكَرَ مَا يُسْقُونَ لِغَلَبَةِ الْعَطَشِ ، وَهُوَ مَا يُمْزَجُ لَهُمْ مِنَ الْحَمِيمِ . وَلَمَّا كَانَ الْأَكْلُ يَعْتَقِبُهُ مَلْءُ الْبَطْنِ ، كَانَ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ ( فَمَالِئُونَ ) . وَلَمَّا كَانَ الشُّرْبُ يَكْثُرُ تَرَاخِيهِ عَنِ الْأَكْلِ ، أُتِيَ بِلَفْظِ ( ثُمَّ ) الْمُقْتَضِيَةِ الْمُهْلَةَ ، أَوْ لَمَّا امْتَلَأَتْ بُطُونُهُمْ مِنْ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ ، وَهُوَ حَارٌّ ، أَحْرَقَ بُطُونَهُمْ وَعَطَّشَهُمْ ، فَأُخِّرَ سَقْيُهُمْ زَمَانًا لِيَزْدَادُوا بِالْعَطَشِ عَذَابًا إِلَى عَذَابِهِمْ ، ثُمَّ سُقُوا مَا هُوَ أَحَرُّ وَآلَمُ وَأَكْرَهُ . ( ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ) لَمَّا ذَهَبَ بِهِمْ مِنْ مَنَازِلِهِمُ الَّتِي أُسْكِنُوهَا فِي النَّارِ إِلَى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ لِلْأَكْلِ وَالتَّمَلُّؤِ مِنْهَا وَالسَّقْيِ مِنَ الْحَمِيمِ وَنَوَاحِي رُجُوعِهِمْ إِلَى مَنَازِلِهِمْ ، دَخَلَتْ ( ثُمَّ ) لِلدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَالرُّجُوعُ دَلِيلٌ عَلَى الِانْتِقَالِ فِي وَقْتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِلَى مَكَانٍ غَيْرِ مَكَانِهِمَا ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى حَالَهُمْ فِي تَقْلِيدِ آبَائِهِمْ . وَالضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ وَأَنَّ ذَلِكَ التَّقْلِيدَ كَانَ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِهِمْ تِلْكَ الشَّدَائِدَ ، أَيْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ، فَاتَّبَعُوهُمْ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ ، مُسْرِعِينَ فِي ذَلِكَ لَا يُثَبِّطُهُمْ شَيْءٌ . ثُمَّ أَخْبَرَ بِضَلَالِ أَكْثَرِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ ، هَذَا وَمَا خَلَتْ أَزْمَانُهُمْ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ ، وَإِنْذَارِهِمْ عَوَاقِبَ التَّكْذِيبِ . وَفِي قَوْلِهِ ( فَانْظُرْ ) مَا يَقْتَضِي إِهْلَاكَهُمْ وَسُوءَ عَاقِبَتِهِمْ ، وَاسْتَثْنَى الْمُخْلَصِينَ مِنْ عِبَادِهِ ، وَهُمُ الْأَقَلُّ الْمُقَابِلُ لِقَوْلِهِ ( أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ) ، وَالْمَعْنَى : إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ ، فَإِنَّهُمْ نَجَوْا . وَلَمَّا ذَكَرَ ضَلَالَ الْأَوَّلِينَ ، وَذَكَرَ أَوَّلَهُمْ شُهْرَةً ، وَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَضَمَّنَ أَشْيَاءَ مِنْهَا : الدُّعَاءُ عَلَى قَوْمِهِ ، وَسُؤَالُهُ النَّجَاةَ ، وَطَلَبُ النُّصْرَةِ . وَأَجَابَهُ تَعَالَى فِي كُلِّ ذَلِكَ إِجَابَةً بَلَغَ بِهَا مُرَادَهُ . وَاللَّامُ فِي ( فَلَنِعْمَ ) جَوَابُ قَسَمٍ كَقَوْلِهِ : يَمِينًا لَنِعْمَ السَّيِّدَانِ وَجَدْتُمَا وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ نَحْنُ ، وَجَاءَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لِلْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ لِقَوْلِهِ ( فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ) وَ ( الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) ، قَالَ السُّدِّيُّ : الْغَرَقُ ، وَمِنْهُ تَكْذِيبُ الْكَفَرَةِ وَرُكُوبُ الْمَاءِ ، وَهَوْلُهُ ، وَهُمْ فَصْلٌ مُتَعَيِّنٌ لِلْفَصِيلَةِ لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ : أَهْلُ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ . وَفِي الْحَدِيثِ : " أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَرَأَ ( وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ) فَقَالَ : سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ " . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الْعَرَبُ مِنْ أَوْلَادِ سَامٍ ، وَالسُّودَانُ مِنْ أَوْلَادِ حَامٍ ، وَالتُّرْكُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَوْلَادِ يَافِثَ . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ : أَبْقَى اللَّهُ ذُرِّيَّةَ نُوحٍ وَمَدَّ فِي نَسْلِهِ ، وَلَيْسَ النَّاسُ مُنْحَصِرِينَ فِي نَسْلِهِ ، بَلْ فِي الْأُمَمِ مَنْ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ . ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ) أَيْ فِي الْبَاقِينَ غَابِرَ الدَّهْرِ ; وَمَفْعُولُ تَرَكْنَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ثَنَاءً حَسَنًا جَمِيلًا فِي آخِرِ الدَّهْرِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَ ( سَلَامٌ ) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ مُسْتَأْنَفٌ ، سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيَقْتَدِيَ بِذَلِكَ الْبَشَرُ ، فَلَا يَذْكُرُهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ بِسُوءٍ . سَلَّمَ تَعَالَى عَلَيْهِ جَزَاءً عَلَى مَا صَبَرَ طَوِيلًا ، مِنْ أَقْوَالِ الْكَفَرَةِ وَإِذَايَتِهِمْ لَهُ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ) ، هَذِهِ الْكَلِمَةُ ، وَهِيَ ( سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ) يَعْنِي : يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا ، وَيَدْعُونَ لَهُ ، وَهُوَ مِنَ الْكَلَامِ الْمَحْكِيِّ ، كَقَوْلِكَ : قَرَأْتُ سُورَةً أَنْزَلْنَاهَا . انْتَهَى . وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ ، وَهَذَا هُوَ الْمَتْرُوكُ عَلَيْهِ ، وَكَأَنَّهُ قَالَ : وَتَرَكْنَا عَلَى نُوحٍ تَسْلِيمًا يُسَلَّمُ بِهِ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . انْتَهَى . وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : سَلَامًا بِالنَّصْبِ ، وَمَعْنَى فِي الْعَالَمِينَ : ثُبُوتُ هَذِهِ التَّحِيَّةِ مَثْبُوتَةً فِيهِمْ جَمِيعًا ، مُدَامَةٌ عَلَيْهِ فِي الْمَلَائِكَةِ ، وَالثَّقَلَيْنِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ عَنْ آخِرِهِمْ . ثُمَّ عَلَّلَ هَذِهِ التَّحِيَّةَ بِأَنَّهُ كَانَ مُحْسِنًا ، ثُمَّ عَلَّلَ إِحْسَانَهُ بِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا ، فَدَلَّ عَلَى جَلَالَةِ الْإِيمَانِ وَمَحَلِّهِ عِنْدَ اللَّهِ . ( ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) أَيْ مَنْ كَانَ مُكَذِّبًا لَهُ مِنْ قَوْمِهِ ، لَمَّا ذَكَرَ تَحِيَّاتِهِ وَنَجَاةَ أَهْلِهِ ، إِذْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ، ذَكَرَ هَلَاكَ غَيْرِهِمْ بِالْغَرَقِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية