الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ) . الضَّمِيرُ فِي ( لَهُمْ ) لِقُرَيْشٍ ، وَ ( مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ) قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ : عَذَابُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ ، ( وَمَا خَلْفَكُمْ ) عَذَابُ الْآخِرَةِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَكْسَهُ . وَقَالَ الْحَسَنُ : خُوِّفُوا بِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَمَا يَأْتِي مِنْهَا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا ، كَقَوْلِ الْحَسَنِ ( مَا تَقَدَّمَ مِنْ ) ذُنُوبِكُمْ وَمَا تَأَخَّرَ ، ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) . وَجَوَابُ إِذَا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ ، أَيْ أَعْرَضُوا . ( وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ ) أَيْ دَأْبُهُمُ الْإِعْرَاضُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ تَأْتِيهِمْ . ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا ) لَمَّا أَسْلَمَ حَوَاشِي الْكُفَّارِ مِنْ أَقْرِبَائِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ ، قَطَعُوا عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُوَاسُونَهُمْ بِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ أَوَّلًا قَبْلَ نُزُولِ آيَاتِ الْقِتَالِ ، فَنَدَبَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى صِلَةِ قُرَابَاتِهِمْ فَقَالُوا ( أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ) . وَقِيلَ : سُحِقَ قُرَيْشٌ بِسَبَبِ أَذِيَّةِ الْمَسَاكِينِ مِنْ مُؤْمِنٍ وَغَيْرِهِ ، فَنَدَبَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ ، فَقَالُوا هَذَا الْقَوْلَ . وَقِيلَ : قَالَ فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ : أَعْطُونَا مَا زَعَمْتُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ ، إِنَّهَا لِلَّهِ ، فَحَرَّمُوهُمْ وَقَالُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ بِمَكَّةَ زَنَادِقَةٌ إِذَا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ قَالُوا : لَا وَاللَّهِ ، أَيُفْقِرُهُ اللَّهُ وَنُطْعِمُهُ نَحْنُ ؟ أَوْ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْمُؤْمِنِينَ يُعَلِّقُونَ الْأَفْعَالَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَغْنَى فُلَانًا ، وَلَوْ شَاءَ لَأَعَزَّهُ ، وَلَوْ شَاءَ لَكَانَ كَذَا ، فَأَخْرَجُوا هَذَا الْجَوَابَ مُخْرَجَ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَبِمَا كَانُوا يَقُولُونَ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ لَا يُؤْمِنُونَ بِالصَّانِعِ ، اسْتِهْزَاءً بِالْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ . وَقَالَ الْحَسَنُ ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ) ، أَيِ الْيَهُودِ ، أُمِرُوا بِإِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ . وَجَوَابُ لَوْ نَشَاءُ قَوْلُهُ : أَطْعَمَهُمْ ، وَوُرُودُ الْمُوجَبِ بِغَيْرِ لَامٍ فَصِيحٌ ، وَمِنْهُ ( أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ ) ، ( لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا ) ; وَالْأَكْثَرُ مَجِيئُهُ بِاللَّامِ ، وَالتَّصْرِيحُ بِالْمَوْضِعَيْنِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَقُولَ لَهُمْ هُمُ الْكَافِرُونَ ، وَالْقَائِلُ لَهُمْ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، وَأَنَّ كُلَّ وَصْفٍ حَامِلٌ صَاحِبَهُ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ ، إِذْ كُلُّ إِنَاءٍ بِالَّذِي فِيهِ يَرْشَحُ . وَأُمِرُوا بِالْإِنْفَاقِ ( مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ) ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْإِطْعَامِ وَغَيْرِهِ ، فَأَجَابُوا بِغَايَةِ الْمُخَالَفَةِ ; لِأَنَّ نَفْيَ إِطْعَامِهِمْ يَقْتَضِي نَفْيَ الْإِنْفَاقِ الْعَامِّ ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا : لَا نُنْفِقُ ، وَلَا أَقَلَّ الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانُوا يَسْمَحُونَ بِهَا وَيُؤْثِرُونَ بِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَهُوَ الْإِطْعَامُ الَّذِي بِهِ يَفْتَخِرُونَ ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ . كَمَنْ يَقُولُ لِشَخْصٍ : أَعْطِ لِزَيْدٍ دِينَارًا ، فَيَقُولُ : لَا أُعْطِيهِ دِرْهَمًا ، فَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ لَا أُعْطِيهِ دِينَارًا . وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ ( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) مِنْ تَمَامِ كَلَامِ الْكُفَّارِ يُخَاطِبُونَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَيْ حَيْثُ طَلَبْتُمْ أَنْ تُطْعِمُوا مَنْ لَا يُرِيدُ اللَّهُ إِطْعَامَهُ ، إِذْ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ إِطْعَامَهُ لَأَطْعَمَهُ هُوَ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ لَهُمُ اسْتَأْنَفَ زَجْرَهُمْ بِهِ ، أَوْ مِنْ قَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ . ثُمَّ حَكَى تَعَالَى عَنْهُمْ مَا يَقُولُونَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّعْجِيلِ : لِمَا تُوعِدُونَ بِهِ ؟ أَيْ مَتَى يَوْمُ الْقِيَامَةِ الَّذِي أَنْتُمْ تُوعِدُونَنَا بِهِ ؟ أَوْ مَتَى هَذَا الْعَذَابُ الَّذِي تُهَدِّدُونَنَا بِهِ ؟ وَهُوَ سُؤَالٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ مِنْهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِالتَّقْوَى ، وَلَا يُتَّقَى إِلَّا مِمَّا يُخَافُ ، وَهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ . سَأَلُوا مَتَى يَقَعُ هَذَا الَّذِي تُخَوِّفُونَا بِهِ اسْتِهْزَاءً مِنْهُمْ . ( مَا يَنْظُرُونَ ) أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ . وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الصَّيْحَةُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا جُعِلُوا كَأَنَّهُمْ مُنْتَظِرُوهَا ، وَهَذِهِ هِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى تَأْخُذُهُمْ فَيَهْلِكُونَ ، وَهُمْ يَتَخَاصَمُونَ ، أَيْ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ ، فِي أَمَاكِنِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ لِتَوْصِيَةٍ ، وَلَا رُجُوعٍ إِلَى أَهْلٍ . وَفِي الْحَدِيثِ : " تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلَانِ قَدْ نَشَرَا ثَوْبَهُمَا يَتَبَايَعَانِهِ ، فَمَا يَطْوِيَانِهِ حَتَّى تَقُومَ ، وَالرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ ، وَالرَّجُلُ يَرْفَعُ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ ، فَمَا تَصِلُ إِلَى فِيهِ حَتَّى تَقُومَ " . وَقِيلَ : لَا يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ قَوْلًا ; وَقِيلَ : وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ أَبَدًا . وَقَرَأَ أُبَيٌّ : يَخْتَصِمُونَ عَلَى الْأَصْلِ ; وَالْحَرَمِيَّانِ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَالْأَعْرَجُ ، وَشِبْلٌ ، وَابْنُ فُنْطَنْطِينَ : بِإِدْغَامِ التَّاءِ فِي الصَّادِ وَنَقْلِ حَرَكَتِهَا إِلَى الْخَاءِ ; وَأَبُو عَمْرٍو أَيْضًا ، وَقَالُونُ : يُخَالِفُ بِالِاخْتِلَاسِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ ، وَعَنْهُمَا إِسْكَانُ الْخَاءِ وَتَخْفِيفُ الصَّادِ مِنْ خَصَمَ ; وَبَاقِي السَّبْعَةِ : بِكَسْرِ الْخَاءِ وَشَدِّ الصَّادِ ; وَفُرْقَةٌ : بِكَسْرِ الْيَاءِ إِتْبَاعًا لِكَسْرَةِ الْخَاءِ وَشَدِّ الصَّادِ . وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ : يُرْجَعُونَ ، بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ . وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ : فِي الصُّوَرِ ، بِفَتْحِ الْوَاوِ ; وَالْجُمْهُورُ : بِإِسْكَانِهَا . وَقُرِئَ : مِنَ الْأَجْدَافِ ، بِالْفَاءِ بَدَلَ الثَّاءِ . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ : بِالثَّاءِ ، وَيَنْسِلُونَ ، بِكَسْرِ السِّينِ ; وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَأَبُو عَمْرٍو : بِخِلَافٍ عَنْهُ بِضَمِّهَا . وَهَذِهِ النَّفْخَةُ هِيَ الثَّانِيَةُ الَّتِي يَقُومُ النَّاسُ أَحْيَاءً عَنْهَا . وَلَا تَنَافُرَ بَيْنَ ( يَنْسِلُونَ ) وَبَيْنَ (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) ; لِأَنَّهُ لَا يَنْسِلُ إِلَّا قَائِمًا ، وَلِأَنَّ تَفَاوُتَ الزَّمَانَيْنِ يَجْعَلُهُ كَأَنَّهُ زَمَانٌ وَاحِدٌ . وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَا وَيْلَتَنَا ، بِتَاءِ التَّأْنِيثِ ; وَعَنْهُ أَيْضًا : يَا وَيْلَتَى ، بِالتَّاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ بَدَلٌ مِنْ يَاءِ الْإِضَافَةِ ، وَمَعْنَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ : أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ يَا وَيْلَتَى . وَالْجُمْهُورُ : وَ ( مَنْ بَعَثَنَا ) مَنِ اسْتِفْهَامًا ، وَبَعَثَ فِعْلٌ مَاضٍ ; وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَأَبُو نَهِيكٍ : مِنْ حَرْفُ جَرٍّ ، وَبَعْثِنَا مَجْرُورٌ بِهِ . وَالْمَرْقَدُ : اسْتِعَارَةٌ عَنْ مَضْجَعِ الْمَيِّتِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ، أَيْ مِنْ رُقَادِنَا ، وَهُوَ أَجْوَدُ . أَوْ يَكُونَ مَكَانًا ، فَيَكُونَ الْمُفْرَدُ فِيهِ يُرَادُ بِهِ الْجَمْعُ ، أَيْ مِنْ مَرَاقِدِنَا . وَمَا رُوِيَ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ : مِنْ أَنَّ جَمِيعَ الْبَشَرِ يَنَامُونَ نَوْمَةً قَبْلَ الْحَشْرِ ، فَقَالُوا : هُوَ غَيْرُ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ . وَقِيلَ : قَالُوا مِنْ مَرْقَدِنَا ; لِأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ كَانَ كَالرُّقَادِ فِي جَنْبِ مَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا ابْتِدَاءُ كَلَامٍ ، فَقِيلَ : مِنَ اللَّهِ ، وَعَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ وَالتَّوْقِيفِ عَلَى إِنْكَارِهِمْ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ . وَقَالَ قَتَادَةُ ، وَمُجَاهِدٌ : مِنْ قَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْكُفَّارِ ، عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : مِنْ قَوْلِ الْكَفَرَةِ ، أَوِ الْبَعْثِ الَّذِي كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا ، قَالُوا ذَلِكَ . وَالِاسْتِفْهَامُ بِمَنْ سُؤَالٌ عَنِ الَّذِي بَعَثَهُمْ ، وَتَضَمَّنَ قَوْلُهُ ( هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ ) ، ذِكْرَ الْبَاعِثِ ، أَيِ الرَّحْمَنِ الَّذِي وَعَدَكُمُوهُ ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً عَلَى سِمَةِ الْمَوْعُودِ ، وَالْمَصْدَرُ فِيهِ بِالْوَعْدِ وَالصِّدْقِ ، وَبِمَعْنَى الَّذِي ، أَيْ هَذَا الَّذِي وَعَدَهُ الرَّحْمَنُ . وَالَّذِي صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ، أَيْ صَدَقَ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِمْ : صَدَقْتُ زَيْدًا الْحَدِيثَ ، أَيْ صَدَقَهُ فِيهِ ; وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : صَدَقَنِي سِنَّ بِكْرِهِ ، أَيْ فِي سِنِّ بِكْرِهِ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى الْمَرْقَدِ ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ ، وَيُضْمَرُ الْخَبَرُ : حَقٌّ أَوْ نَحْوُهُ . وَتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا صِفَةً لِلْمَرْقَدِ ، وَمَا وَعَدَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ هَذَا وَعْدُ الرَّحْمَنِ ، أَوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ ، أَيْ مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ حَقٌّ عَلَيْكُمْ . انْتَهَى . وَتَقَدَّمَتْ قِرَاءَةُ ( إِلَّا صَيْحَةٌ ) بِالرَّفْعِ وَتَوْجِيهُهَا . ( فَالْيَوْمَ ) هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، وَانْتَصَبَ عَلَى الظَّرْفِ ، وَالْعَامِلُ فِيهِ لَا يَظْلِمُ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِطَابَ لِجَمِيعِ الْعَالَمِ ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . قِيلَ : وَالصَّيْحَةُ قَوْلُ إِسْرَافِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَيَّتُهَا الْعِظَامُ النَّخِرَةُ وَالْأَوْصَالُ الْمُنْقَطِعَةُ وَالشُّعُورُ الْمُتَمَزِّقَةُ ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُنَّ أَنْ تَجْتَمِعْنَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ( يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية