الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ اسْتِئْنَافٌ عَلَى طَرِيقَةِ الِاعْتِرَاضِ انْتِهَازًا لِلْفُرْصَةِ إِلَى الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ ، وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ عَقِبَ مَا قَبْلَهُ أَنَّ الْآيَاتِ السَّابِقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى تَقْسِيمِ النَّاسِ تُجَاهَ الدِّينِ مَرَاتِبَ ، أَعْلَاهَا مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ لِأَنَّ النَّفْسَ أَغْلَى مَا يُبْذَلُ ، وَأَقَلَّهَا مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ أَيْ يُضْمِرُ الْكَيْدَ وَيُفْسِدُ عَلَى النَّاسِ مَا فِيهِ نَفْعُ الْجَمِيعِ وَهُوَ خَيْرَاتُ الْأَرْضِ ، وَذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنَّهُ اعْتَدَى عَلَى قَوْمٍ مُسَالِمِينَ فَنَاسَبَ بَعْدَ أَنْ يُدْعَى النَّاسُ إِلَى الدُّخُولِ فِيمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السِّلْمِ وَهَذِهِ الْمُنَاسَبَةُ تَقْوَى وَتَضْعُفُ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الِاحْتِمَالَاتِ فِي مَعْنَى طَلَبِ الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ . وَالْخِطَابُ بِيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي إِطْلَاقِ هَذَا الْعُنْوَانِ ، وَلِأَنَّ شَأْنَ الْمَوْصُولِ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَرَّفِ بِلَامِ الْعَهْدِ . وَ الدُّخُولُ حَقِيقَتُهُ نُفُوذُ الْجِسْمِ فِي جِسْمٍ أَوْ مَكَانٍ مُحَوَّطٍ كَالْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ ، وَيُطْلَقُ مَجَازًا مَشْهُورًا عَلَى حُلُولِ الْمَكَانِ الْوَاسِعِ ، يُقَالُ دَخَلَ بِلَادَ بَنِي أَسَدٍ وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلِاتِّبَاعِ وَالِالْتِزَامِ وَشِدَّةِ التَّلَبُّسِ بِالْفِعْلِ . وَالسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ اللَّامِ ، قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ السِّينِ ، وَقَرَأَ بَاقِي الْعَشَرَةِ بِكَسْرِ السِّينِ ، وَيُقَالُ سَلَمٌ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ قَالَ تَعَالَى ( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ) وَحَقِيقَةُ السِّلْمِ الصُّلْحُ وَتَرْكُ الْحَرْبِ قَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ : السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ وَالْحَرْبُ تَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُزَعُ وَشَوَاهِدُ هَذَا كَثِيرَةٌ فِي كَلَامِهِمْ ، وَقَالَ زُهَيْرٌ : وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا بِكَسْرِ السِّينِ وَاشْتِقَاقِهِ مِنَ السَّلَامَةِ وَهِيَ النَّجَاةُ مَنْ أَلَمٍ أَوْ ضُرٍّ أَوْ عِنَادٍ يُقَالُ أَسْلَمَ نَفْسَهُ لِفُلَانٍ أَيْ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا بِدُونِ مُقَاوَمَةٍ ، وَاسْتَسْلَمَ : طَلَبَ السِّلْمِ أَيْ تَرَكَ الْمُقَاوَمَةَ ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ : أَسِلْمٌ أَمْ حَرْبٌ ، أَيْ أَأَنْتَ مُسَالِمٌ أَمْ مُحَارِبٌ ، وَكُلُّهَا مَعَانٍ مُتَوَلِّدٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَلِذَلِكَ جَزَمَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ بِأَنَّ السِّلْمَ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا وَبِالتَّحْرِيكِ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِيمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْآخَرُ . قَالُوا : وَيُطْلَقُ السِّلْمُ بِلُغَاتِهِ الثَّلَاثِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَنُسِبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَأَنْشَدُوا قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَابِسٍ الْكِنْدِيِّ فِي قَضِيَّةِ رِدَّةِ قَوْمِهِ : دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا رَأَيْتُهُمُو تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَا فَلَسْتُ مُبَدِّلًا بِاللَّهِ رَبًّا وَلَا مُسْتَبْدِلًا بِالسِّلْمِ دِينَا وَهَذَا الْإِطْلَاقُ انْفَرَدَ بِذِكْرِهِ أَصْحَابُ التَّفْسِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ وَلَا الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْأَسَاسِ ، وَصَاحِبُ لِسَانِ الْعَرَبِ ، وَذَكَرَهُ فِي الْقَامُوسِ تَبَعًا لِلْمُفَسِّرِينَ ، وَذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ حِكَايَةَ قَوْلٍ فِي تَفْسِيرِ السِّلْمِ هُنَا فَهُوَ إِطْلَاقٌ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِثُبُوتِهِ ، وَبَيْتُ الْكِنْدِيِّ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْمُسَالَمَةِ أَيِ الْمُسَالَمَةِ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ ( دِينًا ) بِمَعْنَى الْعَادَةِ الْمُلَازِمَةِ كَمَا قَالَ الْمُثَقَّبُ الْعَبْدِيُّ : تَقُولُ وَقَدْ أَدَرْتَ لَهَا وَضِينِي أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي وَعَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ السِّلْمُ بِكَسْرِ السِّينِ هُوَ الْإِسْلَامُ ، وَالسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُسَالَمَةُ ، وَلِذَلِكَ قَرَأَ ( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ) فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِكَسْرِ السِّينِ لَا غَيْرَ ، وَقَرَأَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ وَالَّتِي فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَتْحِ السِّينِ قَالَ الطَّبَرِيُّ تَوْجِيهًا مِنْهُ لِمَعْنَاهُ هُنَا إِلَى أَنَّهُ الْإِسْلَامُ دُونَ الْآيَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ . وَأَنْكَرَ الْمُبَرِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ وَقَالَ : اللُّغَةُ لَا تُؤْخَذُ هَكَذَا وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ بِالسَّمَاعِ لَا بِالْقِيَاسِ ، وَيَحْتَاجُ مَنْ فَرَّقَ إِلَى دَلِيلٍ . فَكَوْنُ السِّلْمِ مِنْ أَسْمَاءِ الصُّلْحِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ فَهُوَ مُرَادٌ مِنَ الْآيَةِ لَا مَحَالَةَ وَكَوْنُهُ يُطْلَقُ عَلَى الْإِسْلَامِ إِذَا صَحَّ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا أَيْضًا وَيَكُونُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ . فَعَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسِّلْمِ الْمُسَالَمَةَ كَمَا يَقْتَضِيهِ خِطَابُهُمْ بِيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِي هُوَ كَاللَّقَبِ لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ الْمَعْنَى أَمْرَهُمْ بِالدُّخُولِ فِي الْمُسَالَمَةِ دُونَ الْقِتَالِ ، وَكَمَا تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْأَمْرِ فِي ادْخُلُوا مِنْ أَنَّ حَقِيقَتَهَا طَلَبُ تَحْصِيلِ فِعْلٍ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا أَوْ كَانَ مُفَرَّطًا فِي بَعْضِهِ . فَالَّذِي يَبْدُو لِي أَنْ تَكُونَ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ هِيَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ الْآيَاتِ تَهْيِئَةٌ لِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ لِصَدِّهِمُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْبَيْتِ وَإِرْجَافِهِمْ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ ، وَالْإِرْجَافِ بِقَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِمَكَّةَ حِينَ أَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى قُرَيْشٍ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وَاسْتَطْرَدَ بَعْدَهُ بِبَيَانِ أَحْكَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَلَمَّا قُضِيَ حَقُّ ذَلِكَ كُلِّهِ وَأُلْحِقَ بِهِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِوَضْعِهِ فِي مَوْضِعِهِ بَيْنَ تِلْكَ الْآيَاتِ ، اسْتُؤْنِفَ هُنَا أَمْرُهُمْ بِالرِّضَا بِالسِّلْمِ وَالصُّلْحِ الَّذِي عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا آسِفِينَ مِنْ وُقُوعِهِ ، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَدْ قَالَ : أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ فَكَيْفَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا . رَوَاهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ فَتَكُونُ مُدَّةُ مَا بَيْنَ نُزُولِ الْمُسْلِمِينَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَتَرَدُّدِ الرُّسُلِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ وَمَا بَيْنَ وُقُوعِ الصُّلْحِ هِيَ مُدَّةُ نُزُولِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ إِلَى هُنَا . وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى هَلْ يَنْظُرُونَ رَاجِعًا إِلَى مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ أَوْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ كَمَا سَيَأْتِي يَكُونُ قَوْلُهُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ اعْتِرَاضًا بَيْنَ الْجُمْلَةِ ذَاتِ الْمَعَادِ وَالْجُمْلَةِ ذَاتِ الضَّمِيرِ . فَأَمَّا إِذَا فُسِّرَ السِّلْمُ بِالْإِسْلَامِ أَيْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْخِطَابَ بِيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَأَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ يُؤَوَّلُ بِأَنَّهُ أَمْرٌ بِزِيَادَةِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ وَالتَّغَلْغُلِ فِيهِ لِأَنَّهُ يُقَالُ دَخَلَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ إِذَا اسْتَقَرَّ وَتَمَكَّنَ ، قَالَ تَعَالَى وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ . وَقَالَ النَّابِغَةُ : أَبَى غَفْلَتِي أَنِّي إِذَا مَا ذَكَرْتُهُ تَحَرَّكَ دَاءٌ فِي فُؤَادِيَ دَاخِلُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ . فَيُرَادُ بِالْأَمْرِ فِي ادْخُلُوا الدَّوَامُ عَلَى ذَلِكَ ، وَقِيلَ : أُرِيدَ بِالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ فَتَكُونُ خِطَابًا لِلْمُنَافِقِينَ . فَيُؤَوَّلُ قَوْلُهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمَعْنَى أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ فَيَكُونُ تَهَكُّمًا بِهِمْ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ فَيَكُونُ خِطَابًا لِلْمُنَافِقِينَ وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لِأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا صَارَ كَاللَّقَبِ لِمَنِ اتَّبَعَ الدِّينَ اتِّبَاعًا حَقًّا ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ عَلَى هَذَا أَنْ يُثْبِتَ لِلْمُنَافِقِينَ وَصْفَ الْإِسْلَامِ وَيَطْلُبَ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ دُونَ الْعَكْسِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا . وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا : الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْيَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ فَيُؤَوَّلُ ادْخُلُوا بِمَعْنَى شِدَّةِ التَّلَبُّسِ أَيْ بِتَرْكِ مَا لَمْ يَجِئْ بِهِ الدِّينُ ، لِأَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى تَحْرِيمِ السَّبْتِ وَتَرْكِ شُرْبِ أَلْبَانِ الْإِبِلِ وَبَعْضِ مَا اعْتَادُوهُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ أَيَّامَ تَهَوُّدِهِمْ إِذَا صَحَّ مَا رَوَاهُ أَهْلُ أَسْبَابِ النُّزُولِ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ مُؤْمِنِي الْيَهُودِ فَعَلُوا ذَلِكَ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ السِّلْمِ هُنَا الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ وَيُرَادُ السِّلْمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنِ اتَّصَفُوا بِالْإِيمَانِ بِأَلَّا يَكُونَ بَعْضُهُمْ حَرْبًا لِبَعْضٍ كَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَبِتَنَاسِي مَا كَانَ بَيْنَ قَبَائِلِهِمْ مِنَ الْعَدَاوَاتِ ، وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذَا عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ كَذِكْرِهِمْ آبَاءَهُمْ وَكَانُوا يَذْكُرُونَ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ تِرَاتِهِمْ وَيَفْخَرُونَ فَخْرًا قَدْ يُفْضِي إِلَى الْحَمِيَّةِ ، أُمِرُوا عَقِبَ ذَلِكَ بِالدُّخُولِ فِي السِّلْمِ وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَتَكُونُ الْآيَةُ تَكْمِلَةً لِلْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِإِصْلَاحِ أَحْوَالِ الْعَرَبِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَبِهَا تَكُونُ الْآيَةُ أَصْلًا فِي كَوْنِ السِّلْمِ أَصْلًا لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ رَفْعُ التَّهَارُجِ كَمَا قَالَ الشَّاطِبِيُّ أَيِ : التَّقَاتُلِ وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ السِّلْمِ هُنَا السِّلْمَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَعْنَى الْمَجَازِ : أَيِ ادْخُلُوا فِي مُسَالَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ مَنْهِيَّاتِهِ كَمَا أَطْلَقَ الْحَرْبَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مَجَازًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ . وَ ( كَافَّةً ) : اسْمٌ يُفِيدُ الْإِحَاطَةَ بِأَجْزَاءِ مَا وَصَفَ بِهِ ، وَهُوَ فِي صُورَةِ صَوْغِهِ كَصَوْغِ اسْمِ الْفَاعِلَةِ مِنْ كَفَّ وَلَكِنَّ ذَلِكَ مُصَادَفَةٌ فِي صِيغَةِ الْوَضْعِ ، وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْكَفِّ وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَكَلُّفِ بَيَانِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ صُورَةِ لَفْظِهَا وَبَيْنَ مَعْنَاهَا الْمَقْصُودِ فِي الْكَلَامِ لِقِلَّةِ جَدْوَى ذَلِكَ ، وَتُفِيدُ مُفَادَ أَلْفَاظِ التَّوْكِيدِ الدَّالَّةِ عَلَى الشُّمُولِ وَالْإِحَاطَةِ . وَالتَّاءُ الْمُقْتَرِنَةُ بِهَا مُلَازِمَةٌ لَهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ كَيْفَمَا كَانَ الْمُؤَكَّدُ بِهَا مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا مُفْرَدًا أَوْ جَمْعًا ، نَحْوَ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ ( كَافَّةً ) فِي الْكَلَامِ أَنَّهُ حَالٌ مِنِ اسْمٍ قَبْلَهُ كَمَا هُنَا فَقَوْلُهُ كَافَّةً حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ ادْخُلُوا أَيْ حَالَةَ كَوْنِكُمْ ( جَمِيعًا ) لَا يُسْتَثْنَى مِنْكُمْ أَحَدٌ ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْجِهَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْبَابِ الْخَامِسِ فِي ذِكْرِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ وَمِنَ الْمَفْعُولِ : أَنَّ ( كَافَّةً ) إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي مَعْنَى الْجُمْلَةِ وَالْإِحَاطَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا حَالًا مِمَّا جَرَتْ عَلَيْهِ ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا نَكِرَةً وَلَا يَكُونُ مَوْصُوفُهَا إِلَّا مِمَّا يَعْقِلُ ، وَلَكِنَّ الزَّجَّاجَ وَالزَّمَخْشَرِيَّ جَوَّزَا جَعْلَ " كَافَّةً " حَالًا مِنَ السِّلْمِ ، وَالسِّلْمُ مُؤَنَّثٌ ، وَفِي الْحَوَاشِي الْهِنْدِيَّةِ عَلَى الْمُغَنِي لْلدَّمَامِينِيِّ أَنَّهُ وَقَعَ ( كَافَّةً ) اسْمًا لِغَيْرِ الْعَاقِلِ وَغَيْرَ حَالٍ بَلْ مُضَافًا فِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِآلِ كَاكْلَةَ : " قَدْ جَعَلْتُ لِآلِ كَاكْلَةَ عَلَى كَافَّةِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لِكُلِّ عَامٍ مِائَتَيْ مِثْقَالٍ ذَهَبًا إِبْرِيزًا فِي كُلِّ عَامٍ " . وَاعْلَمْ أَنِّ تَحْجِيرَ مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ الْعَرَبُ إِذَا سَوَّغَتْهُ الْقَوَاعِدُ تَضْيِيقٌ فِي اللُّغَةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ اتِّبَاعُ الْعَرَبِ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ أَدْخَلَ فِي الْفَصَاحَةِ لَا مُوجِبًا لِلْوُقُوفِ عِنْدَهُ دُونَ تَعَدِّيهِ فَإِذَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ نَهَضَ . وَقَوْلُهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ، تَحْذِيرٌ مِمَّا يَصُدُّهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِطَرِيقِ النَّهْيِ عَنْ خِلَافِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَفَائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا يَصْدُرُ عَنِ الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ هُوَ مِنْ مَسَالِكِ الشَّيْطَانِ الْمَعْرُوفِ بِأَنَّهُ لَا يُشِيرُ بِالْخَيْرِ ، فَهَذَا النَّهْيُ إِمَّا أَخَصُّ مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِ مَعَ بَيَانِ عِلَّةِ الْأَمْرِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالسِّلْمِ غَيْرَ شُعَبِ الْإِسْلَامِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى مَا خَامَرَ نُفُوسَ جُمْهُورِهِمْ مِنْ كَرَاهِيَةِ إِعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ بِصُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا قَالَ عُمَرُ : أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا ، وَكَمَا قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ : أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِعْلَهُ لَفَعَلْنَا وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، بِإِعْلَامِهِمْ أَنَّ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا خَيْرًا ، كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ : إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا ، تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى أَنَّ مَا خَامَرَ نُفُوسَهُمْ مِنْ كَرَاهِيَةِ الصُّلْحِ هُوَ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ ، وَإِمَّا لِمُجَرَّدِ بَيَانِ عِلَّةِ الْأَمْرِ بِالدُّخُولِ فِي السِّلْمِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالسِّلْمِ شُعَبَ الْإِسْلَامِ ، وَالْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ، وَمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِعَارَةِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا الْآيَةَ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ تَفْرِيعٌ عَلَى النَّهْيِ أَيْ فَإِنِ اتَّبَعْتُمْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَزَلَلْتُمْ أَوْ فَإِنْ زَلَلْتُمْ فَاتَّبَعْتُمْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ، وَأَرَادَ بِالزَّلَلِ الْمُخَالَفَةَ لِلنَّهْيِ . وَأَصْلُ الزَّلَلِ الزَّلَقُ أَيِ اضْطِرَابُ الْقَدَمِ وَتَحَرُّكُهَا فِي الْمَوْضِعِ الْمَقْصُودِ إِثْبَاتُهَا بِهِ ، وَاسْتُعْمِلَ الزَّلَلُ هُنَا مَجَازًا فِي الضُّرِّ النَّاشِئِ عَنِ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ مِنْ بِنَاءِ التَّمْثِيلِ عَلَى التَّمْثِيلِ; لِأَنَّهُ لَمَّا شُبِّهَتْ هَيْئَةُ مَنْ يَعْمَلُ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ بِهَيْئَةِ الْمَاشِي عَلَى أَثَرِ غَيْرِهِ شُبِّهَ مَا يَعْتَرِيهِ مِنَ الضُّرِّ فِي ذَلِكَ الْمَشْيِ بِزَلَلِ الرِّجْلِ فِي الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ الْمُزْلَقَةِ ، وَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطَانُ هُوَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ الطَّرِيقِ الْمُزْلَقَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَكْنِيَّةِ ، وَقَوْلُهُ زَلَلْتُمْ تَخْيِيلٌ وَهُوَ تَمْثِيلِيَّةٌ فَهُوَ مِنَ التَّخْيِيلِ الَّذِي كَانَ مَجَازًا ، وَالْمَجَازُ هُنَا فِي مُرَكَّبِهِ . وَالْبَيِّنَاتُ : الْأَدِلَّةُ وَالْمُعْجِزَاتُ وَمَجِيئُهَا وَظُهُورُهَا وَبَيَانُهَا ، لِأَنَّ الْمَجِيءَ ظُهُورُ شَخْصِ الْجَائِي بَعْدَ غَيْبَتِهِ . وَجِيءَ فِي الشَّرْطِ ( بِإِنْ ) لِنُدْرَةِ حُصُولِ هَذَا الزَّلَلِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ، أَوْ لِعَدَمِ رَغْبَةِ الْمُتَكَلِّمِ فِي حُصُولِهِ إِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِمَنْ آمَنَ بِظَاهِرِهِ دُونَ قَلْبِهِ . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا خَامَرَ نُفُوسَهُمْ مِنْ كَرَاهِيَةِ الصُّلْحِ هُوَ زَلَّةٌ عَظِيمَةٌ . وَقَوْلُهُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ جَوَابُ الشَّرْطِ ، وَ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، مَفْعُولُ اعْلَمُوا ، وَالْمَقْصُودُ عِلْمُ لَازِمِهِ وَهُوَ الْعِقَابُ . وَالْعَزِيزُ فَعِيلٌ مِنْ عَزَّ إِذَا قَوِيَ وَلَمْ يُغْلَبْ ، أَصْلُهُ مِنَ الْعِزَّةِ ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ وَهُوَ ضِدٌّ ، فَكَانَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ تَعَالَى عَزِيزٌ مُسْتَلْزِمًا تَحَقُّقَهُمْ أَنَّهُ مُعَاقِبُهُمْ لَا يُفْلِتُهُمْ ، لِأَنَّ الْعَزِيزَ لَا يَنْجُو مَنْ يُنَاوِئُهُ . وَالْحَكِيمُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ فَاعِلٍ مِنْ حَكَمَ أَيْ قَوِيُّ الْحُكْمِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ الْمُحْكِمُ لِلْأُمُورِ فَهُوَ مِنْ مَجِيءِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ ، وَمُنَاسَبَتُهُ هُنَا أَنَّ الْمُتْقِنَ لِلْأُمُورِ لَا يُفْلِتُ مُسْتَحِقَّ الْعُقُوبَةِ ، فَالْكَلَامُ وَعِيدٌ وَإِلَّا فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ فَاعْلَمُوا تَنْزِيلًا لِعِلْمِهِمْ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الدُّخُولِ فِي الدِّينِ أَوْ لِمُخَالَفَةِ أَحْكَامِ الدِّينِ أَوْ مِنَ الِامْتِعَاضِ بِالصُّلْحِ الَّذِي عَقَدَهُ الرَّسُولُ . وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ إِعْذَارًا لَهُمْ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَفْوِيضُ الْعِلْمِ إِلَى اللَّهِ الَّذِي أَوْحَى إِلَى رَسُولِهِ بِإِبْرَامِ الصُّلْحِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، لِأَنَّهُ مَا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَهْنٍ لِلْمُسْلِمِينَ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لَا يَهِنُ لِأَحَدٍ ، وَلِأَنَّهُ حَكِيمٌ يَضَعُ الْأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا ، وَيَخْتَارُ لِلْمُسْلِمِينَ مَا فِيهِ نَصْرُ دِينِهِ وَقَدْ رَأَيْتُمُ الْبَيِّنَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى عِنَايَةِ اللَّهِ بِرَسُولِهِ وَأَنَّهُ لَا يُخْزِيهِ وَلَا يُضَيِّعُ أَمْرَهُ وَمِنْ تِلْكَ الْبَيِّنَاتِ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ . وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ أَوِ الدَّوَامَ عَلَيْهِ فَالْمَعْنَى : فَإِنْ زَلَلْتُمْ : الِاتِّصَافُ بِمَا يُنَافِي الْأَمْرَ بِالدُّخُولِ فِي السِّلْمِ ، وَالْمُرَادُ بِالْبَيِّنَاتِ الْمُعْجِزَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ ، نَقَلَ الْفَخْرُ عَنْ تَفْسِيرِ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ بِالذَّنْبِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ وَأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ تَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ الْبَيِّنَاتِ لَا بَعْدَ حُصُولِ الْيَقِينِ مِنَ الْمُكَلَّفِ ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي عَدَمِ حُصُولِ الْيَقِينِ إِنْ كَانَتِ الْأَدِلَّةُ كَافِيَةً . وَفِي الْكَشَّافِ رُوِيَ أَنَّ قَارِئًا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ " فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " فَسَمِعَهُ أَعْرَابِيٌّ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : لَا يَقُولُ الْحَكِيمُ كَذَا لَا يَذْكُرُ الْغُفْرَانَ عِنْدَ الزَّلَلِ لِأَنَّهُ إِغْرَاءٌ عَلَيْهِ اهـ . وَفِي الْقُرْطُبِيِّ عَنْ تَفْسِيرِ النَّقَّاشِ نِسْبَةُ مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ ، وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ كُنْتُ أَقْرَأُ : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، وَبِجَنْبِي أَعْرَابِيٌّ ، فَقَالَ : كَلَامُ مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ : كَلَامُ اللَّهِ . قَالَ : لَيْسَ هَذَا كَلَامَ اللَّهِ فَانْتَبَهْتُ فَقَرَأْتُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَقَالَ أَصَبْتَ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ ، فَقُلْتُ : أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ؟ قَالَ : يَا هَذَا عَزَّ فَحَكَمَ فَقَطَعَ وَلَوْ غَفَرَ وَرَحِمَ لَمَا قَطَعَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية