الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ هَذَا قَسِيمُ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ وَذِكْرُهُ هُنَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِطْرَادِ اسْتِيعَابًا لِقِسْمَيِ النَّاسِ ، فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي تَمَحَّضَ فِعْلُهُ لِلْخَيْرِ حَتَّى بَلَغَ غَايَةَ ذَلِكَ وَهُوَ تَعْرِيضُ نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ أَنْفَسُ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ لِلْهَلَاكِ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ مَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى بِفِعْلِ النَّاسِ لِلْخَيْرِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ . وَ ( يَشْرِي ) مَعْنَاهُ يَبِيعُ كَمَا يَشْتَرِي بِمَعْنَى يَبْتَاعُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا . وَاسْتُعْمِلَ يَشْرِي هُنَا فِي الْبَذْلِ مَجَازًا ، وَالْمَعْنَى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَبْذُلُ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ أَيْ هَلَاكًا فِي نَصْرِ الدِّينِ وَهَذَا أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ ، لِأَنَّ النَّفْسَ أَغْلَى مَا عِنْدَ الْإِنْسَانِ . وَمَرْضَاةُ اللَّهِ : رِضَاهُ فَهُوَ مَصْدَرُ رَضِيَ عَلَى وَزْنِ الْمَفْعَلِ زِيدَتْ فِيهِ التَّاءُ سَمَاعًا كَالْمَدْعَاةِ وَالْمَسْعَاةِ ، فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ النَّمِرِيِّ بْنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ الْمُلَقَّبِ بِالرُّومِيِّ ; لِأَنَّهُ كَانَ أَسَرَهُ الرُّومُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي جِهَاتِ الْمَوْصِلِ وَاشْتَرَاهُ بَنُو كَلْبٍ وَكَانَ مَوْلَاهُمْ وَأَثْرَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ وَكَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَوَّلِينَ فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا فَلَحِقَ بِهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِيُوثِقُوهُ فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَانْتَثَلَ كِنَانَتَهُ وَكَانَ رَامِيًا وَقَالَ لَهُمْ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُمْ وَأَيْمُ اللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِمَا فِي كِنَانَتِي ثُمَّ أَضْرَبَ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ ; فَقَالُوا : لَا نَتْرُكُكَ تَخْرُجُ مِنْ عِنْدِنَا غَنِيًّا وَقَدْ جِئْتَنَا صُعْلُوكًا ، وَلَكِنْ دُلَّنَا عَلَى مَالِكَ وَنُخَلِّي عَنْكَ وَعَاهَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ فَدَلَّهُمْ عَلَى مَالِهِ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ حِينَ رَآهُ رِبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَقِيلَ إِنْ كَفَّارَ مَكَّةَ عَذَّبُوا صُهَيْبًا لِإِسْلَامِهِ فَافْتَدَى مِنْهُمْ بِمَالِهِ وَخَرَجَ مُهَاجِرًا ، وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا عَامَّةٌ ، وَأَنَّ صُهَيْبًا أَوْ غَيْرَهُ مُلَاحَظٌ فِي أَوَّلِ مَنْ تَشْمَلُهُ . وَقَوْلُهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ تَذْيِيلٌ أَيْ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ مِنْهُمْ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ، فَالرَّأْفَةُ كِنَايَةٌ عَنْ لَازِمِهَا وَهُوَ إِيتَاءُ الْخَيْرَاتِ كَالرَّحْمَةِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّعْرِيفَ فِي قَوْلِهِ الْعِبَادِ تَعْرِيفُ اسْتِغْرَاقٍ ، لِأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ بِجَمِيعِ عِبَادِهِ وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ تَنَالُهُ رَأْفَةُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى تَفَاوُتٍ فِيهِمَا يَقْتَضِيهِ عِلْمُ اللَّهِ وَحِكْمَتُهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَنَالُهُ رَأْفَةُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَالْكَافِرُونَ ; فَإِنَّ مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ أَنَّهُ أَعْطَاهُمُ الْعَافِيَةَ وَالرِّزْقَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفَ الْعَهْدِ أَيْ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْ قَبِيلِ الَّذِي يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ( الْ ) عِوَضًا عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ كَقَوْلِهِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ، وَالْعِبَادُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ يُرَادُ بِهِ عِبَادٌ مُقَرَّبُونَ قَالَ تَعَالَى إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ . وَمُنَاسَبَةُ هَذَا التَّذْيِيلِ لِلْجُمْلَةِ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُمْ قَدْ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ وَجَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَبِيدَهُ فَاللَّهُ رَءُوفٌ بِهِمْ كَرَأْفَةِ الْإِنْسَانِ بِعَبْدِهِ فَإِنْ كَانَ مَا صَدَقَ ( مَنْ ) عَامًّا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي كُلِّ مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ ، فَالْمَعْنَى وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِهِمْ فَعَدَلَ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى الْإِظْهَارِ لِيَكُونَ هَذَا التَّذْيِيلَ ، وَلِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الرَّأْفَةِ بِهِمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ عِبَادًا لَهُ ، وَإِنْ كَانَ مَا صَدَقَ ( مَنْ ) صُهَيْبًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَالْمَعْنَى وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ صُهَيْبٌ مِنْهُمْ ، وَالْجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ . وَالْمُنَاسَبَةُ أَنَّ صُهَيْبًا كَانَ عَبْدًا لِلرُّومِ ثُمَّ لِطَائِفَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمْ بَنُو كَلْبٍ وَهُمْ لَمْ يَرْأَفُوا بِهِ ، لِأَنَّهُ عُذِّبَ فِي اللَّهِ فَلَمَّا صَارَ عَبْدًا لِلَّهِ رَأَفَ بِهِ . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِلَى قَوْلِهِ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ مَعَانٍ مِنْ مَعَانِي أَدَبِ النُّفُوسِ وَمَرَاتِبِهَا وَأَخْلَاقِهَا تُعَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ وَاجِبَ التَّوَسُّمِ فِي الْحَقَائِقِ وَدَوَاخِلِ الْأُمُورِ ، وَعَدَمَ الِاغْتِرَارِ بِالظَّوَاهِرِ إِلَّا بَعْدَ التَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُغَرُّ بِحُسْنِ ظَاهِرِهِ وَهُوَ مُنْطَوٍ عَلَى بَاطِنِ سُوءٍ وَيُعْطِي مِنْ لِسَانِهِ حَلَاوَةَ تَعْبِيرٍ وَهُوَ يُضْمِرُ الشَّرَّ وَالْكَيْدَ قَالَ الْمُعَرِّيُّ : وَقَدْ يُخْلِفُ الْإِنْسَانُ ظَنَّ عَشِيرَةٍ وَإِنْ رَاقَ مِنْهُ مَنْظَرٌ وَرُوَاءُ وَقَدْ شَمِلَ هَذَا الْحَالُ قَوْلَ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا بِأَحَدِ مَعْنَيَيْهِ الْمُحْتَوِي عَلَيْهِمَا وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ وَتَبْلُغُ هَلْهَلَةُ دِينِهِ إِلَى حَدِّ أَنْ يُشْهِدَ اللَّهَ عَلَى أَنَّ مَا يَقُولُهُ صِدْقٌ وَهُوَ بِعَكْسِ ذَلِكَ يُبَيِّتُ فِي نَفْسِهِ الْخِصَامَ وَالْكَرَاهِيَةَ . وَعَلَامَةُ الْبَاطِنِ تَكُونُ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمَرْءِ فَالَّذِي يُحِبُّ الْفَسَادَ وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَلَا يَكُونُ صَاحِبَ ضَمِيرٍ طَيِّبٍ ، وَأَنَّ الَّذِي لَا يُصْغِي إِلَى دَعْوَةِ الْحَقِّ إِذَا دَعَوْتَهُ إِلَيْهِ وَيُظْهِرُ عَلَيْهِ الِاعْتِزَازَ بِالظُّلْمِ لَا يَرْعَوِي عَنْ غَيِّهِ وَلَا يَتْرُكُ أَخْلَاقَهُ الذَّمِيمَةَ ، وَالَّذِي لَا يَشِحُّ بِنَفْسِهِ فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ يُنْبِئُ خُلُقُهُ عَنْ إِيثَارِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ عَلَى الْبَاطِلِ وَالْفَسَادِ وَمَنْ لَا يَرْأَفُ فَاللَّهُ لَا يَرْأَفُ بِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية