الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ ( وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ) وَمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الِاعْتِرَاضِ وَالتَّفْرِيعَاتِ ، وَالْمُنَاسَبَةِ : أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْكَلَامِ كَانَ فِي غُرُورٍ مِثْلِ الْغُرُورِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَصْحَابُهُ . وَهُوَ غُرُورُ إِحَالَةِ الْبَعْثِ . وَالْآيَةُ تُشِيرُ إِلَى قِصَّةِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ مَعَ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ . فَفِي الصَّحِيحِ : أَنَّ خَبَّابًا كَانَ يَصْنَعُ السُّيُوفَ فِي مَكَّةَ . فَعَمِلَ لِلْعَاصِي بْنِ وَائِلَ سَيْفًا وَكَانَ ثَمَنُهُ دَيْنًا عَلَى الْعَاصِي ، وَكَانَ خَبَّابٌ قَدْ أَسْلَمَ ، فَجَاءَ خَبَّابٌ يَتَقَاضَى دَيْنَهُ مِنَ الْعَاصِي فَقَالَ لَهُ الْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ : لَا أَقْضِيكَهُ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ، فَقَالَ خَبَّابٌ وَقَدْ غَضِبَ : لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثُكَ . قَالَ الْعَاصِي : أَوَمَبْعُوثٌ أَنَا بَعْدَ الْمَوْتِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ الْعَاصِي مُتَهَكِّمًا : إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مَالٌ وَوَلَدٌ وَعِنْدَ ذَلِكَ أَقْضِيكَ دَيْنَكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ . فَالْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ هُوَ الْمُرَادُ بِالَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا . وَالِاسْتِفْهَامُ فِي ( أَفَرَأَيْتَ ) مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ مِنْ كُفْرِ هَذَا الْكَافِرِ ، وَالرُّؤْيَةُ مُسْتَعَارَةٌ لِلْعِلْمِ بِقِصَّتِهِ الْعَجِيبَةِ . نَزَلَتِ الْقِصَّةُ مَنْزِلَةَ الشَّيْءِ الْمُشَاهَدِ بِالْبَصَرِ لِأَنَّهُ مِنْ أَقْوَى طُرُقِ الْعِلْمِ . وَعُبِّرَ عَنْهُ بِالْمَوْصُولِ لِمَا فِي الصِّلَةِ مِنْ مَنْشَأِ الْعَجَبِ وَلَاسِيَّمَا قَوْلُهُ ( لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ) . وَالْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ لَفْتُ الذِّهْنِ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَوْ إِلَى تَذَكُّرِهَا إِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا . وَالْخِطَابُ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لِلْخِطَابِ فَلَمْ يُرَدْ بِهِ مُعَيَّنٌ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلنَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَالْآيَاتُ : الْقُرْآنُ ، أَيْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ وَكَذَّبَ بِهَا . وَمِنْ جُمْلَتِهَا آيَاتُ الْبَعْثِ . وَالْوَلَدُ : اسْمُ جَمْعٍ لِوَلَدٍ الْمُفْرَدِ ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الْأَرْبَعَةِ - ( وَوُلْدٌ ) - بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ - فَهُوَ جَمْعُ وَلَدٍ ، كَأَسَدٍ وَأُسْدٍ . وَجُمْلَةُ ( أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ) جَوَابٌ لِكَلَامِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ بِحَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِ عِبَارَتِهِ مِنَ الْوَعْدِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنَ الْمَالِ الَّذِي سَيَجِدُهُ حِينَ يُبْعَثُ ، فَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ ( أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ) إِنْكَارِيُّ وتَعْجِيبِيُّ . وَ ( اطّلَعَ ) افْتَعَلَ مَنْ طَلَعَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي حُصُولِ فِعْلِ الطُّلُوعِ وَهُوَ الِارْتِقَاءُ ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لِمَكَانِ الطُّلُوعِ مَطْلَعٌ بِالتَّخْفِيفِ وَمُطَّلَعٌ بِالتَّشْدِيدِ . وَمِنْ أَجْلِ هَذَا أُطْلِقَ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْإِشْرَافِ عَلَى الشَّيْءِ ، لِأَنَّ الَّذِي يَرُومُ الْإِشْرَافَ عَلَى مَكَانٍ مَحْجُوبٍ عَنْهُ يَرْتَقِي إِلَيْهِ مِنْ عُلُوٍّ ، فَالْأَصْلُ أَنَّ فِعْلَ اطَّلَعَ قَاصِرٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى التَّعْدِيَةِ ، قَالَ تَعَالَى ( قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ) ، فَإِذَا ضُمِّنَ اطَّلَعَ مَعْنَى أَشَرَفَ عُدِّيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلَاءِ كَقَوْلَهِ تَعَالَى ( لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا ) . وَتَقَدَّمَ إِجْمَالًا فِي سُورَةِ الْكَهْفِ . فَانْتَصَبَ الْغَيْبُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ لَا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ . قَالَ فِي الْكَشَّافِ : وَلِاخْتِيَارِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ شَأنٌ ، يَقُولُ : أَوَقَدْ بَلَغَ مِنْ عَظَمَةِ شَأْنِهِ أَنِ ارْتَقَى إِلَى عِلَمِ الْغَيْبِ اهـ . فَالْغَيْبُ : هُوَ مَا غَابَ عَنِ الْأَبْصَارِ . وَالْمَعْنَى : أَأَشْرَفَ عَلَى عَالَمِ الْغَيْبِ فَرَأَى مَالًا وَوَلَدًا مُعَدَّيْنِ لَهُ حِينَ يَأْتِي يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَوْ فَرَأَى مَالَهُ وَوَلَدَهُ صَائِرِينَ مَعَهُ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ " فَسَيَكُونُ لِي مَالٌ وَوَلَدٌ " عَنَى أَنَّ مَالَهُ وَوَلَدَهُ رَاجِعَانِ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ أَمْ عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ مُعْطِيهِ ذَلِكَ فَأَيْقَنَ بِحُصُولِهِ ، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا أُعِدَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَحَدُ هَذَيْنِ إِمَّا مُكَاشَفَةُ ذَلِكَ وَمُشَاهَدَتُهُ . وَإِمَّا إِخْبَارُ اللَّهِ بِأَنَّهُ يُعْطِيهِ إِيَّاهُ . وَمُتَعَلِّقُ الْعَهْدِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ . تَقْدِيرُهُ : بِأَنْ يُعْطِيَهُ مَالًا وَوَلَدًا . وَعِنْدَ ظَرْفُ مَكَانٍ ، وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ بِتَشْبِيهِ الْوَعْدِ بِصَحِيفَةٍ مَكْتُوبٍ بِهَا تَعَاهُدٌ وَتَعَاقُدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا إِذَا أَرَادُوا تَوْثِيقَ مَا يَتَعَاهَدُونَ عَلَيْهِ كَتَبُوهُ فِي صَحِيفَةٍ وَوَضَعُوهَا فِي مَكَانٍ حَصِينٍ مَشْهُورٍ كَمَا كَتَبَ الْمُشْرِكُونَ صَحِيفَةَ الْقَطِيعَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَوَضَعُوهَا فِي الْكَعْبَةِ . وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ : حَذَرَ الْجَوْرِ والتَّطَاخِي وَهَلْ يَنْقُضُ مَا فِي الْمَهَارِقِ الْأَهْوَاءُ وَلَعَلَّ فِي تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ ( سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ ) إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِطَرِيقِ مُرَاعَاةِ النَّظِيرِ . وَاخْتِيرَ هُنَا مِنْ أَسْمَائِهِ ( الرَّحْمانُ ) . لِأَنَّ اسْتِحْضَارَ مَدْلُولِهِ أَجْدَرُ فِي وَفَائِهِ بِمَا عَهِدَ بِهِ مِنْ النِّعْمَةِ الْمَزْعُومَةِ لِهَذَا الْكَافِرِ ، وَلِأَنَّ فِي ذِكْرِ هَذَا الِاسْمِ تَوَرُّكًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا ( ( وَمَا الرَّحْمَنُ ) . وَ ( كَلَّا ) حَرْفُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ عَنْ مَضْمُونِ كَلَامٍ سَابِقٍ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ ، أَوْ مِنْ كَلَامٍ يُحْكَى عَنْ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ أَوْ مَسْمُوعٍ مِنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي ) . وَالْأَكْثَرُ أَنْ تَكُونَ عَقِبَ آخِرِ الْكَلَامِ الْمُبْطَلِ بِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَى الْكَلَامِ الْمُبْطَلِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْإِبْطَالِ وَتَعْجِيلِهِ وَالتَّشْوِيقِ إِلَى سَمَاعِ الْكَلَامِ الَّذِي سَيَرِدُ بَعْدَهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( كَلَّا وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ ) إِلَى أَحَدِ تَأْوِيلَيْنِ . وَلِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْإِبْطَالِ كَانَتْ فِي مَعْنَى النَّفْيِ ، فَهِيَ نَقِيضُ " إِي " وَ " أَجَلْ " وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَحْرُفِ الْجَوَابِ بِتَقْدِيرِ الْكَلَامِ السَّابِقِ . وَالْمَعْنَى : لَا يَقَعُ مَا حَكَى عَنْهُ مِنْ زَعْمِهِ وَلَا مِنْ غُرُورِهِ . وَالْغَالِبُ أَنْ تَكُونَ مُتْبَعَةً بِكَلَامٍ بَعْدَهَا ، فَلَا يُعْهَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ فِي رَدِّ كَلَامٍ : كَلَّا ، وَيَسْكُتُ . وَلِكَوْنِهَا حَرْفَ رَدْعٍ أَفَادَتْ مَعْنًى تَامًا يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ . فَلِذَلِكَ جَازَ الْوَقْفُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَمَنَعَ الْمُبَرِّدُ الْوَقْفَ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَابُدَّ أَنْ تُتْبَعَ بِكَلَامٍ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : مَوَاقِعُهَا أَرْبَعَةٌ : مُوَقِعٌ يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا وَالِابْتِدَاءُ بِهَا كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ . مُوَقِعٌ يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا وَلَا يَحْسُنُ الِابْتِدَاءُ بِهَا كَقَوْلِهِ ( فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا ) . وَمُوقِعٌ يَحْسُنُ فِيهِ الِابْتِدَاءُ بِهَا وَلَا يَحْسُنُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ) . مَوقِعٌ لَا يَحْسُنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) . وَكَلَامُ الْفَرَّاءِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَبَيْنَ الْمُبَرِّدِ لَفْظِيُّ لِأَنَّ الْوَقْفَ أَعَمُّ مِنَ السُّكُوتِ التَّامِّ . وَحَرْفُ التَّنْفِيسِ فِي قَوْلِهِ ( سَنَكْتُبُ ) لِتَحْقِيقِ أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ) . وَالْمَدُّ فِي الْعَذَابِ : الزِّيَادَةُ مِنْهُ ، كَقَوْلِهِ ( فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ) . وَ ( مَا يَقُولُ ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِيجَازٌ ، لِأَنَّهُ لَوْ حَكَيَ كَلَامَهُ لَطَالَ . وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ ) . أَيْ وَبِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ . أَيْ مَا قَالَهُ مِنَ الْإِلْحَادِ وَالتَّهَكُّمِ بِالْإِسْلَامِ . وَمَا قَالَهُ مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ ، أَيْ سَنَكْتُبُ جَزَاءَهُ وَنُهْلِكُهُ فَنَرِثُهُ مَا سَمَّاهُ مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ ، أَيْ نَرِثُ أَعْيَانَ مَا ذَكَرَ أَسْمَاءَهُ ، إِذْ لَا يُعْقَلُ أَنْ يُورَثَ عَنْهُ قَوْلُهُ وَكَلَامُهُ . فَ ( مَا يَقُولُ ) بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ ضَمِيرِ النَّصْبِ فِي نَرِثُهُ ، إِذِ التَّقْدِيرُ : وَنَرِثُ وَلَدَهُ وَمَالَهُ . وَالْإِرْثُ : مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِي السَّلْبِ وَالْأَخْذِ ، أَوْ كِنَايَةً عَنْ لَازَمِهِ وَهُوَ الْهَلَاكُ . وَالْمَقْصُودُ : تَذْكِيرُهُ بِالْمَوْتِ ، أَوْ تَهْدِيدُهُ بِقُرْبِ هَلَاكِهِ . وَمَعْنَى إِرْثِ أَوْلَادِهِ أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ مُسْلِمِينَ فَيَدْخُلُونَ فِي حِزْبِ اللَّهِ ، فَإِنَّ الْعَاصِي وَلَدَ عَمْرًا الصَّحَابِيَّ الْجَلِيلَ وَهِشَامًا الصَّحَابِيَّ الشَّهِيدَ يَوْمَ أَجْنَادِينَ ، فَهُنَا بِشَارَةٌ لِلنَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنِكَايَةً وَكَمَدًا لِلْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ . وَالْفَرْدُ : الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ مَا يَصِيرُ بِهِ عَدَدًا ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ يُحْشَرُ كَافِرًا وَحْدَهُ دُونَ وَلَدِهِ ، وَلَا مَالَ لَهُ . وَفَرْدًا حَالٌ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية