الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 21 ) ) ( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَذَابِ الَّذِي أَوْعَدَهُ بِهِ ، فَأَظْهَرُ الْأَقَاوِيلِ أَنْ يَنْتِفَ رِيشَهُ وَذَنَبَهُ وَيُلْقِيَهُ فِي الشَّمْسِ مُمَعِطًا ، لَا يَمْتَنِعُ مِنَ النَّمْلِ وَلَا مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَابْنُ حَيَّانَ : لَأَطْلِينَّهُ بِالْقَطْرَانِ وَلَأُشَمِّسَنَّهُ . وَقِيلَ : لَأُودِعَنَّهُ الْقَفَصَ . وَقِيلَ : لَأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِلْفِهِ . وَقِيلَ : لَأَحْبِسَنَّهُ مَعَ ضِدِّهِ . ) ( أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ) لَأَقْطَعَنَّ حَلْقَهُ ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ فِي غَيْبَتِهِ ، وَعُذْرٍ ظَاهِرٍ ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ : " لَيَأْتِيَنَّنِي " بِنُونَيْنِ ، الْأَوْلَى مُشَدَّدَةٌ ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ . وَكَانَ سَبَبُ غَيْبَةِ الْهُدْهُدِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى أَرْضِ الْحَرَمِ ، فَتَجَهَّزَ لِلْمَسِيرِ ، وَاسْتَصْحَبَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالشَّيَاطِينِ وَالطُّيُورِ وَالْوُحُوشِ مَا بَلَغَ مُعَسْكَرَهُ مِائَةَ فَرْسَخٍ ، فَحَمَلَهُمُ الرِّيحُ ، فَلَمَّا وَافَى الْحَرَمَ أَقَامَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ ، وَكَانَ يَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ بِمَقَامِهِ بِمَكَّةَ خَمْسَةَ آلَافِ نَاقَةٍ وَيَذْبَحُ خَمْسَةَ آلَافِ ثَوْرٍ وَعِشْرِينَ أَلْفِ شَاةٍ وَقَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَشْرَافِ قَوْمِهِ : إِنَّ هَذَا مَكَانٌ يَخْرُجُ مِنْهُ نَبِيٌّ عَرَبِيٌّ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا ، يُعْطَى النَّصْرَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ نَاوَأَهُ ، وَتَبْلُغُ هَيْبَتُهُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ ، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ . قَالُوا فَبِأَيِّ دِينٍ يَدِينُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ : يَدِينُ بِدِينِ الْحَنِيفِيَّةِ ، فَطُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَهُ وَآمَنَ بِهِ ، فَقَالُوا : كَمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خُرُوجِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ مِقْدَارُ أَلْفِ عَامٍ فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ ، فَإِنَّهُ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمُ الرُّسُلِ ، قَالَ : فَأَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى قَضَى نُسُكَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ صَبَاحًا ، وَسَارَ نَحْوَ الْيَمَنِ فَوَافَى صَنْعَاءَ وَقْتَ الزَّوَالِ ، وَذَلِكَ مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، فَرَأَى أَرْضًا حَسْنَاءَ تَزْهُو خُضْرَتُهَا فَأَحَبَّ النُّزُولَ بِهَا لِيُصَلِّيَ وَيَتَغَدَّى ، فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ الْهُدْهُدَ : إِنَّ سُلَيْمَانَ قَدِ اشْتَغَلَ بِالنِّزُولِ فَارْتَفِعَ نَحْوَ السَّمَاءِ فَانْظُرْ إِلَى طُولِ الدُّنْيَا وَعَرْضِهَا ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ، فَنَظَرَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَرَأَى بُسْتَانًا لِبِلْقِيسَ ، فَمَالَ إِلَى الْخُضْرَةِ فَوَقْعَ فِيهِ فَإِذَا هُوَ بِهُدْهُدٍ فَهَبَطَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ اسْمُ هُدْهُدِ سُلَيْمَانَ " يَعْفُورُ " وَاسْمُ هُدْهُدِ الْيَمَنِ " عِنْفِيرُ " ، فَقَالَ عِنْفِيرُ الْيَمَنِ لِيَعْفُورِ سُلَيْمَانَ : مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَتْ وَأَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ : أَقْبَلْتُ مِنَ الشَّامِ مَعَ صَاحِبِي سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ . فَقَالَ : وَمَنْ سُلَيْمَانُ ؟ قَالَ مَلِكُ الْجِنَّ وَالْإِنْسِ وَالشَّيَاطِينِ وَالطَّيْرِ وَالْوُحُوشِ وَالرِّيَاحِ ، فَمِنْ أَيْنَ أَنْتِ ؟ قَالَ : أَنَا مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ ، قَالَ : وَمَنْ مَلِكُهَا ؟ قَالَ : امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا بِلْقِيسُ ، وَإِنَّ لِصَاحِبِكُمْ مُلْكًا عَظِيمًا وَلَكِنْ لَيْسَ مُلْكُ بِلْقِيسَ دُونَهُ ، فَإِنَّهَا مَلِكَةُ الْيَمَنِ كُلِّهَا ، وَتَحْتَ يَدِهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَائِدٍ ، تَحْتَ يَدِ كُلِّ قَائِدٍ مِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلٍ ، فَهَلْ أَنْتَ مُنْطَلِقٌ مَعِي حَتَّى تَنْظُرَ إِلَى مُلْكِهَا ؟ قَالَ : أَخَافُ أَنْ يَتَفَقَّدَنِي سُلَيْمَانُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْمَاءِ ، قَالَ الْهُدْهُدُ الْيَمَانِيُّ : إِنْ صَاحَبَكَ يَسُرُّهُ أَنْ تَأْتِيَهُ بِخَبَرِ هَذِهِ الْمَلِكَةِ ، فَانْطَلَقَ مَعَهُ وَنَظَرَ إِلَى بِلْقِيسَ وَمُلْكِهَا ، وَمَا رَجَعَ إِلَى سُلَيْمَانَ إِلَّا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ . قَالَ : فَلَمَّا نَزَلَ سُلَيْمَانُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَكَانَ نَزَلَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، فَسَأَلَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ عَنِ الْمَاءِ فَلَمْ يَعْلَمُوا ، فَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ، فَفَقَدَ الْهُدْهُدَ ، فَدَعَا عَرِّيفَ الطَّيْرِ - وَهُوَ النَّسْرُ - فَسَأَلَهُ عَنِ الْهُدْهُدِ ، فَقَالَ : أَصْلَحَ اللَّهُ الْمَلِكَ ، مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ ، وَمَا أَرْسَلْتُهُ مَكَانًا ، فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ ، وَقَالَ : ) ( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) الْآيَةَ . ثُمَّ دَعَا الْعُقَابَ سَيِّدَ الطَّيْرِ فَقَالَ : عَلَيَّ بِالْهُدْهُدِ السَّاعَةَ ، فَرَفَعَ الْعُقَابُ نَفْسَهُ دُونَ السَّمَاءِ حَتَّى الْتَزَقَ بِالْهَوَاءِ فَنَظَرَ إِلَى الدُّنْيَا كَالْقَصْعَةِ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ ثُمَّ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا هُوَ بِالْهُدْهُدِ مُقْبِلًا مِنْ نَحْوِ الْيَمَنِ ، فَانْقَضَّ الْعُقَابُ نَحْوَهُ يُرِيدُهُ ، فَلَمَّا رَأَى الْهُدْهُدُ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ الْعُقَابَ يَقْصِدُهُ بِسُوءٍ فَنَاشَدَهُ ، فَقَالَ : بِحَقِّ اللَّهِ الَّذِي قَوَّاكَ وَأَقْدَرَكَ عَلَيَّ إِلَّا رَحِمْتَنِي وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِي بِسُوءٍ ، قَالَ : فَوَلَّى عَنْهُ الْعُقَابُ ، وَقَالَ لَهُ : وَيْلُكُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ، إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ حَلَفَ أَنْ يُعَذِّبَكَ أَوْ يَذْبَحَكَ ، ثُمَّ طَارَا مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ سُلَيْمَانَ ، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الْمُعَسْكَرِ تَلَقَّاهُ النَّسْرُ وَالطَّيْرُ ، فَقَالُوا لَهُ : وَيْلُكَ أَيْنَ غِبْتَ فِي يَوْمِكَ هَذَا ؟ وَلَقَدْ تَوَعَّدَكَ نَبِيُّ اللَّهِ ، وَأَخْبَرَاهُ بِمَا قَالَ ، فَقَالَ الْهُدْهُدُ : أَوَمَا اسْتَثْنَى رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : " أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ " ، قَالَ : فَنَجَوْتُ إِذًا ، ثُمَّ طَارَ الْعُقَابُ وَالْهُدْهُدُ حَتَّى أَتَيَا سُلَيْمَانَ وَكَانَ قَاعِدًا عَلَى كُرْسِيِّهِ ، فَقَالَ الْعُقَابُ قَدْ أَتَيْتُكَ بِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَلَمَّا قَرُبَ الْهُدْهُدُ رَفَعَ رَأَسَهُ وَأَرْخَى ذَنَبَهُ وَجَنَاحَيْهِ يَجُرُّهُمَا عَلَى الْأَرْضِ تَوَاضُعًا لِسُلَيْمَانَ ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ أَخَذَ بِرَأْسِهِ فَمَدَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ : أَيْنَ كُنْتَ ؟ لَأُعَذِّبَنَّكَ عَذَابًا شَدِيدًا ، فَقَالَ الْهُدْهُدُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ اذْكُرْ وُقُوفَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمَّا سَمِعَ سُلَيْمَانُ ذَلِكَ ارْتَعَدَ وَعَفَا عَنْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَقَالَ : مَا الَّذِي أَبْطَأَ بِكَ عَنِّي ؟ فَقَالَ الْهُدْهُدُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : ) ( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ )

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية