الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                    جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                    ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ( 56 ) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ( 57 ) ) . وَهَذَا ذِكْرُ إِدْرِيسَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، بِأَنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ، وَأَنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ مَكَانًا عَلِيًّا . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا أَثَرًا غَرِيبًا عَجِيبًا ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عبدِ الْأَعْلَى ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ : سَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا ، وَأَنَا حَاضِرٌ ، فَقَالَ لَهُ : مَا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِإِدْرِيسَ : ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) فَقَالَ كَعْبٌ : أَمَّا إِدْرِيسُ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنِّي أَرْفَعُ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ عَمَلِ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَزْدَادَ عَمَلًا فَأَتَاهُ خَلِيلٌ لَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ كَذَا وَكَذَا ، فَكَلِّمْ لِي مَلَكَ الْمَوْتِ ، فَلْيُؤَخِّرْنِي حَتَّى أَزْدَادَ عَمَلًا فَحَمَلَهُ بَيْنَ جَنَاحَيْهِ ، حَتَّى صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ تَلَقَّاهُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ مُنْحَدِرًا ، فَكَلَّمَ مَلَكَ الْمَوْتِ فِي الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ إِدْرِيسُ ، فَقَالَ : وَأَيْنَ إِدْرِيسُ ؟ فَقَالَ : هُوَ ذَا عَلَى ظَهْرِي . قَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ : فَالْعَجَبُ! بُعِثْتُ وَقِيلَ لِي : اقْبِضْ رُوحَ إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ " . فَجَعَلْتُ أَقُولُ : كَيْفَ أَقْبِضُ رُوحَهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، وَهُوَ فِي الْأَرْضِ ؟ فَقَبَضَ رُوْحَهُ هُنَاكَ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) . هَذَا مِنْ أَخْبَارِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ ، وَفِي بَعْضِهِ نَكَارَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبًا ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ لِذَلِكَ الْمَلَكِ : هَلْ لَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ - يَعْنِي : مَلَكَ الْمَوْتِ - كَمْ بَقِيَ مِنْ أَجَلِي لِكَيْ أَزْدَادَ مِنَ الْعَمَلِ ، وَذَكَرَ بَاقِيَهُ . وَفِيهِ : أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَهُ عَمَّا بَقِيَ مِنْ أَجْلِهِ ، قَالَ : لَا أَدْرِي حَتَّى أَنْظُرَ ، ثُمَّ نَظَرَ ، قَالَ : إِنَّكَ تَسْأَلُنِي عَنْ رَجُلٍ مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ إِلَّا طَرْفَةُ عَيْنٍ ، فَنَظَرَ الْمَلَكُ تَحْتَ جَنَاحِهِ إِلَىإِدْرِيسَ ، فَإِذَا هُوَ قَدْ قُبِضَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ . ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ إِدْرِيسَ كَانَ خَيَّاطًا ، فَكَانَ لَا يَغْرِزُ إِبْرَةً إِلَّا قَالَ : " سُبْحَانَ اللَّهِ " ، فَكَانَ يُمْسِي حِينَ يُمْسِي وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ أَفْضَلَ عَمَلًا مِنْهُ . وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ كَالَّذِي قَبْلَهُ ، أَوْ نَحْوَهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قَالَ : إِدْرِيسُ رُفِعَ وَلَمْ يَمُتْ ، كَمَا رُفِعَ عِيسَى . وَقَالَ سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قَالَ : رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قَالَ : رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَمَاتَ بِهَا . وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَغَيْرُهُ ، فِي قَوْلِهِ : ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قَالَ : الْجَنَّةُ .

                                                                                                                                                                                                    ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                    الخدمات العلمية