الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: وُثُوبُ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ طَالِبًا بِدَمِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ لَمَّا قُتِلُوا بَعْدَ قَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَتَبَ إِلَيْهِمُ الْمُخْتَارُ وَهُوَ فِي السِّجْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعْظَمَ لَكُمُ الْأَجْرَ ، وَحَطَّ عَنْكُمُ الْوِزْرَ بِمُفَارَقَةِ الْقَاسِطِينَ ، وَجِهَادِ الْمُحِلِّينَ ، وَإِنَّكُمْ لَمْ تُنْفِقُوا نَفَقَةً ، وَلَمْ تَقْطَعُوا عَقَبَةً ، وَلَمْ تَخْطُوا خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكُمْ بِهَا دَرَجَةً ، وَكَتَبَ لَكُمْ بِهَا حَسَنَةً ، فَأَبْشِرُوا ، فَإِنِّي لَوْ خَرَجْتُ إِلَيْكُمْ جَرَّدْتُ فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِنْ عَدُوِّكُمُ السَّيْفَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . فَبَعَثُوا إِلَيْهِ فِي الْجَوَابِ: إِنَّا قَدْ قَرَأْنَا كِتَابَكَ وَنَحْنُ بِحَيْثُ يَسُرُّكَ ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ نَأْتِيَكَ حَتَّى نُخْرِجَكَ فَعَلْنَا ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي أَخْرُجُ فِي أَيَّامِي هَذِهِ . وَشَفَعَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَمِيرَيْنِ عَلَى الْكُوفَةِ ، فَضَمَّنُوهُ جَمَاعَةً مِنَ الْأَكَابِرِ وَأَخْرَجُوهُ ، ثُمَّ أَحْلَفَاهُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، لَا يَبْغِيهِمَا [غَائِلَةً] ، وَلَا يَخْرُجُ عَلَيْهِمَا مَا كَانَ لَهُمَا سُلْطَانٌ ، فَإِنْ هُوَ فَعَلَ فَعَلَيْهِ أَلْفُ بَدَنَةٍ يَنْحَرُهَا [لَدَى] رِتَاجِ الْكَعْبَةِ ، وَمَمَالِيكُهُ كُلُّهُمْ أَحْرَارٌ ، فَحَلَفَ لَهُمَا . ثُمَّ جَاءَ إِلَى دَارِهِ فَنَزَلَهَا ، فَقَالَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ، مَا أَحْمَقَهُمْ حِينَ يَرَوْنَ أَنِّي أَفِي لَهُمْ ، أَمَّا حَلِفِي بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِي إِذَا حَلَفْتُ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا أَنْ أُكَفِّرَهُ ، وَخُرُوجِي عَلَيْهِمْ خَيْرٌ مِنْ كَفِّي عَنْهُمْ . وَأَمَّا أَلْفُ بَدَنَةٍ فَمَا قَدْرُ ثَمَنِهَا ، وَأَمَّا عِتْقُ مَمَالِيكِي فَوَدِدْتُ إِنِ اسْتَتَبَّ لِي أَمْرِي ، ثُمَّ لَمْ أَمْلِكْ مَمْلُوكًا أَبَدًا . وَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي دَارِهِ اخْتَلَفَتِ الشِّيعَةُ إِلَيْهِ وَرَضِيَتْ بِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُ يَقْوَى إِلَى أَنَّ عَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ عَلَى عَمَلِهِمَا بِالْكُوفَةِ ، وَبَعَثَ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ ، فَقَدِمَ ابْنُ مُطِيعٍ الْكُوفَةَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ ، فَقِيلَ لَهُ: خُذِ الْمُخْتَارَ وَاحْبِسْهُ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَتَهَيَّأَ لِلذَّهَابِ ، فَقَرَأَ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [8: 30] فَفَهِمَهَا الْمُخْتَارُ ، فَجَلَسَ وَأَلْقَى ثِيَابَهُ ، وَقَالَ: أَلْقُوا عَلَيَّ الْقَطِيفَةَ ، مَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ وَعَكْتُ ، ثُمَّ قَالَ: أَعْلِمُوا ابْنَ مُطِيعٍ حَالَتِي وَاعْتَذِرُوا عِنْدَهُ ، فَأُخْبِرَ بِعِلَّتِهِ ، فَصَدَّقَهُ وَلَهَى عَنْهُ ، وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى أَصْحَابِهِ ، وَأَخَذَ يَجْمَعُهُمْ فِي الدُّورِ حَوْلَهُ ، وَأَرَادَ أَنْ يَثِبَ بِالْكُوفَةِ فِي الْمُحَرَّمِ ، فَقَالَ: بَعْضُ أَصْحَابِهِ لِبَعْضٍ: إِنَّ الْمُخْتَارَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ بِنَا وَقَدْ بَايَعْنَاهُ وَلَا نَدْرِي أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ أَمْ لَا ، فَانْهَضُوا بِنَا إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، فَإِنَّ رَخَّصَ لَنَا فِي اتِّبَاعِهِ تَبِعْنَاهُ ، فَذَهَبُوا إِلَيْهِ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ انْتَصَرَ لَنَا بِمَنْ أَشَاءُ ، فَلَمَّا قَدِمُوا قَالُوا: أَذِنَ لَنَا ، فَفَرِحَ الْمُخْتَارُ ، وَكَانَ قَدِ انْزَعَجَ مِنْ خُرُوجِهِمْ وَخَافَ أَنْ لَا يَأْذَنَ لَهُمْ ، وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ بَعِيدَ الصَّوْتِ كَثِيرَ الْعَشِيرَةِ ، فَأَرَادُوهُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ الْمُخْتَارِ ، فَقَالَ: بَلْ أَكُونُ أَنَا الْأَمِيرُ ، قَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَدْ أَمَرَ الْمُخْتَارَ بِالْخُرُوجِ ، فَسَكَتَ ، فَصَنَعَ الْمُخْتَارُ كِتَابًا عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْمُوَافَقَةِ لِلْمُخْتَارِ ، وَأَقَامَ مَنْ يَشْهَدُ أَنَّهُ كِتَابُ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، فَبَايَعَهُ وَتَرَدَّدَ إِلَيْهِ ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ . فَأَتَى إِيَاسُ بْنُ مَضَارِبٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ خَارِجٌ عَلَيْكَ إِحْدَى اللَّيْلَتَيْنِ ، فَأَخْرَجَ الشُّرَطَ ، وَأَقَامَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فِي الْجَبَابِينِ ، خَارِجَ الْبَلَدِ ، فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَمُرَّنَّ عَلَى دَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ إِلَى جَانِبِ الْقَصْرِ وَسَطَ السُّوقِ ، وَلَأُرْهِبَنَّ عَدُوَّنَا ، وَلَأُرِيَنَّهُمْ هَوَانَهُمْ عَلَيْنَا ، فَمَرَّ فَلَقِيَهُ إِيَاسُ بْنُ مُضَارِبٍ فِي الشُّرَطِ مُظْهِرِينَ السِّلَاحَ ، فَقَالَ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالَ: أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْجَمْعُ مَعَكَ؟ إِنَّ أَمْرَكَ لَمُرِيبٌ وَمَا أَنَا بِتَارِكِكَ حَتَّى آتِيَ بِكَ الْأَمِيرَ ، فَتَنَاوَلَ إِبْرَاهِيمُ رُمْحًا مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِ إِيَاسٍ فَطَعَنَ بِهِ إِيَاسًا فَقَتَلَهُ ، وَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ: انْزِلْ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ ، فَفَعَلَ ، فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ وَدَخَلَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْمُخْتَارِ ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّا اتَّعَدْنَا لِلْخُرُوجِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ ، وَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ اللَّيْلَةَ ، فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: عَرَضَ لِي إِيَاسُ بْنُ مَضَارِبٍ فَقَتَلْتُهُ ، فَقَالَ الْمُخْتَارُ: بَشَّرَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ ، هَذَا أَوَّلُ الْفَتْحِ ، قُمْ يَا سَعِيدُ بْنَ مُنْقِذٍ ، فَأَشْعِلْ فِي الْهَرَادِيِّ النِّيرَانَ ثُمَّ ارْفَعْهَا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَقُمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ ، فَنَادِ: "يَا مَنْصُورُ أَمِتْ" ، وَقُمْ أَنْتَ يَا سُفْيَانُ بْنَ لَيْلٍ ، وَأَنْتَ يَا قُدَامَةُ بْنَ مَالِكٍ وَقُلْ: "يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ" . ثُمَّ قَالَ [الْمُخْتَارُ]: عَلَيَّ بِدِرْعِي وَسِلَاحِي ، فَأُتِيَ بِهِ ، فَأَخَذَ يَلْبَسُ سِلَاحَهُ وَيَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ بَيْضَاءُ حَسْنَاءُ الطَّلَلْ وَاضِحَةُ الْخَدَّيْنِ عَجْزَاءُ الْكَفَلْ أَنِّي غَدَاةَ الرَّوْعِ مِقْدَامٌ بَطَلْ ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لِلْمُخْتَارِ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَضَعَهُمُ ابْنُ مُطِيعٍ فِي الْجَبَابِينِ يَمْنَعُونَ إِخْوَانَنَا أَنْ يَأْتُونَا ، وَيُضَيِّقُونَ عَلَيْهِمْ ، فَلَوْ أَنِّي خَرَجْتُ بِمَنْ مَعِي مِنْ أَصْحَابِي حَتَّى آتِيَ قَوْمِي ، فَيَأْتِيَنِي كُلُّ مَنْ قَدْ بَايَعَنِي ، ثُمَّ سِرْتُ بِهِمْ فِي نَوَاحِي الْكُوفَةِ ، وَدَعَوْتُ بِشِعَارِنَا ، فَخَرَجَ إِلَيَّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ ، قَالَ: فَاعْجَلْ ، وَلَا تُقَاتِلْ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ . فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُلُّ مَنْ كَانَ بَايَعَهُ ، فَسَارَ بِهِمْ فِي سِكَكِ الْكُوفَةِ ، وَخَرَجَ فَهَزَمَ كُلَّ مَنْ لَقِيَهُ مِنَ الْمَسَالِحِ ، وَخَرَجَ الْمُخْتَارُ حَتَّى نَزَلَ فِي ظَهْرِ دَيْرِ هِنْدَ . وَخَرَجَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَنَادَى: يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ ، أَلَا إِنَّ أَمِيرَ آلِ مُحَمَّدٍ قَدْ خَرَجَ فَنَزَلَ دَيْرَ هِنْدَ ، وَبَعَثَنِي إِلَيْكُمْ دَاعِيًا ، فَاخْرُجُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ ، فَخَرَجُوا مِنَ الدُّورِ يَتَدَاعُونَ: يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ . فَوَافَى الْمُخْتَارُ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَثَمَانِمِائَةٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا كَانُوا بَايَعُوهُ ، وَاجْتَمَعُوا لَهُ قَبْلَ انْفِجَارِ الصُّبْحِ . وَجَمَعَ ابْنُ مُطِيعٍ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ وَبَعَثَ شِبْثُ بْنُ رِبْعِيٍّ إِلَى الْمُخْتَارِ فِي نَحْوِ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ ، وَبَعَثَ رَاشِدُ بْنُ إِيَاسٍ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنَ الشُّرَطِ ، وَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ، فَقُتِلَ رَاشِدٌ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ ، وَجَاءَ الْبَشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الْمُخْتَارِ ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُ أَصْحَابِهِ ، وَدَاخَلَ أَصْحَابَ ابْنِ مُطِيعٍ الْفَشَلُ . وَدَنَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ شِبْثٍ وَأَصْحَابِهِ ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَانْكَشَفُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَبْيَاتِ الْكُوفَةِ ، وَرَجَعَ النَّاسُ مِنَ السَّبْخَةِ مُنْهَزِمِينَ إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ ، وَجَاءَهُ قَتْلُ رَاشِدِ بْنِ إِيَاسٍ ، فَأُسْقِطَ فِي يَدِهِ . وَخَرَجَ فَحَضَّ النَّاسَ عَلَى الْقِتَالِ ، وَقَالَ: امْنَعُوا حَرِيمَكُمْ وَقَاتِلُوا عَنْ مِصْرِكُمْ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلْمُخْتَارِ: سِرْ بِنَا ، فَمَا دُونَ الْقَصْرِ أَحَدٌ يَمْنَعُ ، وَلَا يَمْتَنِعُ كَبِيرَ امْتِنَاعٍ ، فَقَالَ الْمُخْتَارُ: لِيَقُمْ هَاهُنَا كُلُّ شَيْخٍ وَكُلُّ ذِي عِلَّةٍ ، وَضَعُوا مَا كَانَ لَكُمْ مِنْ ثِقَلٍ وَمَتَاعٍ بِهَذَا الْمَوْضِعِ . وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ ، وَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمَ أَمَامَهُ . وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ فِي أَلْفَيْنِ ، فَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَنْ أَطْوِهِ وَلَا تَقُمْ ، وَأَمَرَ يَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ أَنْ يَصْمُدَ لِعَمْرٍو . وَمَضَى الْمُخْتَارُ فِي أَثَرِ إِبْرَاهِيمَ ، وَأَقْبَلَ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ فِي أَلْفَيْنِ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمُخْتَارُ سَعِيدَ بْنَ مُنْقِذٍ ، فَوَاقَعَهُ ، وَبَعَثَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَنْ أَطْوِهِ وَامْضِ عَلَى وَجْهِكَ ، فَمَضَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى سِكَّةِ شِبْثٍ ، وَإِذَا نَوْفَلُ بْنُ مُسَاحِقٍ فِي نَحْوٍ مِنْ خَمْسَةِ آلَافٍ ، وَقَدْ أَمَرَ ابْنُ مُطِيعٍ سُوَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَنَادَى فِي النَّاسِ أَنْ يَلْحَقُوا بِابْنِ مُسَاحِقٍ . وَوَلَّى حِصَارَ الْقَصْرِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ ، وَيَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ ، وَأَحْمَرَ بْنَ شُمَيْطٍ . وَخَرَجَ ابْنُ مُطِيعٍ فَاسْتَتَرَ فِي دَارٍ ، وَخَلَّى الْقَصْرَ ، وَفَتَحَ أَصْحَابُهُ الْبَابَ ، وَقَالُوا: يَا ابْنَ الْأَشْتَرِ ، نَحْنُ آمِنُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ ، فَبَايَعُوا الْمُخْتَارَ . وَدَخَلَ الْمُخْتَارُ الْقَصْرَ ، فَبَاتَ بِهِ ، وَخَرَجَ مِنَ الْغَدِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَعَدَ وَلِيَهُ النَّصْرَ ، وَعَدُوَّهُ الْخُسْرَ ، ثُمَّ نَزَلَ فَبَايَعَهُ النَّاسُ ، فَجَعَلَ يَقُولُ: تُبَايِعُونَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالطَّلَبِ بِدِمَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ ، وَجِهَادِ الْمُحِلِّينَ ، وَأَخَذَ الْمُخْتَارُ فِي السِّيرَةِ الْجَمِيلَةِ ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ مُطِيعٍ فِي الدَّارِ الْفُلَانِيَّةِ ، فَسَكَتَ ، فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ إِلَيْهِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَقَالَ لَهُ: تَجَهَّزْ بِهَذِهِ وَاخْرُجْ فَإِنِّي قَدْ شَعَرْتُ بِمَكَانِكَ ، وَكَانَ صَدِيقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ . وَأَصَابَ الْمُخْتَارُ فِي بَيْتِ مَالِ الْكُوفَةِ سَبْعَةَ آلَافِ أَلْفٍ ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ الَّذِينَ حَصَرُوا ابْنَ مُطِيعٍ فِي الْقَصْرِ -وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ- كُلَّ رَجُلٍ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَأَعْطَى سِتَّةَ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِائَتَيْنِ مِائَتَيْنِ ، وَأَدْنَى الْأَشْرَافَ ، فَكَانُوا جُلَسَاءَهُ . وَأَوَّلُ رَجُلٍ عَقَدَ لَهُ الْمُخْتَارُ رَايَةً عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو الْأَشْتَرِ ، عَقَدَ لَهُ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ . وَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدٍ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ ، وَبَعَثَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَعِيدٍ عَلَى الْمَوْصِلِ . فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ الْمُخْتَارِ أَمِيرًا تَنَحَّى لَهُ عَنِ الْمَوْصِلِ ، ثُمَّ شَخَصَ إِلَى الْمُخْتَارِ فَبَايَعَ لَهُ . وَكَانَ الْمُخْتَارُ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ ، ثُمَّ قَالَ: لِي فِيمَا أُحَاوِلُ شُغُلٌ عَنِ الْقَضَاءِ ، فَأَجْلَسَ لِلنَّاسِ شُرَيْحًا ، فَقَضَى بَيْنَ النَّاسِ ، ثُمَّ تَمَارَضَ شُرَيْحٌ ، فَأَقَامَ الْمُخْتَارُ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية