الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ الْمُخْتَارُ بِمَنْ كَانَ بِالْكُوفَةِ مِنْ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ وَالْمُشَايِعِينَ عَلَى قَتْلِهِ ، فَقَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَهَرَبَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ . وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَرْوَانَ لَمَّا اسْتَوْثَقَ لَهُ أَمْرُهُ بَعَثَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ إِلَى الْعِرَاقِ ، وَجَعَلَ لَهُ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَبَ الْكُوفَةَ إِذَا ظَفِرَ بِأَهْلِهَا ثَلَاثًا . فَمَرَّ بِأَرْضِ الْجَزِيرَةِ فَاحْتَبَسَ بِهَا وَبِقِتَالِ أَهْلِهَا عَنِ الْعِرَاقِ نَحْوًا مِنْ سَنَةٍ ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ ، فَكَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدٍ عَامِلُ الْمُخْتَارِ عَلَى الْمَوْصِلِ إِلَى الْمُخْتَارِ: أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أُخْبِرُكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ قَدْ دَخَلَ إِلَى أَرْضِ الْمَوْصِلِ ، وَقَدْ وَجَّهَ خَيْلَهُ قِبَلِي وَرِجَالَهُ ، وَأَنِّي انْحَزْتُ إِلَى تِكْرِيتَ حَتَّى يَأْتِيَنِي أَمْرُكَ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُخْتَارُ: أَصَبْتَ فَلَا تَبْرَحْ مِنْ مَكَانِكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي ، ثُمَّ قَالَ لِيَزِيدَ بْنِ أَنَسٍ: اذْهَبْ إِلَى الْمَوْصِلِ فَإِنِّي مُمِدُّكَ بِالرِّجَالِ . فَقَالَ: سَرِّحْ مَعِي ثَلَاثَةَ آلَافِ [فَارِسٍ] أَنْتَخِبُهُمْ ، فَإِنِ احْتَجْتُ إِلَى الرِّجَالِ فَسَأَكْتُبُ إِلَيْكَ . قَالَ [الْمُخْتَارُ]: فَانْتَخِبْ مَنْ أَحْبَبْتَ ، فَانْتَخَبَ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ . ثُمَّ فَصَلَ مِنَ الْكُوفَةِ ، فَخَرَجَ مَعَهُ الْمُخْتَارُ يُشَيِّعُهُ ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ فَلَا تُنَاظِرْهُمْ ، وَإِذَا أَمْكَنَتْكَ الْفُرْصَةُ فَلَا تُؤَخِّرْهَا ، وَلْيَكُنْ خَبَرُكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ عِنْدِي ، وَإِنِ احْتَجْتَ إِلَى مَدَدٍ فَاكْتُبْ إِلَيَّ ، مَعَ أَنِّي مُمِدُّكَ وَلَوْ لَمْ تَسْتَمِدَّ . فَقَالَ يَزِيدُ: وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُهُمْ فَفَاتَنِي النَّصْرُ لَا تَفُوتُنِي الشَّهَادَةُ . فَكَتَبَ الْمُخْتَارُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ: أَمَّا بَعْدُ ، فَخَلِّ بَيْنَ يَزِيدَ وَبَيْنَ الْبِلَادِ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ . فَسَارٍ حَتَّى أَتَى أَرْضَ الْمَوْصِلِ ، فَسَأَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ عِدَّةِ أَصْحَابِ يَزِيدَ ، فَقِيلَ: خَرَجَ مَعَ ثَلَاثَةِ آلَافٍ ، فَقَالَ: أَنَا أَبْعَثُ إِلَى كُلِّ أَلْفٍ أَلْفَيْنِ . فَمَرِضَ يَزِيدُ فَقَالَ: إِنْ هَلَكْتُ فَأَمِيرُكُمْ وَرْقَاءُ بْنُ عَازِبٍ الْأَسَدِيُّ ، فَإِنْ هَلَكَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ضَمْرَةَ الْعُذْرِيُّ ، فَإِنْ هَلَكَ فَأَمِيرُكُمْ سِعْرُ بْنُ أَبِي سِعْرٍ الْحَنَفِيُّ . ثُمَّ قَالَ: قَدِّمُونِي وَقَاتِلُوا ، وَقَاتِلُوا عَنِّي . فَأَخْرَجُوهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ ، فَجَعَلَ يَقُولُ: اصْنَعُوا كَذَا ، افْعَلُوا كَذَا ، ثُمَّ يَغْلِبُهُ الْوَجَعُ فَيُوضَعُ . فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ قَبْلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ ، فَهُزِمَ أَصْحَابُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقُتِلَ قَائِدُهُمْ . ثُمَّ اقْتَتَلُوا يَوْمَ الْأَضْحَى ، فَهُزِمَ أَصْحَابُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا . وَأَتَى يَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ بِثَلَاثِمِائَةِ أَسِيرٍ ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ ، فَقُتِلُوا ، فَمَا أَمْسَى يَزِيدُ حَتَّى مَاتَ ، فَانْكَسَرَ أَصْحَابُهُ بِمَوْتِهِ . فَقَالَ وَرْقَاءُ: يَا قَوْمُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْنَا فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ، فَمَاذَا تَرَوْنَ؟ فَإِنِّي أَرَى أَنْ نَرْجِعَ ، قَالُوا: افْعَلْ ، فَرَجَعَ وَرَجَعُوا . فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُخْتَارِ ، فَبَعَثَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ عَلَى تِسْعَةِ آلَافٍ ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَارْدُدْهُمْ مَعَكَ ، ثُمَّ سِرْ حَتَّى تَلْقَى عَدُوَّكَ فَتُنَاجِزَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ تَغَيَّرُوا عَلَى الْمُخْتَارِ ، وَقَالُوا: أَتَأْمُرُ عَلَيْنَا بِغَيْرِ رِضًا مِنَّا ، وَزَعَمَ أَنَّ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْ ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى قِتَالِهِ ، وَصَبَرُوا حَتَّى بَلَغَ ابْنُ الْأَشْتَرِ سَابَاطَ ، ثُمَّ وَثَبُوا عَلَى الْمُخْتَارِ ، فَمَنَعُوا أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَعَسْكَرُوا ، فَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ: لَا تَضَعْ كِتَابِي مِنْ يَدِكَ حَتَّى تُقْبِلَ بِجَمِيعِ مَنْ مَعَكَ إِلَيَّ . ثُمَّ بَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَيْهِمْ: أَخْبِرُونِي مَاذَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَعْتَزِلَنَا ، فَإِنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ بَعَثَكَ وَلَمْ يَبْعَثْكَ ، فَقَالَ الْمُخْتَارُ: ابْعَثُوا إِلَيْهِ مِنْ قِبَلِكُمْ وَفْدًا ، وَأَبْعَثُ مِنْ قِبَلِي وَفْدًا حَتَّى تَنْظُرُوا ، إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَشْغَلَهُمْ بِالْحَدِيثِ حَتَّى يَقْدَمَابْنُ الْأَشْتَرِ ، فَأَسْرَعَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى قَدِمَ صَبِيحَةَ ثَلَاثَةٍ مِنْ مَخْرَجِهِمْ عَلَى الْمُخْتَارِ . ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمُ الْمُخْتَارُ فَاقْتَتَلُوا كَأَشَدِّ قِتَالٍ ، وَنُصِرَ عَلَيْهِمُ الْمُخْتَارُ ، وَهَرَبُوا ، وَأُدْرِكَ مِنْهُمْ قَوْمٌ ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ شَمِرَ بْنَ ذِي الْجَوْشَنِ ، وَأُسِرَ سُرَاقَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ ، فَقَالَ: مَا أَسَرْتُمُونِي ، وَإِنَّمَا أَسَرَنِي قَوْمٌ عَلَى دَوَابَّ بُلْقٍ ، وَجَاءَ سُرَاقَةُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، لَقَدْ رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُقَاتِلُ عَلَى خُيُولٍ بُلْقٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فَقَالَ لَهُ الْمُخْتَارُ: فَاصْعَدِ الْمِنْبَرَ وَأَعْلِمِ الْمُسْلِمِينَ ، فَفَعَلَ ، فَلَمَّا نَزَلَ خَلَا بِهِ الْمُخْتَارُ ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تَرَ الْمَلَائِكَةَ ، وَإِنَّمَا أَرَدْتَ أَنْ لَا أَقْتُلَكَ ، فَاذْهَبْ عَنِّي حَيْثُ شِئْتَ ، وَلَا تُفْسِدْ عَلَيَّ أَصْحَابِي . وَنَادَى الْمُخْتَارُ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ إِلَّا رَجُلًا أَشْرَكَ فِي دَمِ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَخَرَجَ أَشْرَافُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَحِقُوا بِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْبَصْرَةِ ، وَتَجَرَّدَ الْمُخْتَارُ لِقَتَلَةِ الْحُسَيْنِ ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا يَسُوغُ لِي الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ حَتَّى أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْهُمْ ، وَأُنَقِّيَ الْمِصْرَ مِنْهُمْ ، فَجَعَلَ يَتْبَعُ مَنْ خَرَجَ فِي قِتَالِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقْتُلُهُمْ شَرَّ قَتْلٍ ، وَبَعَثَ إِلَى خَوْلِيٍّ الْأَصْبَحِيِّ -وَهُوَ صَاحِبُ رَأْسِ الْحُسَيْنِ- فَأَحَاطُوا بِدَارِهِ ، فَاخْتَبَأَ فِي الْمَخْرَجِ ، فَقَالُوا لِامْرَأَتِهِ: أَيْنَ هُوَ؟ فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي ، وَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى الْمَخْرَجِ ، فَأَخْرَجُوهُ فَقَتَلُوهُ وَأَحْرَقُوهُ . وَبَعَثَ إِلَى عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ مَنْ قَتَلَهُ ، وَكَانَ قَدْ أَعْطَاهُ فِي أَوَّلِ مَا خَرَجَ أَمَانًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُحْدِثَ . وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ [يَقُولُ]: إِنَّمَا أَرَادَ بِالْحَدَثِ دُخُولَ الْخَلَاءِ ، فَجِيءَ بِرَأْسِهِ وَابْنُهُ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ جَالِسٌ عِنْدَ الْمُخْتَارِ ، فَقَالَ لَهُ: أَتَعْرِفُ هَذَا الرَّأْسَ؟ فَاسْتَرْجَعَ وَقَالَ: نَعَمْ ، لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُ ، فَقَالَ الْمُخْتَارُ: صَدَقْتَ فَإِنَّكَ لَا تَعِيشُ بَعْدَهُ ، فَقُتِلَ ، فَإِذَا رَأَسُهُ مَعَ رَأْسِ أَبِيهِ ، فَقَالَ الْمُخْتَارُ: هَذَا بِحُسَيْنٍ ، وَهَذَا بِعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، وَلَا سَوَاءَ ، وَاللَّهِ لَوْ قُتِلَ بِهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ قُرَيْشٍ مَا وَفَّوْا أُنْمُلَةً مِنْ أَنَامِلِهِ . ثُمَّ بَعَثَ بِرَأْسَيْهِمَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَكَانَ الَّذِي هَيَّجَ عَلَى قَتْلِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَقُولُ: يَزْعُمُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَنَا شِيعَةٌ وَقَتَلَةُ الْحُسَيْنِ جُلَسَاؤُهُ يُحَدِّثُونَهُ . فَمَا لَبِثَ أَنْ قَتَلَ عُمَرَ وَابْنَهُ ، وَطَلَبَ الْمُخْتَارُ سِنَانَ بْنَ أَنَسٍ الَّذِي كَانَ يَدَّعِي قَتْلَ الْحُسَيْنِ ، فَوَجَدَهُ قَدْ هَرَبَ إِلَى الْبَصْرَةِ ، فَهَدَمَ دَارَهُ ، وَمَا زَالَ يَتْبَعُ الْقَوْمَ وَيَقْتُلُهُمْ بِفُنُونِ الْقَتْلِ ، فَإِذَا لَمْ يَجِدِ الرَّجُلَ هَدَمَ دَارَهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية