الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              الْبَابُ الثَّانِي فِي سَبَبِ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ وَكِفَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ مَكْرَ الْمُشْرِكِينَ حِينَ أَرَادُوا مَا أَرَادُوا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتَادَةَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا رَأَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَتْ لَهُ شِيعَةٌ وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ بَلَدِهِمْ ، وَرَأَوْا خُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْهِمْ ، عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَزَلُوا دَارًا وَأَصَابُوا جِوَارًا وَمَنَعَةً ، فَحَذِرُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ لِحَرْبِهِمْ ، فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ- وَهِيَ دَارُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَقْضِي أَمْرًا إِلَّا فِيهَا- يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَافُوهُ . فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وَاتَّعَدُوا ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ يُسَمَّى يَوْمَ الزَّحْمَةِ فَاعْتَرَضَهُمْ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي هَيْئَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ عَلَيْهِ بَتٌّ لَهُ ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الدَّارِ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ وَاقِفًا عَلَى بَابِهَا قَالُوا : مَنِ الشَّيْخُ؟ قَالَ : شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ سَمِعَ بِالَّذِي اتَّعَدْتُمْ لَهُ فَحَضَرَ مَعَكُمْ لِيَسْمَعَ مَا تَقُولُونَ وَعَسَى أَلَّا تَعْدَمُوا مِنْهُ رَأْيًا وَلَا نُصْحًا . قَالُوا : أَجْلٌ فَادْخُلْ ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ ، وَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ : مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ : عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ- وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ- [وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ] : طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ- وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ- وَالْحَرْثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ . وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ] : النَّضْرُ بْنُ الْحَرْثِ بْنِ كَلَدَةَ [وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى] : أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ ، وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ- وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ- وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ- وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ ، [وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ] : أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ ، [وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ] : نُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ ، وَمَنْ بَنِي جُمَحَ : أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ مِنْ قُرَيْشٍ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَأْمَنُهُ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَيْنَا بِمَنْ قَدِ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِنَا فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا . قَالَ : فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ- نَقَلَ السُّهَيْلِيُّ عَنِ ابْنِ سَلَامٍ أَنَّهُ أَبُو الْبَخْتَرِيُّ بْنُ هِشَامٍ- احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا ، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشْبَاهُهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ : زُهَيْرًا وَالنَّابِغَةَ وَمَنْ مَضَى مِنْهُمْ مَنْ هَذَا الْمَوْتِ حَتَّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ . فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ- لَعَنَهُ اللَّهُ- : لَا وَاللَّهِ مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ ، وَاللَّهِ لَوْ حَبَسْتُمُوهُ كَمَا تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنَّ أَمْرُهُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ الَّذِي أَغْلَقْتُمْ دُونَهُ إِلَى أَصْحَابِهِ ، فَلَأَوْشَكُوا أَنْ يَثِبُوا عَلَيْكُمْ فَيَنْتَزِعُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ ، ثُمَّ يُكَاثِرُوكُمْ بِهِ حَتَّى يَغْلِبُوكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ فَانْظُرُوا فِي غَيْرِهِ . فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ- ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ أَبُو الْأَسْوَدِ رَبِيعَةُ بْنُ عَمْرٍو أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ- نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلَادِنَا ، فَإِذَا خَرَجَ عَنَّا فَوَاللَّهِ مَا نُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ وَلَا حَيْثُ وَقَعَ ، إِذَا غَابَ عَنَّا وَفَرَغْنَا مِنْهُ فَأَصْلَحْنَا أَمَرَنَا وَأُلْفَتَنَا [كَمَا كَانَتْ] فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ : لَا وَاللَّهِ ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيِ ، أَلَمْ تَرَوْا حُسْنَ حَدِيثِهِ وَحَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ وَغَلَبَتَهُ قُلُوبَ الرِّجَالِ بِمَا يَأْتِي بِهِ؟ وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا أَمِنْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَدِيثِهِ حَتَّى يُتَابِعُوهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَسِيرَ بِهِمْ إِلَيْكُمْ حَتَّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ فِي بِلَادِكُمْ ، فَيَأْخُذَ أَمْرَكُمْ مِنْ أَيْدِيكُمْ ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِكُمْ مَا أَرَادَ ، دَبِّرُوا فِيهِ رَأْيًا غَيْرَ هَذَا . فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ : وَاللَّهِ إِنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدُ . قَالُوا : وَمَا هُوَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ : أَرَى أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلِدًا نَسِيبًا وَسِيطًا ، ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا ، ثُمَّ يَعْمِدُوا إِلَيْهِ بِأَجْمَعِهِمْ فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَيَقْتُلُوهُ فَنَسْتَرِيحُ مِنْهُ ، فَإِنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ جَمِيعًا ، فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا ، فَرَضُوا مِنَّا بِالْعَقْلِ فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ . فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ أَخْزَاهُ اللَّهُ : الْقَوْلُ مَا قَالَ الرَّجُلُ ، هَذَا الرَّأْيُ لَا أَرَى غَيْرَهُ . وَذَكَرَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا حَمِدَ رَأْيَ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ قَالَ : الرَّأْيُ رَأْيَانِ : رَأْيٌ لَيْسَ يَعْرِفُهُ هَادٍ وَرَأْيٌ كَنَصْلِ السَّيْفِ مَعْرُوفُ يَكُونُ أَوَّلَهُ عِزٌّ وَمَكْرُمَةٌ يَوْمًا وَآخِرَهُ جِدٌّ وَتَشْرِيفُ وَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُجْمِعُونَ لَهُ . فَأَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فِرَاشِكَ الَّذِي كُنْتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ ، وَأَخْبَرَهُ بِمَكْرِ الْقَوْمِ وَإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِالْخُرُوجِ . فَلَمَّا كَانَتِ الْعَتَمَةُ مِنَ اللَّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانَهُمْ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : «نَمْ عَلَى فِرَاشِي وَتَسَجَّ بِبُرْدِي هَذَا الْحَضْرَمِيِّ الْأَخْضَرِ فَنَمْ فِيهِ فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ» ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ فِي بُرْدِهِ ذَلِكَ إِذَا نَامَ . فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ : إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّكُمْ إِنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ كُنْتُمْ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ، فَجُعِلَتْ لَكُمْ جِنَانٌ كَجِنَانِ الْأُرْدُنِّ وَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ فِيكُمْ ذَبْحٌ ، ثُمَّ بِعُثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فَجُعِلَتْ لَكُمْ نَارٌ تُحْرَقُونَ فِيهَا . فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ : «نَعَمْ أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ وَأَنْتَ أَحَدُهُمْ» . وَأَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ فَلَا يَرَوْنَهُ فَجَعَلَ يَذْرِي ذَلِكَ التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَاتِ : يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [يس : 1- 9] فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ . فَأَتَاهُمْ آتٍ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فَقَالَ : «مَا تَنْتَظِرُونَ هَهُنَا»؟ قَالُوا : «مُحَمَّدًا» . قَالَ : «خَيَّبَكُمُ اللَّهُ ، قَدْ وَاللَّهِ خَرَجَ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ ثُمَّ مَا تَرَكَ مِنْكُمْ رَجُلًا إِلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا وَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ ، أَفَمَا تَرَوْنَ مَا بِكُمْ»؟ قَالَ : «فَوَضَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا عَلَيْهِ تُرَابٌ» ، ثُمَّ جَعَلُوا يَتَطَلَّعُونَ فَيَرَوْنَ عَلِيًّا عَلَى الْفِرَاشِ مُتَسَجِّيًا بِبُرْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَقُولُونَ : وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لِمُحَمَّدٌ نَائِمًا عَلَيْهِ بُرْدُهُ . فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحُوا . فَقَامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْفِرَاشِ . فَقَالُوا : «وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَنَا الَّذِي كَانَ حَدَّثَنَاهُ» . وَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ . وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : «شَرَى عَلَيَّ نَفْسَهُ وَلَبِسَ ثَوْبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَامَ مَكَانَهُ» . وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَرْجُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلُوا يَرْمُونَ عَلِيًّا وَيَرَوْنَهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجَعَلَ عَلِيٌّ يَتَوَضَّأُ فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ ، فَقَالُوا : إِنَّكَ لَلَئِيمٌ ، إِنَّكَ لَتَتَضَوَّرُ وَكَانَ صَاحِبُكَ لَا يَتَضَوَّرُ وَقَدِ اسْتَنْكَرْنَاهُ مِنْكَ . وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ شَرَى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ عَلِيٌّ ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا : وَقَيْتُ بِنَفْسِي خَيْرَ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَبِالْحَجَرِ رَسُولَ إِلَهٍ خَافَ أَنْ يَمْكُرُوا بِهِ فَنَجَّاهُ ذُو الطَّوْلِ الْإِلَهُ مِنَ الْمَكْرِ وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ فِي الْغَارِ آمِنًا مُوَقًّى وَفِي حِفْظِ الْإِلَهِ وَفِي سَتْرِ وَبِتُّ أُرَاعِيهِمْ وَمَا يَتَّهِمُونَنِي وَقَدْ وَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَا كَانُوا أَجْمَعُوا لَهُ : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ بِالْوَثَاقِ وَالْحَبْسِ وَالْإِثْخَانِ بِالْجُرْحِ (أَوْ يَقْتُلُوكَ ) بِسُيُوفِهِمْ (أَوْ يُخْرِجُوكَ ) - مِنْ مَكَّةَ- (وَيَمْكُرُونَ ) - يَحْتَالُونَ فِي أَمْرِكَ- (وَيَمْكُرُ اللَّهُ ) - يُجَازِيهِمْ جَزَاءَ مَكْرِهِمْ فَسَمَّى الْجَزَاءَ مَكْرًا لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمُ احْتَالُوا فِي إِبْطَالِ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ تَعَالَى مَنَعَهُ مِنْهُمْ وَأَظْهَرَهُ وَقَوَّاهُ وَنَصَرَهُ فَضَاعَ فِعْلُهُمْ وَظَهَرَ فِعْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ- وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الْأَنْفَالِ : 30] - لِأَنَّ مَكْرَهُ حَقٌّ ، وَإِتْيَانَ هَذَا مِمَّا يَحْسُنُ لِلْمُزَاوَجَةِ وَلَا يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ ابْتِدَاءً لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ الذَّمِّ ، وَهَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ ، وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ . وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ فَذَكِّرْ- أَيْ دُمْ عَلَى تَذْكِيرِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا تَرْجِعْ عَنْهُمْ لِقَوْلِهِمْ لَكَ كَاهِنٌ مَجْنُونٌ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ- جَزْمًا- وَلَا مَجْنُونٍ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ- أَمْ- بَلْ- يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ- أَيْ حَوَادِثَ الدَّهْرِ فَيَهْلِكُ كَغَيْرِهِ مِنَ الشُّعَرَاءِ- قُلْ- لَهُمْ- تَرَبَّصُوا- هَلَاكِي- فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطُّورِ : 29 ، 31] - لِهَلَاكِكُمْ ، فَعُذِّبُوا بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَالتَّرَبُّصِ الِانْتِظَارُ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية