الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ لَا يُشَاهِدَ إِلَّا وَاحِدًا وَهُوَ يُشَاهِدُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَسَائِرَ الْأَجْسَامِ الْمَحْسُوسَةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ فَكَيْفَ يَكُونُ الْكَثِيرُ وَاحِدًا ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ غَايَةُ عُلُومِ الْمُكَاشَفَاتِ . وَأَسْرَارُ هَذَا الْعِلْمِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسَطَّرَ فِي كِتَابٍ فَقَدْ قَالَ الْعَارِفُونَ إِفْشَاءُ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ كُفْرٌ ثُمَّ هُوَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِعِلْمِ الْمُعَامَلَةِ نَعَمْ ذَكَرَ مَا يَكْسِرُ سَوْرَةَ اسْتِبْعَادِكَ مُمْكِنٌ وَهُوَ أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ كَثِيرًا بِنَوْعِ مُشَاهَدَةٍ وَاعْتِبَارٍ وَيَكُونُ وَاحِدًا بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ وَالِاعْتِبَارِ وَهَذَا ، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ كَثِيرٌ إِنِ الْتَفَتَّ إِلَى رُوحِهِ وَجَسَدِهِ وَأَطْرَافِهِ وَعُرُوقِهِ وَعِظَامِهِ وَأَحْشَائِهِ وَهُوَ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ وَمُشَاهَدَةٍ أُخْرَى وَاحِدٌ إِذْ نَقُولُ إِنَّهُ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْإِنْسَانِيَّةِ وَاحِدٌ ، وَكَمْ مِنْ شَخْصٍ يُشَاهِدُ إِنْسَانًا وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ كَثْرَةُ أَمْعَائِهِ وَعُرُوقِهِ وَأَطْرَافِهِ وَتَفْصِيلُ رُوحِهِ وَجَسَدِهِ وَأَعْضَائِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي حَالَةِ الِاسْتِغْرَاقِ وَالِاسْتِهْتَارِ بِهِ مُسْتَغْرِقٌ بِوَاحِدٍ لَيْسَ فِيهِ تَفْرِيقٌ وَكَأَنَّهُ فِي عَيْنِ الْجَمْعِ وَالْمُلْتَفِتُ إِلَى الْكَثْرَةِ فِي تَفَرُّقِهِ فَكَذَلِكَ كَلُّ مَا فِي الْوُجُودِ مِنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ لَهُ اعْتِبَارَاتٌ وَمُشَاهَدَاتٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ فَهُوَ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٌ مِنَ الِاعْتِبَارَاتِ وَاحِدٌ وَبِاعْتِبَارَاتٍ أُخَرَ سِوَاهُ كَثِيرٌ وَبَعْضُهَا أَشَدُّ كَثْرَةً مِنْ بَعْضٍ وَمِثَالُهُ الْإِنْسَانُ وَإِنْ كَانَ لَا يُطَابِقُ الْغَرَضَ وَلَكِنَّهُ يُنَبَّهُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى كَيْفِيَّةِ مَصِيرِ الْكَثْرَةِ فِي حُكْمِ الْمُشَاهَدَةِ وَاحِدًا وَيَسْتَبِينُ بِهَذَا الْكَلَامِ تَرْكَ الْإِنْكَارِ وَالْجُحُودَ لِمَقَامٍ لَمْ تُبَلَّغْهُ وَتُؤْمِنْ بِهِ إِيمَانَ تَصْدِيقٍ فَيَكُونُ لَكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّكَ مُؤْمِنٌ بِهَذَا التَّوْحِيدِ نَصِيبٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا آمَنْتَ بِهِ صِفَتَكَ كَمَا أَنَّكَ إِذَا آمَنْتَ بِالنُّبُوَّةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا كَانَ لَكَ نَصِيبٌ مِنْهُ بِقَدْرِ قُوَّةِ إِيمَانِكَ . وَهَذِهِ الْمُشَاهَدَةُ الَّتِي لَا يَظْهَرُ فِيهَا إِلَّا الْوَاحِدُ الْحَقُّ تَارَةً تَدُومُ وَتَارَةً تَطْرَأُ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَالدَّوَامُ نَادِرٌ عَزِيزٌ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَلَّاجُ حَيْثُ رَأَى الْخَوَّاصَ يَدُورُ فِي الْأَسْفَارِ فَقَالَ فِيمَا إِذًا أَنْتَ ؟ فَقَالَ : أَدُورُ فِي الْأَسْفَارِ لِأُصَحِّحَ حَالَتِي فِي التَّوَكُّلِ وَقَدْ كَانَ مِنْ الْمُتَوَكِّلِينَ فَقَالَ الْحُسَيْنُ قَدْ أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ فِي عُمْرَانِ بَاطِنِكَ فَأَيْنَ الْفَنَاءِ فِي التَّوْحِيدِ فَكَأَنَّ الْخَوَّاصَ كَانَ فِي تَصْحِيحِ الْمَقَامِ الثَّالِثِ فِي التَّوْحِيدِ فَطَالَبَهُ بِالْمَقَامِ الرَّابِعِ فَهَذِهِ مَقَامَاتُ الْمُوَحِّدِينَ فِي التَّوْحِيدِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ . إتحاف السادة المتقين (فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ لَا يُشَاهِدَ إِلَّا وَاحِدًا وَهُوَ يُشَاهِدُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَسَائِرَ الْأَجْسَامِ الْمَحْسُوسَةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ فَكَيْفَ يَكُونُ الْكَثِيرُ وَاحِدًا؟ فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ غَايَةُ عُلُومِ الْمُكَاشَفَاتِ وَأَسْرَارُ هَذَا الْعِلْمِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسَطَّرَ فِي كِتَابٍ) فَيَطَّلِعَ عَلَيْهِ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِمُزَاوَلَتِهَا فَيَقَعَ فِي وَحْلِهِ لَا يَكَادُ يَتَخَلَّصُ مِنْهَا (فَقَدْ قَالَ الْعَارِفُونَ إِفْشَاءُ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ كُفْرٌ) وَقَدْ نُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ لِسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ وَقِيلَ لِأَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا الْمُصَنِّفُ وَأَجَابَ عَنْهَا فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ الْإِمْلَاءَ عَلَى مُشْكِلَاتِ الْحَيَاةِ قَالَ فِيهِ فِي تَقْرِيرِ السُّؤَالِ وَمَا مَعْنَى قَوْلِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ إِفْشَاءُ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ كُفْرٌ وَأَيْنَ أَصْلُ مَا قَالُوهُ فِي الشَّرْعِ إِذِ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ وَالْهِدَايَةُ وَالضَّلَالُ وَالتَّقْرِيبُ وَالتَّبْعِيدُ وَالصِّدِّيقِيَّةُ وَسَائِرُ مَقَامَاتِ الْوِلَايَةِ وَدَرَكَاتِ الْمُخَالَفَةِ إِنَّمَا هِيَ مَآخِذُ شَرْعِيَّةٌ وَأَحْكَامٌ نَبَوِيَّةٌ . فَقَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ أَنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ كُفْرًا دُونَ كُفْرٍ وَيُسَمَّى ذَلِكَ تَغْلِيظًا لِمَا أَتَى بِهِ الْمُفْشِي وَتَعْظِيمًا لِمَا ارْتَكَبَهُ وَيَعْتَرِضُ هَذَا بِأَنْ يُقَالَ لَا يُسَمَّى هَذَا كُفْرًا; لِأَنَّهُ ضِدُّ الْكُفْرِ إِذِ الْكَافِرُ الَّذِي يُسَمَّى هَذَا عَلَى مَعْنَاهُ سَاتِرٌ وَهَذَا الْمُفْشِي لِلسِّرِّ نَاشِرٌ وَأَيْنَ النَّشْرُ مِنَ السَّتْرِ وَالْإِظْهَارُ مِنَ التَّغْطِيَةِ وَالْإِعْلَانُ مِنَ الْكَتْمِ، وَانْدِفَاعُ هَذَا بَانَ يُقَالُ لَيْسَ الْكُفْرُ الشَّرْعِيُّ تَابِعًا لِلِاشْتِقَاقِ وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ بِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ وَارْتِكَابِ النَّهْيِ فَمَنْ رَدَّ إِحْسَانَ مُحْسِنٍ أَوْ جَحَدَ نِعْمَةَ مُتَفَضِّلٍ فَيُقَالُ عَلَيْهِ كَافِرٌ لِجِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: لِجِهَةِ الِاشْتِقَاقِ وَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ اسْمًا يُبْنَى عَلَى وَصْفٍ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ حُكْمًا يُوجِبُ عُقُوبَةً، وَالشَّرْعُ قَدْ وَرَدَ بِشُكْرِ الْمُنْعِمِ فَافْهَمْ لَا تَذْهَبْ مَعَ الْأَلْفَاظِ وَلَا تَسْتَرِقَّكَ الْعِبَارَاتُ وَلَا تَحْجُبْكَ التَّسْمِيَاتُ وَتَفَطَّنْ لِخِدَاعِهَا، وَاحْتَرِسْ مِنِ اسْتِدْرَاجِهَا فَإِذًا مَنْ أَظْهَرَ مَا أُمِرَ بِكَتْمِهِ كَانَ كَمَنْ كَتَمَ مَا أُمِرَ بِنَشْرِهِ وَفِي مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ فِيهِمَا حُكْمٌ وَاحِدٌ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُحَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا لَمْ تَصِلْهُ عُقُولُهُمْ. وَفِي ارْتِكَابِ النَّهْيِ عِصْيَانٌ وَيُسَمَّى فِي بَابِ الْقِيَاسِ عَلَى الْمَذْكُورِ كُفْرَانًا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كُفْرُ السَّامِعِ لَا الْمُخْبِرِ بِخِلَافِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ هَذَا مُطَابِقًا لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: "لَا تُحَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا لَمْ تَصِلْهُ عُقُولُهُمْ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" فَمَنْ حَدَّثَ أَحَدًا بِمَا لَمْ يَصِلْهُ عَقْلُهُ رُبَّمَا سَارَعَ إِلَى التَّكْذِيبِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَمَنْ كَذَّبَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَا أَوْجَدَ بِهَا فَقَدْ كَفَرَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ الْكُفْرَ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرَ النِّحَلِ مَا قَصَدَتِ الْكُفْرَ إِلَّا بِظَنِّهَا بِأَنْفُسِهَا وَهِيَ كُفَّارٌ بِلَا رَيْبٍ . وَهَذَا وَجْهٌ وَاضِحٌ قَرِيبٌ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا مَالَ إِلَيْهِ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْرِفُ وُجُوهَ التَّأْوِيلِ وَلَا يَعْقِلُ كَلَامَ أُولِي الْحِكَمِ وَلَا الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ إِذْ ظَنَّ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَرَادَ الْكُفْرَ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ يَتَعَلَّقُ بِمُخْبِرِهِ وَيَلْحَقُ قَائِلَهُ، وَهَذَا لَا يُخَرَّجُ إِلَّا عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالْمَعَاصِي وَأَهْلُ السُّنَنِ لَا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ، وَكَيْفَ يُقَالُ لِمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْقَوْلِ الَّذِي يُبْرِمُهُ وَالْعَمَلِ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ الْمُتَعَبِّدُ لِوَجْهِهِ .. . وَالْكُفْرِ الَّذِي يَسْتَزِيدُ بِهِ إِيمَانًا وَالْمَعْرِفَةِ لَهُ سُبْحَانَهُ ثُمَّ يُكْرِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِفَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَيُنِيلُهُ مَا شَرُفَ مِنَ الْمِنَحِ وَيُرِيهِ أَعْلَامَ الرِّضَا ثُمَّ يُكَفِّرُهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ شَرْعٍ وَلَا قِيَاسٍ عَلَيْهِ، وَالْإِيمَانُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إِلَّا بِنَبْذِهِ وَاطِّرَاحِهِ وَتَرْكِهِ، وَاعْتِقَادِ مَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ مَعَهُ، وَلَا يَحْصُلُ بِمُقَارَنَتِهِ وَلَيْسَ فِي إِفْشَاءِ الْوَلِيِّ مِمَّا يُنَاقِضُ الْإِيمَانَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِإِفْشَائِهِ وُقُوعَ الْكُفْرِ مِنَ السَّامِعِ لَهُ فَهَذَا عَابِسٌ مُتَمَرِّدٌ وَلَيْسَ بِوَلِيٍّ وَمَنْ أَرَادَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنْ يَكْفُرَ بِاللَّهِ فَهُوَ لَا مَحَالَةَ كَافِرٌ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ . ثُمَّ إِنَّهُ مَنْ سَبَّ أَحَدًا مِنْهُمْ عَلَى مَعْنَى مَا يَجِدُ لَهُ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ قِيلَ لَهُ أَثِمْتَ وَأَخْطَأْتَ مِنْ غَيْرِ تَكْفِيرٍ وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْمَعَ سَبَّ اللَّهِ وَسَبَّ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى نَصُّ الْإِمْلَاءِ . (ثُمَّ هُوَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِعِلْمِ الْمُعَامَلَةِ نَعَمْ ذَرْ مَا يَكْسِرُ سَوْرَةَ اسْتِبْعَادِكَ مُمْكِنٌ وَهُوَ أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ كَثِيرًا بِنَوْعِ مُشَاهَدَةٍ وَاعْتِبَارٍ وَيَكُونُ وَاحِدًا بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ وَالِاعْتِبَارِ هَذَا، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ كَثِيرٌ إِنِ الْتَفَتَّ إِلَى رُوحِهِ وَجِسْمِهِ وَأَطْرَافِهِ وَعُرُوقِهِ وَعِظَامِهِ وَأَحْشَائِهِ وَهُوَ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ وَمُشَاهَدَةٍ أُخْرَى وَاحِدٌ إِذْ تَقُولُ إِنَّهُ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْإِنْسَانِيَّةِ وَاحِدٌ، وَكَمْ مِنْ شَخْصٍ يُشَاهِدُ إِنْسَانًا وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ كَثْرَةُ أَمْعَائِهِ وَعُرُوقِهِ وَأَطْرَافِهِ وَتَفْصِيلُ رُوحِهِ وَجَسَدِهِ وَأَعْضَائِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي حَالَةِ الِاسْتِغْرَاقِ وَالِاسْتِهْتَارِ بِهِ مُسْتَغْرِقٌ بِوَاحِدٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَرُّقٌ وَكَأَنَّهُ فِي عَيْنِ الْجَمْعِ وَالْمُلْتَفِتُ إِلَى الْكَثْرَةِ فِي تَفْرِقَةٍ) . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَنْ أَثْبَتَ نَفْسَهُ وَأَثْبَتَ الْخَلْقَ وَلَكِنَّ شَاهِدًا لِكُلٍّ قَائِمًا بِالْحَقِّ فَهَذَا هُوَ الْجَمْعُ، وَإِذَا كَانَ مُخْتَطَفًا عَنْ شُهُودِ الْخَلْقِ مُصْطَلِمًا عَنْ نَفْسِهِ مَأْخُوذًا بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ الْإِحْسَاسِ بِكُلِّ غَيْرٍ بِمَا ظَهَرَ وَاسْتَوَى مِنْ سُلْطَانِ الْحَقِيقَةِ فَذَلِكَ جَمْعُ الْجَمْعِ، فَالتَّفْرِقَةُ شُهُودُ الْأَغْيَارِ لِلَّهِ وَالْجَمْعُ شُهُودُ الْأَغْيَارِ بِاللَّهِ وَجَمْعُ الْجَمْعِ الِاسْتِهْلَاكُ بِالْكُلِّيَّةِ وَفَنَاءُ الْإِحْسَاسِ بِمَا سِوَى اللَّهِ عِنْدَ غَلَبَاتِ الْحَقِيقَةِ. انْتَهَى . (فَكَذَلِكَ كَلُّ مَا فِي الْوُجُودِ مِنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ لَهُ اعْتِبَارَاتٌ وَمُشَاهَدَاتٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ وَهُوَ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٌ مِنَ الِاعْتِبَارَاتِ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارَاتٍ أُخَرَ سِوَاهَا كَثِيرٌ بَعْضُهَا أَشَدُّ كَثْرَةً مِنْ بَعْضٍ وَمِثَالُ الْإِنْسَانِ) فِي الْكَثْرَةِ وَالْوَحْدَةِ (وَإِنْ كَانَ لَا يُطَابِقُ الْغَرَضَ) الَّذِي هُوَ إِثْبَاتُ الْغَنَاءِ فِي التَّوْحِيدِ (وَلَكِنَّهُ يُنَبَّهُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى كَيْفِيَّةِ مَصِيرِ الْكَثْرَةِ فِي حُكْمِ الْمُشَاهَدَةِ وَاحِدًا وَتَسْتَفِيدُ بِهَذَا الْكَلَامِ تَرْكَ الْإِنْكَارِ وَالْجُحُودَ لِمَقَامٍ لَمْ تُبَلَّغْهُ) لِقُصُورِكَ (وَتُؤْمِنْ بِهِ إِيمَانَ تَصْدِيقٍ فَيَكُونُ لَكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّكَ مُؤْمِنٌ بِهَذَا التَّوْحِيدِ) الَّذِي هُوَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى (نَصِيبٌ) وَحَظٌّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا آمَنْتَ بِهِ صِفَتَكَ) وَمَقَامَكَ (كَمَا أَنَّكَ إِذَا آمَنْتَ بِالنُّبُوَّةِ) وَهُوَ أَعْلَى مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا) مُتَحَقِّقًا بِهَذَا الْمَقَامِ (كَانَ لَكَ نَصِيبٌ مِنْهُ بِقَدْرِ قُوَّةِ إِيمَانِكَ) بِهِ وَتَصْدِيقِكَ لَهُ وَعَدَمِ إِنْكَارِكَ عَلَيْهِ (وَهَذِهِ الْمُشَاهَدَةُ الَّتِي لَا يَظْهَرُ فِيهَا إِلَّا الْوَاحِدُ الْحَقُّ) وَهُوَ مَقَامُ الْفَنَاءِ بِشُهُودِ الْفَنَاءِ بِالِاسْتِهْلَاكِ فِي وُجُودِ الْحَقِّ (تَارَةً تَدُومُ) فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ (وَتَارَةً تَظْهَرُ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ) ثُمَّ تَغِيبُ (وَهُوَ الْأَكْثَرُ) فِي أَحْوَالِ السَّالِكِينَ (وَالدَّوَامُ نَادِرٌ عَزِيزٌ) لَكِنَّهَا إِذَا غَابَتْ بَقِيَتْ آثَارُهَا فَصَاحِبُهَا بَعْدَ سُكُونِ غَلَيَانِهِ يَعِيشُ فِي بَرَكَاتِ ضِيَائِهَا إِلَى أَنْ تَلُوحَ ثَانِيَةً يُزَجِّي وَقْتَهُ عَلَى انْتِظَارِ عَوْدِهَا وَيَعِيشُ بِمَا وَجَدَ فِي حِينِ كَوْنِهِ (وَإِلَى هَذَا أَشَارَ) أَبُو الْمُغِيثِ (الْحُسَيْنُ) بْنُ مَنْصُورٍ (الْحَلَّاجُ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (حَيْثُ رَأَى) إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَحْمَدَ (الْخَوَّاصَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (يَدُورُ فِي الْأَسْفَارِ) وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْقُوتِ لَهُ الْعَجَائِبَ مِمَّا وَقَعَتْ لَهُ فِي أَسْفَارِهِ (فَقَالَ) لَهُ (فِيمَا أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَدُورُ فِي الْأَسْفَارِ لَا صَحِيحٌ حَالِي فِي التَّوَكُّلِ وَقَدْ كَانَ مِنْ) نُبَلَاءِ (الْمُتَوَكِّلِينَ) وَلَهُ كِتَابٌ فِي تَحْقِيقِ مَقَامَاتِ التَّوَكُّلِ (فَقَالَ الْحُسَيْنُ قَدْ أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ فِي عُمْرَانِ بَاطِنِكَ) أَيْ: فِي مُشَاهَدَةِ الْخَلْقِ قَائِمًا بِالْحَقِّ (فَأَيْنَ) أَنْتَ مِنَ (الْفَنَاءِ فِي التَّوْحِيدِ) . رَوَاهُ الْقُشَيْرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ: مَاذَا صَنَعْتَ فِي هَذِهِ الْأَسْفَارِ وَقَطْعِ هَذِهِ الْمَفَاوِزِ؟ قَالَ: بَقِيتُ فِي التَّوَكُّلِ لِأُصَحِّحَ نَفْسِي عَلَيْهِ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ فِي عُمْرَانِ بَاطِنِكَ فَأَيْنَ الْفَنَاءُ فِي التَّوْحِيدِ. اهـ . (فَكَأَنَّ الْخَوَّاصَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (كَانَ فِي تَصْحِيحِ الْمَقَامِ الثَّالِثِ فِي التَّوْحِيدِ فَطَالَبَهُ) الْحَلَّاجُ (بِالْمَقَامِ الرَّابِعِ) الَّذِي هُوَ آخِرُ الْمَقَامَاتِ فِيهِ وَكَأَنَّهُ شَمَّ مِنَ الْخَوَّاصِ الْتِفَاتًا لِمَا أُقِيمَ فِيهِ فَنَبَّهَهُ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ وَرَاءَ ذَلِكَ (فَهَذِهِ مَقَامَاتُ الْمُوَحِّدِينَ فِي التَّوْحِيدِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ) . وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي تَقْسِيمِهِ لِهَذِهِ الْمَقَامَاتِ وَأَجَابَ عَنْهُ وَهَذَا لَفْظُهُ فِي الْإِمْلَاءِ: ذَكَرْتَ رَزَقَكَ ذِكْرَهُ وَجَعَلَكَ تَعْقِلُ بِهَيْبَتِهِ وَأَمْرِهِ كَيْفَ جَازَ انْقِسَامُ التَّوْحِيدِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ، وَلَفْظَةُ التَّوْحِيدِ تُنَافِي التَّقْسِيمَ الْمَشْهُورَ كَمَا يُنَافَى التَّكْرِيرُ بِالتَّعْدِيدِ، وَإِنْ صَحَّ انْقِسَامُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُدْفَعُ فَهَلْ تَصِحُّ تِلْكَ الْقِسْمَةُ فِيمَا يُوجَدُ وَفِيمَا يُقَدَّرُ؟ وَرَغِبْتَ فِي مَزِيدِ الْبَيَانِ فِي تَحْقِيقِ كُلِّ مَرْتَبَةٍ وَانْقِسَامِ طَبَقَاتِ أَهْلِهَا فِيهَا وَإِنْ كَانَ يَقَعُ بَيْنَهُمُ التَّفَاوُتُ، وَمَا وَجْهُ تَمْثِيلِهَا بِالْجَوْزِ وَالْقُشُورِ وَاللُّبُوبِ؟ وَلِمَ كَانَ الْأَوَّلُ لَا يَنْفَعُ وَالْآخِرُ الَّذِي هُوَ الرَّابِعُ لَا يَحِلُّ إِفْشَاؤُهُ؟ . ثُمَّ سَاقَ الْأَسْئِلَةَ بِتَمَامِهَا ثُمَّ قَالَ فِي الْجَوَابِ مَا لَفْظُهُ: جَرَى الرَّسْمُ فِي الْإِحْيَاءِ بِتَقْسِيمِ التَّوْحِيدِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ تَشْبِيهًا بِالْجَوْزِ لِمُوَافَقَةِ الْغَرَضِ فِي التَّمْثِيلِ بِهِ وَذَكَرَ بِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ وَسْوَسَ بِالْخَوَاطِرِ بِأَنَّ لَفْظَ التَّوْحِيدِ يُنَافِي التَّقْسِيمَ، إِذْ لَا يَخْلُو أَنْ يَتَعَلَّقَ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَيْسَ بِزَائِدٍ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَا يَنْقَسِمُ لَا بِالْحِسِّ وَلَا بِالْعَقْلِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ . وَأَمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِوَصْفِ الْمُكَلَّفِينَ الَّذِي يُوجِبُ لَهُمْ حُكْمَهُمْ إِذَا وُجِدَ فِيهِمْ فَذَلِكَ لَا يَنْقَسِمُ مِنْ حَيْثُ انْتِسَابُهُمْ إِلَيْهِ بِالْعَقْدِ وَذَلِكَ لِضِيقِ الْمَجَالِ فِيهِ، وَلِهَذَا لَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ مَذَاهِبُ، وَإِنَّمَا التَّوْحِيدُ مَسْلَكُ حَقٍّ بَيْنَ مَسْلَكَيْنِ بَاطِلَيْنِ: أَحَدُهُمَا شِرْكٌ وَالْآخَرُ تَلَاشٍ، وَكِلَا الطَّرَفَيْنِ كُفْرٌ، وَالْوَسَطُ إِيمَانٌ مَحْضٌ وَهُوَ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَضْيَقُ مِنْ خَطِّ الظِّلِّ، وَلِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِتَمَاثُلِ إِيمَانِ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَسَائِرِ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ طُرُقُ إِيمَانِهِمُ الَّتِي هِيَ عُلُومُهُمْ وَمَذْهَبُهُمْ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ فِي هَذِهِ الْإِجَابَةِ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْحَاءِ الْجِدَالِ وَمُقَابَلَةِ الْأَقْوَالِ بِالْأَقْوَالِ بَلْ نَقْصِدُ إِزَالَةَ عَيْنِ الْإِشْكَالِ وَرَدَّ مَا طَعَنَ بِهِ أَهْلُ الضَّلَالِ وَالْإِضْلَالِ . فَاعْلَمْ أَنَّ التَّقْسِيمَ فِي الْإِطْلَاقِ يُسْتَعْمَلُ أَنْحَاءً لَا يَتَوَجَّهُ هَهُنَا بِشَيْءٍ مِمَّا قَدَحَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ وَهَجَسَ بِهِ الْخَاطِرُ وَإِنَّمَا الْمُسْتَعْمَلُ هَهُنَا مِنْ أَنْحَائِهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ بَعْضُ الْأَشْخَاصِ بِمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَكُلُّ حَالَةٍ مِنْهَا تُسَمَّى تَوْحِيدًا عَلَى جِهَةٍ يَنْفَرِدُ بِهَا لَا يُشَارِكُهَا فِيهَا غَيْرُهَا، فَمَنْ وَحَّدَ بِلِسَانِهِ سُمِّيَ لِأَجْلِهِ مُوَحِّدًا مَا دَامَ الظَّنُّ بِهِ إِنْ كَانَ قَلْبُهُ مُوَافِقًا لِلِسَانِهِ، وَإِنْ عُلِمَ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ سُلِبَ عَنْهُ الِاسْمُ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ مَا شُرِعَ مِنَ الْحُكْمِ، وَمَنْ وَحَّدَ بِقَلْبِهِ عَلَى طَرِيقِ الرُّكُونِ إِلَيْهِ وَالْمَيْلِ إِلَى اعْتِقَادِهِ وَالسُّكُونِ نَحْوَهُ بِلَا عِلْمٍ يَصْحَبُهُ فِيهِ وَلَا بُرْهَانٍ يَرْبِطُهُ بِهِ سُمِّيَ أَيْضًا مُوَحِّدًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَعْتَقِدُ التَّوْحِيدَ، كَمَا يُسَمَّى مَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ شَافِعِيًّا وَالْحَنْبَلِيُّ حَنْبَلِيًّا، وَمَنْ رُزِقَ عِلْمَ التَّوْحِيدِ وَمَا تَحَقَّقَ بِهِ عِنْدَهُ وَتَنْتَفِي مِنْ أَجْلِهِ شُكُوكُهُ الْعَارِضَةُ لَهُ فَيُسَمَّى مُوَحِّدًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عَارِفٌ بِهِ، كَمَا يُقَالُ جَدَلِيًّا وَنَحْوِيًّا وَفِقْهِيًّا وَمَعْنَاهُ أَيْ: يَعْرِفُ الْجَدَلَ وَالنَّحْوَ وَالْفِقْهَ، وَأَمَّا مَنِ اسْتَغْرَقَ عِلْمَ التَّوْحِيدِ قَلْبُهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى جُمْلَتِهِ حَتَّى لَا يُوجَدَ فِيهِ فَضْلٌ لِغَيْرِهِ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ وَيَكُونُ شُهُودُ التَّوْحِيدِ لِكُلِّ مَا عَدَاهُ سَابِقًا لَهُ مَعَ الذِّكْرِ وَالتَّذْكِيرِ مُصَاحِبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَرِيَهُ ذُهُولٌ عَنْهُ وَلَا نِسْيَانٌ لَهُ لِأَجْلِ اشْتِغَالِهِ بِغَيْرِهِ كَالْعَادَةِ فِي سَائِرِ الْعُلُومِ، فَهَذَا يُسَمَّى مُوَحِّدًا وَيَكُونُ الْقَصْدُ بِمَا يُسَمَّى بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ . فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ يَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ التَّوْحِيدِ عَلَيْهَا . فَأَمَّا الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: وَهُمْ أَرْبَابُ النُّطْقِ الْمُجَرَّدِ فَلَا يَضْرِبُونَ فِي التَّوْحِيدِ بِسَهْمٍ وَلَا يَفُوزُونَ مِنْهُ بِنَصِيبٍ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ أَهْلِهِ إِلَّا فِي الْحَيَاةِ الْأُولَى إِذِ الظَّنُّ بِهِمْ أَنَّ قَلْبَ أَحَدِهِمْ مُوَافِقٌ لِلِسَانِهِ، كَمَا نُعِيدُ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - . وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّانِي: وَهُمْ أَرْبَابُ الِاعْتِقَادِ الَّذِينَ سَمِعُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوِ الْوَارِثَ أَوِ الْمُبَلِّغَ يُخْبِرُ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَيَأْمُرُ بِهِ وَيُلْزِمُ الْبَشَرَ قَوْلَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" الْمُنْبِي عَنْهُ فَقَبِلُوا ذَلِكَ وَاعْتَقَدُوهُ عَلَى الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَلَا دَلِيلٍ فَنَسَبُوهُ إِلَى التَّوْحِيدِ، فَكَانُوا مِنْ أَهْلِهِ بِمَنْزِلَةِ مَوْلَى الْقَوْمِ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ . وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ: فَهُمْ أَرْبَابُ الْبَصَائِرِ السَّلِيمَةِ الَّذِينَ نَظَرُوا بِهَا إِلَى أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ إِلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ فَتَأَمَّلُوهَا فَرَأَوْا عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا خَطًّا مُنْطَبِعًا فِيهَا لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ وَلَا سُرْيَانِيٍّ وَلَا عِبْرَانِيٍّ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَجْنَاسِ الْخُطُوطِ فَبَادَرَ إِلَى قِرَاءَتِهِ مَنْ لَمْ يَسْتَعْجِمْ عَلَيْهِ، وَتَعَلَّمَهُ مِنْهُمْ مَنِ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ الْخَطُّ الْإِلَهِيُّ الْمَكْتُوبُ عَلَى صَفْحَةِ كُلِّ مَخْلُوقٍ الْمُنْطَبِعُ فِيهِ مِنْ مُفْرَدٍ وَمُرَكَّبٍ وَصِفَةٍ وَمَوْصُوفٍ وَحَجَرٍ وَجَمَادٍ وَنَاطِقٍ وَصَامِتٍ وَمُتَحَرِّكٍ وَسَاكِنٍ وَمُظْلِمٍ وَنَيِّرٍ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى تَارَةً بِعَلَامَةٍ وَتَارَةً بِسِمَةٍ وَتَارَةً بِأَثَرِ الْقُدْرَةِ وَتَارَةً بِآيَةٍ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ، وَلَا أَدْرِي عَنْ سَمَاعٍ أَوْ رُؤْيَةِ قَلْبٍ: فَوَاعَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهُ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ جَاحِدُ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ فَلَمَّا قَرَءُوا ذَلِكَ الْخَطَّ وَجَدُوا تَفْسِيرَهُ: حُدُوثُ الْمَكْتُوبِ وَشَرْحُهُ أَبَدِيَّةُ مُلْكِهِ وَالتَّصْرِيفُ لَهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى حُكْمِ الْإِرَادَةِ بِمَا ثَبَتَ فِي سَابِقِ الْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ مَزِيدٍ وَلَا نَقْصٍ، فَتَرَكُوا الْكِتَابَةَ وَالْمَكْتُوبَ وَنَزَلُوا مِنْهَا إِلَى مَعْرِفَةِ الْكَاتِبِ الَّذِي أَحْدَثَ الْأَشْيَاءَ وَكَوَّنَهَا وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مُلْكِهِ شَيْءٌ مِنْهَا وَلَا اسْتَغْنَتْ بِأَنْفُسِهَا عَنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا افْتَقَرَتْ إِلَى الْحُرِّيَّةِ عَنْ رِقِّ اسْتِعْبَادِهِ فَوَجَدُوهُ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . فَحَصَلَتِ التَّفْرِقَةُ لَهُمْ وَالْجَمْعُ وَعَقَلَتْ نَفْسُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَوْحِيدَ خَالِقِهَا بِذَاتِهِ وَاتِّحَادِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَعَقَلَتْ أَنَّهَا عَقَلَتْ تَوْحِيدَهُ، سُبْحَانَ مَنْ يَسَّرَهَا لِذَلِكَ وَفَتَحَ عَلَيْهَا بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهَا أَنْ تُدْرِكَهُ إِلَّا بِهِ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، لَكِنَّ الصِّنْفَ الثَّانِيَ لَمْ يَعُدْ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ مُوَحِّدًا لِرَبِّهِ فِيمَا لَمْ يَزَلْ وَهُمُ الصِّدِّيقُونَ وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ كَثِيرٌ . وَأَمَّا طَرِيقُ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ هَذَا التَّقْسِيمِ فَلِأَنَّ الْعُقَلَاءَ بِأَسْرِهِمْ لَا يَخْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ أَثَرُ التَّوْحِيدِ بِأَحَدِ الْأَنْحَاءِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَهُ أَوْ لَا يُوجَدُ، فَأَمَّا مِنْ عُدِمَ عِنْدَهُ فَهُوَ كَافِرٌ إِنْ كَانَ فِي زَمَنِ الدَّعْوَةِ أَوْ عَلَى أَقْرَبَ يُمْكِنُ وُصُولُ عَمَلِهَا إِلَيْهِ، أَوْ فِي فَتْرَةٍ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ فِيهَا التَّكْلِيفُ وَهَذَا صِنْفٌ بَعُدَ عَنْ مَقَامِ هَذَا الْكَلَامِ، وَأَمَّا مَنْ يُوجَدُ فِيهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا فِي عَقْدِهِ أَوْ عَالِمًا بِهِ فَالْمُقَلِّدُونَ هُمُ الْعَوَامُّ وَهُمْ أَهْلُ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْكِتَابِ . وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ بِحَقِيقَةِ عَقْدِهِمْ فَلَا يَخْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ بَلَغَ الْغَايَةَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِصِنْفِهِ دُونَ النُّبُوَّةِ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْبُلُوغِ فَالَّذِي لَمْ يَبْلُغْ وَكَانَ عَلَى قُرْبٍ هُمُ الْمُقَرَّبُونَ وَهُمْ أَهْلُ الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ وَالَّذِينَ بَلَغُوا الْغَايَةَ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهُمْ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَهُمْ أَهْلُ الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ . وَهَذَا تَقْسِيمٌ ظَاهِرُ الصِّحَّةِ إِذْ هُوَ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَمَحْصُورٌ بَيْنَ الْمَبَادِي وَالْغَايَاتِ وَلَمْ يَدْخُلْ أَهْلُ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى فِي شَيْءٍ مِنْ تَصْحِيحِ هَذَا التَّقْسِيمِ إِذْ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ إِلَّا بِانْتِسَابٍ كَاذِبٍ وَدَعْوَى غَيْرِ صَادِقَةٍ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنَ الْوَفَاءِ بِمَا وَعَدْنَاكَ بِهِ مِنْ إِبْدَاءِ بَحْثٍ وَمَزِيدِ شَرْحٍ وَبَسْطِ بَيَانٍ تَعْرِفُ مِنْهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةَ كُلِّ مَرْتَبَةٍ وَمَقَامٍ وَانْقِسَامِ أَهْلِهِ فِيهِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ وَالْإِمْكَانِ بِمَا يُجْرِيهِ الْوَاحِدُ الْحَقُّ عَلَى الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية