الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين بَيَانُ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ التَّوَكُّلِ . اعْلَمْ أَنَّ التَّوَكُّلَ مِنْ بَابِ الْإِيمَانِ وَجَمِيعُ أَبْوَابِ الْإِيمَانِ لَا تَنْتَظِمُ إِلَّا بِعِلْمٍ وَحَالٍ وَعَمَلٍ وَالتَّوَكُّلُ كَذَلِكَ يَنْتَظِمُ مِنْ عِلْمٍ هُوَ الْأَصْلُ وَعَمَلٍ هُوَ الثَّمَرَةُ وَحَالٍ هُوَ الْمُرَادُ بِاسْمِ التَّوَكُّلِ . فَلْنَبْدَأْ بِبَيَانِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ الْمُسَمَّى إِيمَانًا فِي أَصْلِ اللِّسَانِ إِذِ الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَكُلُّ تَصْدِيقٍ بِالْقَلْبِ فَهُوَ عِلْمٌ وَإِذَا قَوِيَ سُمِّيَ يَقِينًا وَلَكِنَّ أَبْوَابَ الْيَقِينِ كَثِيرَةٌ وَنَحْنُ إِنَّمَا نَحْتَاجُ مِنْهَا إِلَى مَا نَبْنِي عَلَيْهِ التَّوَكُّلَ ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي يُتَرْجِمُهُ قَوْلُكَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْإِيمَانُ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي يُتَرْجِمُ عَنْهَا قَوْلُكَ : لَهُ الْمُلْكُ وَالْإِيمَانُ بِالْجُودِ وَالْحِكْمَةِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُكَ : وَلَهُ الْحَمْدُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . تَمَّ لَهُ الْإِيمَانُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ التَّوَكُّلِ ، أَعْنِي أَنْ يَصِيرَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ وَصْفًا لَازِمًا لِقَلْبِهِ غَالِبًا عَلَيْهِ فَأَمَّا التَّوْحِيدُ فَهُوَ الْأَصْلُ وَالْقَوْلُ فِيهِ يَطُولُ ، وَهُوَ مِنْ عِلْمِ الْمُكَاشَفَةِ ، وَلَكِنَّ بَعْضَ عُلُومِ الْمُكَاشَفَاتِ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَعْمَالِ بِوَاسِطَةِ الْأَحْوَالِ وَلَا يَتِمُّ عِلْمُ الْمُعَامَلَةِ إِلَّا بِهَا فَإِذًا لَا نَتَعَرَّضُ إِلَّا لِلْقَدْرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَامَلَةِ وَإِلَّا فَالتَّوْحِيدُ هُوَ الْبَحْرُ الْخِضَمُّ الَّذِي لَا سَاحِلَ لَهُ فَنَقُولُ . لِلتَّوْحِيدِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ وَيَنْقَسِمُ : إِلَى لُبٍّ وَإِلَى لُبِّ اللُّبِّ وَإِلَى قِشْرٍ وَإِلَى قَشٍّ ، الْقِشْرِ . وَلِنُمَثِّلْ ذَلِكَ تَقْرِيبًا إِلَى الْأَفْهَامِ الضَّعِيفَةِ بِالْجَوْزِ فِي قِشْرَتِهِ الْعُلْيَا فَإِنَّ لَهُ قِشْرَتَيْنِ وَلَهُ لُبٌّ وَلِلُّبِّ دُهْن هُوَ لُبُّ اللُّبِّ ، فَالرُّتْبَةُ الْأُولَى مِنَ التَّوْحِيدِ هِيَ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ بِلِسَانِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَلْبُهُ غَافِلٌ عَنْهُ أَوْ مُنْكِرٌ لَهُ كَتَوْحِيدِ الْمُنَافِقِينَ . وَالثَّانِيَةُ : أَنْ يُصَدِّقَ بِمَعْنَى اللَّفْظِ قَلْبُهُ كَمَا صَدَّقَ بِهِ عُمُومُ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ اعْتِقَادُ الْعَوَامِّ . وَالثَّالِثَةُ : أَنْ يُشَاهِدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَشْفِ بِوَاسِطَةِ نُورِ الْحَقِّ وَهُوَ مَقَامُ الْمُقَرَّبِينَ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَرَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةً وَلَكِنْ يَرَاهَا عَلَى كَثْرَتِهَا صَادِرَةً عَنِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ . وَالرَّابِعَةُ : أَنْ لَا يَرَى فِي الْوُجُودِ إِلَّا وَاحِدًا وَهِيَ مُشَاهَدَةُ الصِّدِّيقِينَ وَتُسَمِّيهِ الصُّوفِيَّةِ الْفَنَاءَ فِي التَّوْحِيدِ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَى إِلَّا وَاحِدًا فَلَا يَرَى نَفْسَهُ أَيْضًا وَإِذَا لَمْ يَرَ نَفْسَهُ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقًا بِالتَّوْحِيدِ كَانَ فَانِيًا عَنْ نَفْسِهِ فِي تَوْحِيدِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ فَنِيَ عَنْ رُؤْيَةِ نَفْسِهِ وَالْخَلْقِ فَالْأَوَّلُ مُوَحِّدٌ بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ وَيَعْصِمُ ذَلِكَ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا عَنِ السَّيْفِ وَالسِّنَانِ . وَالثَّانِي : مُوَحِّدٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُعْتَقِدٌ بِقَلْبِهِ مَفْهُومٌ لَفْظُهُ وَقَلْبُهُ خَالٍ عَنِ التَّكْذِيبِ بِمَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ وَهُوَ عُقْدَةٌ عَلَى الْقَلْبِ لَيْسَ فِيهِ انْشِرَاحٌ وَانْفِسَاحٌ وَلَكِنَّهُ يَحْفَظُ صَاحِبَهُ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ إِنْ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ وَلَمْ تَضْعُفْ . بِالْمَعَاصِي عُقْدَتُهُ وَلِهَذَا الْعَقْدِ حِيَلٌ يُقْصَدُ بِهَا تَضْعِيفُهُ وَتَحْلِيلُهُ تُسَمَّى بِدْعَةً وَلَهُ حِيَلٌ يَقْصِدُ بِهَا دَفْعَ حِيلَةِ التَّحْلِيلِ وَالتَّضْعِيفِ وَيَقْصِدُ بِهَا أَيْضًا إِحْكَامَ هَذِهِ الْعُقْدَةِ وَشَدَّهَا عَلَى الْقَلْبِ وَتُسَمَّى كَلَامًا وَالْعَارِفُ بِهِ يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا وَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُبْتَدِعِ وَمَقْصِدُهُ دَفْعُ الْمُبْتَدِعِ عَنْ تَحْلِيلِ هَذِهِ الْعُقْدَةِ عَنْ قُلُوبِ الْعَوَامِّ وَقَدْ يُخَصُّ الْمُتَكَلِّمُ بِاسْمِ الْمُوَحِّدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَحْمِي بِكَلَامِهِ مَفْهُومَ لَفْظِ التَّوْحِيدِ عَلَى قُلُوبِ الْعَوَامِّ حَتَّى لَا تَنْحَلَّ عُقْدَتُهُ . وَالثَّالِثُ : مُوَحِّدٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُشَاهِدْ إِلَّا فَاعِلًا وَاحِدًا إِذَا انْكَشَفَ لَهُ الْحَقُّ كَمَا هُوَ عَلَيْهِ . وَلَا يَرَى فَاعِلًا بِالْحَقِيقَةِ إِلَّا وَاحِدًا وَقَدِ انْكَشَفَتْ لَهُ الْحَقِيقَةُ كَمَا هِيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَلَّفَ قَلْبَهُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى مَفْهُومِ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ تِلْكَ رُتْبَةُ الْعَوَامِّ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِذْ لَمْ يُفَارِقِ الْمُتَكَلِّمُ الْعَامِّيَّ فِي الِاعْتِقَادِ بَلْ فِي صَنْعَةِ تَلْفِيقِ الْكَلَامِ الَّذِي بِهِ حِيَلُ الْمُبْتَدِعِ عَنْ تَحْلِيلِ هَذِهِ الْعُقْدَةِ . وَالرَّابِعُ : مُوَحِّدٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ فِي شُهُودِهِ غَيْرُ الْوَاحِدِ فَلَا يَرَى الْكُلَّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ كَثِيرٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ وَاحِدٌ وَهَذِهِ هِيَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي التَّوْحِيدِ فَالْأَوَّلُ كَالْقِشْرَةِ الْعُلْيَا مِنَ الْجَوْزِ ، وَالثَّانِي كَالْقِشْرَةِ السُّفْلَى وَالثَّالِثُ كَاللُّبِّ وَالرَّابِعُ كَالدُّهْنِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ اللُّبِّ . وَكَمَا أَنَّ الْقِشْرَةَ الْعُلْيَا مِنَ الْجَوْزِ لَا خَيْرَ فِيهَا بَلْ إِنْ أُكِلَ فَهُوَ مُرُّ الْمَذَاقِ وَإِنْ نُظِرَ إِلَى بَاطِنِهِ فَهُوَ كَرِيهُ الْمَنْظَرِ وَإِنِ اتُّخِذَ حَطَبًا أَطْفَأَ النَّارَ وَأَكْثَرَ الدُّخَانَ وَإِنْ تُرِكَ فِي الْبَيْتِ ضَيَّقَ الْمَكَانَ فَلَا يَصْلُحُ إِلَّا أَنْ يُتْرَكَ مُدَّةً عَلَى الْجَوْزِ لِلصَّوْنِ ثُمَّ يُرْمَى بِهِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ التَّوْحِيدُ بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ دُونَ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ عَدِيمُ الْجَدْوَى كَثِيرُ الضَّرَرِ مَذْمُومُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لَكِنَّهُ يَنْفَعُ مُدَّةً فِي حِفْظِ الْقِشْرَةِ السُّفْلَى إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ وَالْقِشْرَةُ السُّفْلَى هِيَ الْقَلْبُ وَالْبَدَنُ . وَتَوْحِيدُ الْمُنَافِقِ يَصُونُ بَدَنَهُ عَنْ سَيْفِ الْغُزَاةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِشَقِّ الْقُلُوبِ وَالسَّيْفُ إِنَّمَا يُصِيبُ جِسْمَ الْبَدَنِ وَهُوَ الْقِشْرَةُ وَإِنَّمَا يَتَجَرَّدُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ فَلَا يَبْقَى لِتَوْحِيدِهِ فَائِدَةٌ بَعْدَهُ وَكَمَا أَنَّ الْقِشْرَةَ السُّفْلَى ظَاهِرَةُ النَّفْعِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْقِشْرَةِ الْعُلْيَا فَإِنَّهَا تَصُونُ اللُّبَّ وَتَحْرُسُهُ عَنِ الْفَسَادِ عِنْدَ الِادِّخَارِ وَإِذَا فُصِلَتْ أَمْكَنَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا حَطَبًا لَكِنَّهَا نَازِلَةُ الْقَدْرِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى اللُّبِّ وَكَذَلِكَ مُجَرَّدُ الِاعْتِقَادِ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ كَثِيرُ النَّفْعِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مُجَرَّدِ نُطْقِ اللِّسَانِ نَاقِصُ الْقَدْرِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْكَشْفِ وَالْمُشَاهَدَةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ وَانْفِسَاحِهِ وَإِشْرَاقِ نُورِ الْحَقِّ فِيهِ إِذْ ذَاكَ الشَّرْحُ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ وَكَمَا أَنَّ اللُّبَّ نَفِيسٌ فِي نَفْسِهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْقِشْرِ وَكُلُّهُ الْمَقْصُودُ وَلَكِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ شَوْبِ عُصَارَةٍ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الدُّهْنِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهُ فَكَذَلِكَ تَوْحِيدُ الْفِعْلِ مَقْصِدٌ عَالٍ لِلسَّالِكِينَ لَكِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ شَوْبِ مُلَاحَظَةِ الْغَيْرِ وَالِالْتِفَاتِ إِلَى الْكَثْرَةِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ لَا يُشَاهِدُ سِوَى الْوَاحِدِ الْحَقِّ . إتحاف السادة المتقين (بَيَانُ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْمُتَوَكِّلِ ) (اعْلَمْ أَنَّ التَّوَكُّلَ مِنْ أَبْوَابِ الْإِيمَانِ) وَهُوَ عِمَادُ الْمُؤْمِنِينَ وَمَوْطِنُ الْمُقَرَّبِينَ وَوَسِيلَةُ الْمُحِبِّينَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ عَابِدٌ فِي عِبَادَتِهِ وَلَا ذُو عَادَةٍ فِي عَادَتِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِسَائِرِ الْأَحْوَالِ عِبَادَةً أَوْ عَادَةً وَجُمْلَةُ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِذَلِكَ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ; لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ أَوْ حِفْظِهَا وَدَفْعِ الْمَضَارِّ أَوْ قَطْعِهَا كَمَا سَيَأْتِي (وَجَمِيعُ أَبْوَابِ الْإِيمَانِ لَا يَنْتَظِمُ إِلَّا بِعِلْمٍ وَحَالٍ وَعَمَلٍ) كَمَا سَبَقَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْبَةِ . (وَالتَّوَكُّلُ كَذَلِكَ يَنْتَظِمُ مِنْ عِلْمٍ هُوَ الْأَصْلُ) الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ حَالُهُ (وَعَمَلٍ هُوَ الثَّمَرَةُ وَحَالٍ) هُوَ يُثْمِرُ الْعَمَلَ (وَهُوَ الْمُرَادُ بِاسْمِ التَّوَكُّلِ) وَيَحْتَاجُ شَرْحُ كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى انْفِرَادِهِ . (فَلْنَبْدَأْ بِبَيَانِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ) الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ حَالُ التَّوَكُّلِ (وَهُوَ الْمُسَمَّى إِيمَانًا فِي أَصْلِ اللِّسَانِ) وَلَهُ مَرَاتِبُ وَبَعْضُهَا أَشْرَفُ مِنْ بَعْضٍ (إِذِ الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَكُلُّ تَصْدِيقٍ بِالْقَلْبِ فَهُوَ عِلْمٌ وَإِذَا قَوِيَ) نُورُهُ فِي الْقَلْبِ (سُمِّيَ يَقِينًا وَلَكِنَّ أَبْوَابَ الْيَقِينِ كَثِيرَةٌ) وَقَدْ ذُكِرَ بَعْضُهَا وَبَعْضُهَا سَيُذْكَرُ (وَنَحْنُ إِنَّمَا نَحْتَاجُ مِنْهَا إِلَى مَا نَبْنِي عَلَيْهِ التَّوَكُّلَ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي يُتَرْجِمُهُ قَوْلُكَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) قَائِمٌ بِنَفْسِهِ (وَالْإِيمَانُ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي يُتَرْجِمُ عَنْهَا قَوْلُكَ: لَهُ الْمُلْكُ) وَهَذَا الْإِيمَانُ مِنْ لَازِمِ التَّوْحِيدِ فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ عَلِمَ أَنَّهُ مُقِيمٌ لِغَيْرِهِ (وَالْإِيمَانُ بِالْجُودِ وَالْحِكْمَةِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُكَ: وَلَهُ الْحَمْدُ) وَهُوَ مِنْ لَازِمِ الْإِيمَانِ بِالْقُدْرَةِ فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُقِيمٌ لِغَيْرِهِ عَلِمَ أَنَّهُ مُتَوَلِّي أُمُورِهِمْ وَكَافِيهِمْ وَحَسْبُهُمْ، وَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ عَلِمَ سَعَةَ جُودِهِ وَحِكْمَتِهِ وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ وَيُنْتِجُ ذَلِكَ أَنَّ الْوُجُودَ كُلَّهُ فِي قَبْضَتِهِ وَمُلْكِهِ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَأَسْرِهِ وَأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِإِيجَادِهِ الْمُتَوَحِّدِ، يَخْلُقُ حَرَكَاتِ الْعَالَمِ وَسَكَنَاتِهِ . (فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. تَمَّ لَهُ أَصْلُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ التَّوَكُّلِ، أَعْنِي أَنْ يَصِيرَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ وَصْفًا لَازِمًا لِقَلْبِهِ غَالِبًا عَلَيْهِ) وَفِيهِ قَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ: فَمَنْ قَالَهَا عَشْرًا كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ بِلَفْظِ: كَانَتْ لَهُ عِدْلَ أَرْبَعِ رِقَابٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: كَانَ لَهُ عِدْلَ نَسَمَةٍ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: كُنَّ لَهُ كَعِدْلِ عَشْرِ رِقَابٍ . (فَأَمَّا التَّوْحِيدُ فَهُوَ الْأَصْلُ وَالْقَوْلُ فِيهِ يَطُولُ، وَهُوَ مِنْ عِلْمِ الْمُكَاشَفَةِ، وَلَكِنَّ بَعْضَ عِلْمِ الْمُكَاشَفَاتِ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَعْمَالِ بِوَاسِطَةِ الْأَحْوَالِ) فَإِنَّ الْأَحْوَالَ هِيَ الَّتِي تُثْمِرُ الْأَعْمَالَ وَهِيَ مَوَاجِيدُ الْقُلُوبِ (وَلَا يَتِمُّ عِلْمُ الْمُعَامَلَةِ إِلَّا بِهَا) أَيْ: إِلَّا بِالْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ نَتِيجَةٌ عَنِ الْأَحْوَالِ (فَإِذًا لَا نَتَعَرَّضُ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَامَلَةِ) فَقَطْ (وَإِلَّا فَالتَّوْحِيدُ هُوَ الْبَحْرُ الْخِضَمُّ) أَيِ: الْعَمِيقُ الْوَاسِعُ (الَّذِي لَا سَاحِلَ لَهُ) فَيَنْتَهِي إِلَيْهِ . (فَنَقُولُ لِلتَّوْحِيدِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى لُبٍّ وَلُبِّ اللُّبِّ، وَقِشْرٍ وَقَشِّ الْقِشْرِ، وَلِنُمَثِّلْ ذَلِكَ تَقْرِيبًا إِلَى الْأَفْهَامِ الضَّعِيفَةِ بِالْجَوْزِ فِي قِشْرَتِهِ الْعُلْيَا فَإِنَّ لَهُ قِشْرَتَيْنِ وَلَهُ لُبٌّ وَلِلُّبِّ لُبٌّ وَهُوَ الدُّهْنُ وَهُوَ لُبُّ اللُّبِّ، فَالرُّتْبَةُ الْأُولَى مِنَ التَّوْحِيدِ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ بِلِسَانِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَلْبُهُ غَافِلٌ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ مَعْنَاهُ الْمَقْصُودِ (أَوْ مُنْكِرٌ لَهُ كَتَوْحِيدِ الْمُنَافِقِينَ) فَإِنَّهُمْ كَانُوا كَذَلِكَ كَانُوا يُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبْطِنُونَ إِمَّا غَفْلَةً أَوْ إِنْكَارًا، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، (وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُصَدِّقَ بِمَعْنَى اللَّفْظِ قَلْبُهُ كَمَا يُصَدِّقُ بِهِ عُمُومُ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ اعْتِقَادُ الْعَوَامِّ، وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يُشَاهِدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَشْفِ) عَنِ الْمُعَايَنَةِ (بِوَاسِطَةِ) فَيَضَانِ (نُورِ الْحَقِّ) فِي قَلْبِهِ (وَهُوَ مَقَامُ الْمُقَرَّبِينَ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَرَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةً) مُخْتَلِفَةَ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ (وَلَكِنْ يَرَاهَا عَلَى كَثْرَتِهَا صَادِرَةً عَنِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وَالرَّابِعَةُ: أَنْ لَا يَرَى فِي الْوُجُودِ) فِي سَائِرِ مَرَاتِبِهِ (إِلَّا وَاحِدًا وَهِيَ مُشَاهَدَةُ الصِّدِّيقِينَ وَتُسَمِّيهِ) طَائِفَةُ (الصُّوفِيَّةِ) قَدَّسَ اللَّهُ أَسْرَارَهُمُ (الْفَنَاءَ فِي التَّوْحِيدِ) وَهُوَ مَقَامٌ شَرِيفٌ عَالٍ وَهُوَ الْفَنَاءُ عَنِ النَّفْسِ وَعَنِ الْخَلْقِ بِزَوَالِ إِحْسَاسِهِ بِنَفْسِهِ وَبِهِمْ (لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَى إِلَّا وَاحِدًا فَلَا يَرَى نَفْسَهُ أَيْضًا وَإِذَا لَمْ يَرَ نَفْسَهُ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقًا فِي التَّوْحِيدِ كَانَ فَانِيًا عَنْ نَفْسِهِ فِي تَوْحِيدِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ فَنِيَ عَنْ رُؤْيَةِ نَفْسِهِ وَالْخَلْقِ) وَإِذَا فَنِيَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْخَلْقِ فَتَكُونُ نَفْسُهُ مَوْجُودَةً وَالْخَلْقُ مَوْجُودِينَ وَلَكِنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِمْ وَلَا بِهَا وَلَا إِحْسَاسَ وَلَا خَبَرَ، غَافِلٌ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الْخَلْقِ غَيْرُ مُحِسٍّ بِهِمْ وَبِهَا، وَقَدْ نَرَى الرَّجُلَ يَدْخُلُ عَلَى ذَاتِ سُلْطَانٍ أَوْ مُحْتَشِمٍ فَيَذْهَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَهْلِ مَجْلِسِهِ وَرُبَّمَا يَذْهَلُ عَنْ ذَلِكَ الْمُحْتَشِمِ حَتَّى إِذَا سُئِلَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ عِنْدِهِ عَنْ أَهْلِ مَجْلِسِهِ وَهَيْئَةِ ذَلِكَ الصَّدْرِ وَهَيْئَةِ نَفْسِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِخْبَارُ عَنْ شَيْءٍ . (فَالْأَوَّلُ مُوَحِّدٌ بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ وَيَعْصِمُ ذَلِكَ صَاحِبَةٌ فِي الدُّنْيَا عَنِ السَّيْفِ وَالسِّنَانِ) فَلَا يُهْرَاقُ دَمُهُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي الْخَبَرِ: فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ . (وَالثَّانِي: مُوَحِّدٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُعْتَقِدٌ بِقَلْبِهِ مَفْهُومٌ لَفْظُهُ وَقَلْبُهُ خَالٍ عَنِ التَّكْذِيبِ بِمَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ وَهُوَ عُقْدَةٌ عَلَى الْقَلْبِ لَيْسَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْقَلْبِ (انْشِرَاحٌ وَ) لَا (انْفِسَاحٌ وَلَكِنَّهُ يَحْفَظُ صَاحِبَهُ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ إِنْ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ) وَلَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ شَيْءٌ (وَلَمْ تَضْعُفْ بِالْمَعَاصِي عُقْدَتُهُ) فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ تُضْعِفُ عُقْدَةَ الْإِيمَانِ وَتَحُلُّهَا شَيْئًا فَشَيْئًا (وَلِهَذَا الْعَقْدِ حِيَلٌ يُقْصَدُ بِهَا تَضْعِيفُهُ وَتَحْلِيلُهُ تُسَمَّى بِدْعَةً) وَهِيَ أَعْظَمُ حَالًا مِنَ الْمَعَاصِي لِكَوْنِ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ لَا يَعْتَقِدُهَا مَعْصِيَةً فَلَا يَتُوبُ مِنْهَا إِذْ لَوْ عَلِمَ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ لَتَابَ عَنْهَا (وَلَهُ حِيَلٌ يَقْصِدُ بِهَا دَفْعَ حِيَلِ التَّحْلِيلِ وَالتَّضْعِيفِ وَيَقْصِدُ بِهَا أَيْضًا إِحْكَامَ هَذِهِ الْعُقْدَةِ وَشَدَّهَا عَلَى الْقَلْبِ وَتُسَمَّى كَلَامًا وَالْعَارِفُ بِهِمَا) بِهَذَيْنِ الْقَصْدَيْنِ (يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا وَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُبْتَدِعِ) فَلَا يَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ مُبْتَدِعًا كَمَا لَا يَكُونُ الْمُبْتَدِعُ مُتَكَلِّمًا وَمَا وَقَعَ فِي سِيَاقِ بَعْضِهِمْ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَنَظَرٌ إِلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ أَوْ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ اصْطِلَاحٌ لَهُ فَلَا مُعَارَضَةَ (وَمَقْصِدُهُ) أَيِ: الْمُتَكَلِّمُ (دَفْعُ الْمُبْتَدِعِ عَنْ تَحْلِيلِ هَذِهِ الْعُقْدَةِ عَنْ قُلُوبِ الْعَوَامِّ وَقَدْ يُخَصُّ الْمُتَكَلِّمُ بِاسْمِ الْمُوَحِّدِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ يَحْمِي بِكَلَامِهِ مَفْهُومَ لَفْظِ التَّوْحِيدِ عَلَى قُلُوبِ الْعَوَامِّ حَتَّى لَا تَنْحَلَّ عُقْدَتُهُ . وَالثَّالِثُ: مُوَحِّدٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُشَاهِدْ إِلَّا فَاعِلًا وَاحِدًا إِذَا انْكَشَفَ لَهُ الْحَقُّ كَمَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَا يَرَى فَاعِلًا بِالْحَقِيقَةِ إِلَّا وَاحِدًا وَقَدِ انْكَشَفَتْ لَهُ الْحَقِيقَةُ كَمَا هِيَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ كَلَّفَ قَلْبَهُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى مَفْهُومِ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ رُتْبَةَ الْعَوَامِّ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِذْ لَمْ يُفَارِقِ الْمُتَكَلِّمُ الْعَامِّيَّ فِي الِاعْتِقَادِ) إِذْ هُمَا سَوَاءٌ فِيهِ (بَلْ فِي صَنْعَةِ تَلْفِيقِ الْكَلَامِ الَّذِي بِهِ تُدْفَعُ حِيَلُ الْمُبْتَدِعِ فِي تَحْلِيلِ هَذِهِ الْعُقْدَةِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْمُرَادِ بِالْعَوَامِّ مَنْ هُمْ فِي شَرْحِ قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ . (وَالرَّابِعُ: مُوَحِّدٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ فِي شُهُودِهِ غَيْرُ الْوَاحِدِ فَلَا يَرَى الْكُلَّ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ كَثِيرٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ وَاحِدٌ) فَتَضْمَحِلُّ الْكَثْرَةُ فِي جَنْبِ الْوَحْدَةِ (وَهَذِهِ الْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي التَّوْحِيدِ) وَلَيْسَ بَعْدَهُ بِمَقَامٍ لِلسَّالِكِ يَنْتَهِي إِلَيْهِ (فَالْأَوَّلُ كَالْقِشْرَةِ الْعُلْيَا مِنَ الْجَوْزِ، وَالثَّانِي كَالْقِشْرَةِ السُّفْلَى) مِنْهُ (وَالثَّالِثُ كَاللُّبِّ) الَّذِي دَاخِلَ الْقِشْرَتَيْنِ (وَالرَّابِعُ كَالدُّهْنِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ اللُّبِّ) وَهُوَ خُلَاصَةُ الْخُلَاصَةِ (وَكَمَا أَنَّ الْقِشْرَةَ الْعُلْيَا مِنَ الْجَوْزِ لَا خَيْرَ فِيهَا بَلْ إِنْ أُكِلَ فَهُوَ مُرُّ الْمَذَاقِ وَإِنْ نُظِرَ إِلَى بَاطِنِهَا فَهُوَ كَرِيهُ الْمَنْظَرِ وَإِنِ اتُّخِذَ حَطَبًا أَطْفَأَ النَّارَ) لِرُطُوبَتِهِ . (وَأَكْثَرَ الدُّخَانَ) وَسَوَّدَ الْأَلْوَانَ (وَإِنْ تُرِكَ فِي الْبَيْتِ ضَيَّقَ الْمَكَانَ فَلَا يَصْلُحُ) لِشَيْءٍ (إِلَّا أَنْ يُتْرَكَ مُدَّةً عَلَى الْجَوْزِ لِلصِّوَانِ) أَيْ: الْحِفْظِ عَلَى بَاطِنِهِ مِنْ طُرُوِّ الْآفَاتِ (ثُمَّ يُرْمَى بِهِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ التَّوْحِيدُ) الْحَاصِلُ (بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ دُونَ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ عَدِيمُ الْجَدْوَى) أَيِ: الْفَائِدَةِ (كَثِيرُ الضَّرَرِ مَذْمُومُ الظَّاهِرِ) لِمَرَارَتِهِ (وَالْبَاطِنِ) لِبَشَاعَتِهِ (لَكِنَّهُ يَنْفَعُ مُدَّةً فِي حِفْظِ الْقِشْرَةِ السُّفْلَى إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ وَالْقِشْرَةُ السُّفْلَى هِيَ الْقَلْبُ وَالْبَدَنُ وَتَوْحِيدُ الْمُنَافِقِ يَصُونُ بَدَنَهُ عَنْ سَيْفِ الْغُزَاةِ) وَالْحُكَّامِ (فَإِنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِشَقِّ الْقُلُوبِ) كَمَا فِي خَبَرِ أُسَامَةَ هَلَّا شَقَقْتَ قَلْبَهُ (وَالسَّيْفُ إِنَّمَا يُصِيبُ جِسْمَ الْبَدَنِ وَهُوَ الْقِشْرُ وَإِنَّمَا يَتَجَرَّدُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ فَلَا يَبْقَى لِتَوْحِيدِهِ فَائِدَةٌ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْمَوْتِ (وَكَمَا أَنَّ الْقِشْرَةَ السُّفْلَى ظَاهِرَةُ النَّفْعِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْقِشْرَةِ الْعُلْيَا فَإِنَّهَا تَصُونُ اللُّبَّ وَتَحْرُسُهُ عَنِ الْفَسَادِ عِنْدَ الِادِّخَارِ وَإِذَا فُصِلَتْ أَمْكَنَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا حَطَبًا) لِلْوَقِيدِ (لَكِنَّهَا نَازِلَةُ الْقَدْرِ) وَفِي نُسْخَةٍ تَافِهَةُ الْقَدْرِ (بِالْإِضَافَةِ إِلَى اللُّبِّ وَكَذَلِكَ مُجَرَّدُ الِاعْتِقَادِ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ) بِوَاسِطَةِ نُورِ (الْحَقِّ كَثِيرُ النَّفْعِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مُجَرَّدِ نُطْقِ اللِّسَانِ نَاقِصُ الْقَدْرِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْكَشْفِ وَالْمُشَاهَدَةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ وَانْفِسَاحِهِ وَإِشْرَاقِ نُورِ الْحَقِّ فِيهِ إِذْ ذَلِكَ الشَّرْحُ فِيهِ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْآيَتَيْنِ مِرَارًا . (وَكَمَا أَنَّ اللُّبَّ نَفِيسٌ فِي نَفْسِهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْقِشْرِ وَكَأَنَّهُ الْمَقْصُودُ) مِنَ الْقِشْرَتَيْنِ (وَلَكِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ شَوْبِ عُصَارَةٍ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الدُّهْنِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهُ فَكَذَلِكَ تَوْحِيدُ الْعَقْلِ مَقْصِدٌ عَالٍ لِلسَّالِكِينَ) يَتْعَبُونَ حَتَّى يُحَصِّلُونَهُ (لَكِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ شَوْبِ مُلَاحَظَةِ الْغَيْرِ وَالِالْتِفَاتِ إِلَى الْكَثْرَةِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ لَا يُشَاهِدُ سِوَى الْوَاحِدِ الْحَقِّ) وَمِثَالُ شَرَفِ بَعْضِ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ عَلَى الْبَعْضِ مِثَالُ دَارٍ لَهَا عُلُوٌّ وَسُفْلٌ وَكُلَّمَا ارْتَقَيْتَ مِنْ أَسْفَلِهَا إِلَى أَعْلَاهَا ازْدَدْتَ عِلْمًا بِالدَّارِ، وَكُلَّمَا ازْدَدْتَ عِلْمًا ازْدَدْتَ لِبَانِيهَا وَمَالِكِهَا مَحَبَّةَ، وَالْمَحَبَّةُ مُوجِبَةٌ لِمُجَاوَرَةِ الْمَحْبُوبِ وَمُلَازَمَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية