الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَمَنْ تَرَكَ الْمُبَادَرَةَ إِلَى التَّوْبَةِ بِالتَّسْوِيفِ كَانَ بَيْنَ خَطَرَيْنِ عَظِيمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَتَرَاكَمُ الظُّلْمَةُ عَلَى قَلْبِهِ مِنَ الْمَعَاصِي حَتَّى يَصِيرُ رَيْنًا وَطَبْعًا ، فَلَا يَقْبَلُ الْمَحْوَ ، الثَّانِي أَنْ يُعَاجِلَهُ الْمَرَضُ أَوِ الْمَوْتُ فَلَا يَجِدُ مُهْلَةً لِلِاشْتِغَالِ بِالْمَحْوِ ; وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ إِنَّ أَكْثَرَ صِيَاحِ أَهْلِ النَّارِ مِنَ التَّسْوِيفِ فَمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ إِلَّا بِالتَّسْوِيفِ فَيَكُونُ تَسْوِيدُهُ الْقَلْبَ نَقْدًا وَجَلَاؤُهُ بِالطَّاعَةِ نَسِيئَةً إِلَى أَنْ يَخْتَطِفَهُ الْمَوْتُ فَيَأْتِي اللَّهَ بِقَلْبٍ غَيْرِ سَلِيمٍ وَلَا يَنْجُو إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ فَالْقَلْبُ ، أَمَانَةُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ عَبْدِهِ ، وَالْعُمْرُ أَمَانَةُ اللَّهِ عِنْدَهُ ، وَكَذَا سَائِرُ أَسْبَابِ الطَّاعَةِ ، فَمَنْ خَانَ فِي الْأَمَانَةِ ، وَلَمْ يَتَدَارَكْ خِيَانَتَهُ فَأَمْرُهُ مُخْطِرٌ . قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى إِلَى عَبْدِهِ سِرَّيْنِ يُسِرُّهُمَا إِلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْهَامِ أَحَدُهُمَا إِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَقُولُ لَهُ : عَبْدِي قَدْ أَخْرَجْتُكَ إِلَى الدُّنْيَا طَاهِرًا نَظِيفًا ، وَاسْتَوْدَعْتُكَ عُمْرَكَ ، وَائْتَمَنْتُكَ عَلَيْهِ فَانْظُرْ كَيْفَ تَحْفَظُ الْأَمَانَةَ ، وَانْظُرْ إِلَى كَيْفَ تَلْقَانِي وَالثَّانِي عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ يَقُولُ : عَبْدِي مَاذَا صَنَعْتَ فِي أَمَانَتِي عِنْدَكَ ? هَلْ حَفِظْتَهَا حَتَّى تَلْقَانِي عَلَى الْعَهْدِ فَأَلْقَاكَ عَلَى الْوَفَاءِ أَوْ أَضَعْتَهَا فَأَلْقَاكَ بِالْمُطَالَبَةِ وَالْعِقَابِ وَإِلَيْهِ ، الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ . إتحاف السادة المتقين (وَمَنْ تَرَكَ الْمُبَادَرَةَ إِلَى التَّوْبَةِ بِالتَّسْوِيفِ) أَيِ: الْمَطْلِ وَالتَّأْخِيرِ، وَأَصْلُهُ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ وَعَدَهُ بِالْوَفَاءِ: سَوْفَ أَفْعَلُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى (كَانَ بَيْنَ خَطَرَيْنِ عَظِيمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَتَرَاكَمُ الظُّلْمَةُ عَلَى قَلْبِهِ مِنَ الْمَعَاصِي حَتَّى تَصِيرَ رَيْنًا وَطَبْعًا، فَلَا تَقْبَلُ الْمَحْوَ، الثَّانِي أَنْ يُعَاجِلَهُ الْمَرَضُ أَوِ الْمَوْتُ فَلَا يَجِدُ مُهْلَةً لِلِاشْتِغَالِ بِالْمَحْوِ; وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ أَكْثَرَ صِيَاحِ أَهْلِ النَّارِ مِنَ التَّسْوِيفِ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ أَجِدْ لَهُ أَصْلًا . (فَمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ إِلَّا بِالتَّسْوِيفِ) ، وَفِي الْقُوتِ: حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ أَنْ لَا يُسَوِّفُ أَبَدًا، إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنَّهَا فِي الْوَقْتِ (فَيَكُونُ تَسْوِيدُهُ لِلْقَلْبِ) بِتِلْكَ الْمَعَاصِي (نَقْدًا) حَاضِرًا، (وَجَلَاؤُهُ بِالطَّاعَةِ نَسِيئَةً) ، وَمَا زَالَ كَذَلِكَ (إِلَى أَنْ يَخْطِفَهُ الْأَجَلُ) بِسُرْعَةٍ (فَيَأْتِي اللَّهَ) يَوْمَ الْعَرْضِ (بِقَلْبٍ غَيْرَ سَلِيمٍ) مِنَ الْغِشِّ، (وَلَا يَنْجُو إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَالْقَلْبُ أَمَانَةُ اللَّهِ عِنْدَ عَبْدِهِ، وَالْعُمْرُ أَمَانَةُ اللَّهِ عِنْدَهُ، وَكَذَا سَائِرُ أَسْبَابِ الطَّاعَةِ، فَمَنْ خَانَ فِي الْأَمَانَةِ، وَلَمْ يَتَدَارَكْ خِيَانَتَهُ فَأَمْرُهُ مُخْطِرٌ) جِدًّا. (قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ) مِنَ الصُّوفِيَّةِ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَسَرَّ إِلَى عَبْدِهِ سِرَّيْنِ يُسِرُّهُمَا إِلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْهَامِ) ، وَلَفْظُ الْقُوتِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَسَرَّ إِلَى عَبْدِهِ سِرَّيْنِ يُسِرُّهُمَا إِلَيْهِ يُوجِدُهُ ذَلِكَ بِإِلْهَامٍ يُلْهِمُهُ (أَحَدُهُمَا إِذَا) ، وُلِدَ وَ (خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَقُولُ لَهُ: عَبْدِي قَدْ أَخْرَجْتُكَ إِلَى الدُّنْيَا طَاهِرًا) سَوِيًّا (نَظِيفًا، وَاسْتَوْدَعْتُكَ عُمْرَكَ، وَائْتَمَنْتُكَ عَلَيْهِ) ، وَلَفْظُ الْقُوتِ: لِتُمْسِكَ عَلَيْهِ (فَانْظُرْ كَيْفَ تَحْفَظُ الْأَمَانَةَ، وَانْظُرْ كَيْفَ تَلْقَانِي) بِهِ كَمَا أَخْرَجْتُكَ، (وَ) السِّرُّ (الثَّانِي عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ يَقُولُ لَهُ: عَبْدِي مَاذَا صَنَعْتَ فِي أَمَانَتِي عِنْدَكَ؟ هَلْ حَفِظْتَهَا حَتَّى تَلْقَانِي عَلَى الْعَهْدِ) وَالرِّعَايَةِ (فَأَلْقَاكَ عَلَى الْوَفَاءِ) ، وَلَفْظُ الْقُوتِ: بِالْوَفَاءِ وَالْجَزَاءِ (أَوْ ضَيَّعْتَهَا فَأَلْقَاكَ بِالْمُطَالَبَةِ وَالْعِقَابِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) قِيلَ: الْعَهْدُ عَلَى أَمَانَةِ عَبْدِهِ إِنْ كَانَ حَفِظَهَا فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ، وَإِنْ كَانَ ضَيَّعَهَا فَقَدْ خَانَ اللَّهَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ، (وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: مَنْ ضَيَّعَ فَرَائِضَ اللَّهِ خَرَجَ مِنْ أَمَانَةِ اللَّهِ. وَإِذْ قَدْ فَهِمْتَ مَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ ظَهَرَ لَكَ أَنَّهُ نِهَايَةٌ لِمَرَاتِبِ التَّوْبَةِ وَمَرَاقِيهَا، وَتَسْمِيَةُ هَذَا الْفَصْلِ بِالْإِنَابَةِ أَوْلَى لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِنَابَةِ تَكْرَارُ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا ذَنْبٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية