الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين بَيَانُ عِلَاجِ الْحِرْصِ وَالطَّمَعِ وَالدَّوَاءِ الَّذِي يُكْتَسَبُ بِهِ صِفَةُ الْقَنَاعَةِ . اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الدَّوَاءَ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ الصَّبْرُ ، وَالْعِلْمُ ، وَالْعَمَلُ ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ خَمْسَةُ أُمُورٍ : الْأَوَّلُ : وَهُوَ الْعَمَلُ الِاقْتِصَادُ فِي الْمَعِيشَةِ وَالرِّفْقُ فِي الْإِنْفَاقِ ، فَمَنْ أَرَادَ عِزَّ الْقَنَاعَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسُدَّ عَنْ نَفْسِهِ أَبْوَابَ الْخُرْجِ مَا أَمْكَنَهُ ، وَيَرُدَّ نَفْسَهُ إِلَى مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ، فَمَنْ كَثُرَ خَرْجُهُ ، وَاتَّسَعَ إِنْفَاقُهُ لَمْ تُمَكِّنْهُ الْقَنَاعَةُ ، بَلْ إِنْ كَانَ وَحْدَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْنَعَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ خَشِنٍ وَيَقْنَعُ بِأَيِّ طَعَامٍ كَانَ ، وَيُقَلِّلُ مِنَ الْإِدَامِ مَا أَمْكَنَهُ ، وَيُوَطِّنُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ فَيَرُدُّ كُلَّ وَاحِدٍ إِلَى هَذَا الْقَدْرِ فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ يَتَيَسَّرُ بِأَدْنَى جُهْدٍ ، وَيُمْكِنُ مَعَهُ الْإِجْمَالُ فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِصَادُ فِي الْمَعِيشَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْقَنَاعَةِ وَنَعْنِي بِهِ الرِّفْقُ فِي الْإِنْفَاقِ ، وَتَرْكُ الْخَرْقَ فِيهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ الْأَمْرِ كُلِّهِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ . إتحاف السادة المتقين (بَيَانُ عِلَاجِ الْحِرْصِ وَالطَّمَعِ وَالدَّوَاءِ الَّذِي تُكْتَسَبُ بِهِ صِفَةَ الْقَنَاعَةِ) (اعْلَمْ) - وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى - (أَنَّ هَذَا الدَّوَاءَ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ) هِيَ أَسَاسُهُ: (الصَّبْرُ، وَالْعِلْمُ، وَالْعَمَلُ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ خَمْسَةُ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْعَمَلُ) ، وَذَلِكَ (الِاقْتِصَادُ فِي الْمَعِيشَةِ) ، أَيْ: الِاعْتِدَالُ فِيهَا (وَالرِّفْقُ فِي الْإِنْفَاقِ، فَمَنْ أَرَادَ عِزَّ الْقَنَاعَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسُدَّ عَلَى نَفْسِهِ أَبْوَابَ الْخُرْجِ) ، أَيْ: مَا يُصْرَفُ فِي اللَّوَازِمِ الضَّرُورِيَّةِ (مَا أَمْكَنَهُ، وَيَرُدَّ نَفْسَهُ إِلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَمَنْ كَثُرَ خَرْجُهُ، وَاتَّسَعَ إِنْفَاقُهُ لَمْ تُمَكِّنْهُ الْقَنَاعَةُ، بَلْ إِنْ كَانَ وَحْدَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقْنَعَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ خَشِنٍ) مِنْ قُطْنٍ، أَوْ صُوفٍ (وَيَقْنَعُ بِأَيِّ طَعَامٍ كَانَ، وَيُقَلِّلُ مِنَ الْإِدَامِ مَا أَمْكَنَهُ، وَيُوَطِّنُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ) تَدْرِيجًا (وَإِنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ فَيَرُدُّ كُلَّ وَاحِدٍ إِلَى هَذَا الْقَدْرِ فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ يَتَيَسَّرُ بِأَدْنَى جُهْدٍ، وَيُمْكِنُ مَعَهُ الْإِجْمَالُ فِي الطَّلَبِ) الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْخَبَرِ (فَالِاقْتِصَادُ فِي الْمَعِيشَةِ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْقَنَاعَةِ) ، فَفِي الْخَبَرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: الِاقْتِصَادُ فِي النَّفَقَةِ نِصْفُ الْمَعِيشَةِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْعَسْكَرِيُّ، وَابْنُ السُّنِّيِّ، وَالدَّيْلَمِيُّ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَابْنِ لَالٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: الِاقْتِصَادُ نِصْفُ الْعَيْشِ (وَنَعْنِي بِهِ الرِّفْقُ فِي الْإِنْفَاقِ، وَتَرْكُ الْخَرْقَ فِيهِ) ، وَهُوَ سُوءُ الْعَمَلِ (قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ) . أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ ذَمِّ الْغَضَبِ . (وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا عَالَ) ، أَيْ: مَا افْتَقَرَ (مَنِ اقْتَصَدَ) ، أَيْ: فِي مَعِيشَتِهِ، أَيْ: مَنْ أَنْفَقَ قَصْدًا، وَلَمْ يُجَاوِزْهُ إِلَى الْإِسْرَافِ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: مُقْتَصِدٍ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ. انْتَهَى . قُلْتُ: رَوَيَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ الْهِجْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْقُضَاعِيُّ، وَهُوَ عِنْدَ الْعَسْكَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سِكِّينَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الْهِجْرِيِّ بِلَفْظِ: لَا يُعِيلُ أَحَدٌ عَلَى قَصْدٍ، وَلَا يَبْقَى عَلَى سَرَفٍ كَثِيرٍ، وَرَوَيَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضِّحَاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: مَا عَالَ مُقْتَصِدٌ. إِلَّا أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ زَادَ: قَطُّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الِاقْتِصَادِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْعَسْكَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بِلَالٍ الْأَشْعَرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ الْمُدْنِيُّ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: السُّؤَالُ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَالرِّفْقِ نِصْفُ الْمَعِيشَةِ، وَمَا عَالَ امْرُؤٌ فِي اقْتِصَادٍ. وَرَوَى الْحَاكِمُ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَيْرِ بْنِ صُبْحٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ: السُّؤَالُ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَالرِّفْقِ نِصْفُ الْمَعِيشَةِ، وَمَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ. وَرَوَى الْعَسْكَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: التَّوَدُّدُ نِصْفُ الدِّينِ، وَمَا عَالَ امْرُؤٌ قَطُّ عَنِ اقْتِصَادٍ... الْحَدِيثَ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ، وَالْقُضَاعِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدَمَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَلَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ. وَقَدْ عَقَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ لِلِاقْتِصَادِ فِي النَّفَقَةِ بَابًا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية