الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْآثَارُ ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ ، وَإِنَّ الْيَأْسَ غِنًى ، وَإِنَّهُ مَنْ يَيْأَسْ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ اسْتَغْنَى عَنْهُمْ وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ : مَا الْغِنَى قَالَ : قِلَّةُ تَمَنِّيكَ ، وَرِضَاكَ بِمَا يَكْفِيكَ وَفِي ذَلِكَ ; قِيلَ : الْعَيْشُ سَاعَاتٌ تَمُرُّ وَخُطُوبُ أَيَّامٍ تَكُرُّ اقْنَعْ بِعَيْشِكَ تَرْضَهُ وَاتْرُكْ هَوَاكَ تَعِيشُ حُرُّ فَلَرُبَّ حَتْفٍ سَاقَهُ ذَهَبٌ وَيَاقُوتٌ وَدُرٌّ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ يَبُلُّ الْخَبْزَ الْيَابِسَ بِالْمَاءِ وَيَأْكُلُهُ ، وَيَقُولُ : مَنْ قَنِعَ بِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَحَدٍ وَقَالَ سُفْيَانُ خَيْرُ دُنْيَاكُمْ مَا لَمْ تُبْتَلَوْا بِهِ ، وَخَيْرُ مَا ابْتُلِيتُمْ بِهِ مَا خَرَجَ مِنْ أَيْدِيكُمْ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا ، وَمَلَكٌ يُنَادِي : يَا ابْنَ آدَمَ ، قَلِيلٌ يَكْفِيكَ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُطْغِيكَ وَقَالَ سَمِيطُ بْنُ عَجْلَانَ إِنَّمَا بَطْنُكَ يَا ابْنَ آدَمَ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ ، فِلِمَ يُدْخِلُكَ النَّارَ وَقِيلَ لِحَكِيمٍ : مَا مَالُكَ ? قَالَ : التَّجَمُّلُ فِي الظَّاهِرِ وَالْقَصْدُ فِي الْبَاطِنِ وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَيُرْوَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ : يَا ابْنَ آدَمَ ، لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا لَكَ لَمْ يَكُنْ لَكَ مِنْهَا إِلَّا الْقُوتُ وَإِذَا ، أَنَا أَعْطَيْتُكَ مِنْهَا الْقُوتَ ، وَجَعَلْتُ حِسَابَهَا عَلَى غَيْرِكِ ، فَأَنَا إِلَيْكَ مُحْسِنٌ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا طَلَبَ أَحَدُكُمُ الْحَاجَةَ ، فَلْيَطْلُبْهَا طَلَبًا يَسِيرًا وَلَا يَأْتِي الرَّجُلُ فَيَقُولُ : إِنَّكَ وَإِنَّكَ فَيَقْطَعُ ظَهْرَهُ ، فَإِنَّمَا يَأْتِيهِ مَا قُسِمَ لَهُ مِنَ الرِّزْقِ ، أَوْ مَا رُزِقَ وَكَتَبَ بَعْضُ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَى أَبِي حَازِمٍ يَعْزِمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَفَعَ إِلَيْهِ حَوَائِجَهُ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : قَدْ رَفَعْتُ حَوَائِجِي إِلَى مَوْلَايَ ، فَمَا أَعْطَانِي مِنْهَا قَبِلْتُ ، وَمَا أَمْسَكَ عَنِّي قَنِعْتُ وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ : أَيُّ شَيْءِ أَسَرُّ لِلْعَاقِلِ وَأَيُّمَا ؟ شَيْءٍ أَعْوَنُ عَلَى دَفْعِ الْحُزْنِ فَقَالَ : أَسَرُّهَا إِلَيْهِ مَا قَدَّمَ مِنْ صَالِحِ الْعَمَلِ ، وَأَعُونُهَا لَهُ عَلَى دَفْعِ الْحُزْنِ الرِّضَا بِمَحْتُومِ الْقَضَاءِ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : وَجَدْتُ أَطْوَلَ النَّاسِ غَمًّا الْحَسُودَ ، وَأَهْنَأَهُمْ عَيْشًا الْقَنُوعُ ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى الْأَذَى الْحَرِيصُ إِذَا طَمِعَ ، وَأَخْفَضُهُمْ عَيْشًا أَرْفَضَهُمْ لِلدُّنْيَا ، وَأَعْظَمَهُمْ نَدَامَةً الْعَالِمُ الْمُفَرِّطُ وَفِي ذَلِكَ قِيلَ . أَرْفِهْ بِبَالِ فَتًى أَمْسَى عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ الَّذِي قَسَمَ الْأَرْزَاقَ يَرْزُقُهُ فَالْعِرْضُ مِنْهُ مَصُونٌ لَا يُدَنِّسُهُ وَالْوَجْهُ مِنْهُ جَدِيدٌ لَيْسَ يَخْلِقُهُ إِنَّ الْقَنَاعَةَ مَنْ يُحَلِّلُ بِسَاحَتِهَا لَمْ يَلْقَ فِي دَهْرِهِ شَيْئًا يُؤَرِّقُهُ وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا . حَتَّى مَتَى أَنَا فِي حِلٍّ وَتَرْحَالِ وَطُولِ سَعْيٍ وَإِدْبَارٍ وَإِقْبَالِ وَنَازِحُ الدَّارِ لَا أَنْفَكُّ مُغْتَرِبًا عَنِ الْأَحِبَّةِ لَا يَدْرُونَ مَا حَالِي بِمَشْرِقِ الْأَرْضِ طَوْرًا ثُمَّ مَغْرِبِهَا لَا يَخْطُرُ الْمَوْتُ مِنْ حِرْصِي عَلَى بَالِي وَلَوْ قَنِعْتُ أَتَانِي الرِّزْقُ فِي دَعَةٍ إِنَّ الْقُنُوعَ الْغِنَى لَا كَثْرَةُ الْمَالِ وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا أَسْتُحِلَّ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى حُلَّتَانِ ؟ لِشِتَائِي وَقَيْظِي وَمَا يَسَعُنِي مِنَ الظَّهْرِ لِحَجِّي وَعُمْرَتِي ، وَقُوتِي بَعْدَ ذَلِكَ كَقُوتِ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَسْتُ بِأَرْفَعِهِمْ ، وَلَا بِأَوْضَعِهِمْ فَوَاللَّهِ ، مَا أَدْرِي أَيَحِلُّ ذَلِكَ أَمْ لَا ? كَأَنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ هَلْ هُوَ زِيَادَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ الَّتِي تَجِبُ الْقَنَاعَةُ بِهَا وَعَاتَبَ أَعْرَابِيٌّ أَخَاهُ عَلَى الْحِرْصِ ، فَقَالَ : يَا أَخِي أَنْتَ طَالِبٌ وَمَطْلُوبٌ ، يَطْلُبُكَ مَنْ لَا تَفُوتُهُ ، وَتَطْلُبُ أَنْتَ مَا قَدْ كُفِيتَهُ وَكَأَنَّ ، مَا غَابَ عَنْكَ قَدْ كُشِفَ لَكَ وَمَا أَنْتَ ، فِيهِ قَدْ نُقِلْتَ عَنْهُ كَأَنَّكَ يَا أَخِي لَمْ تَرَ حَرِيصًا مَحْرُومًا ، وَزَاهِدًا مَرْزُوقًا . وَفِي ، ذَلِكَ قِيلَ . : أَرَاكَ يَزِيدُكَ الْإِثْرَاءُ حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ لَا تَمُوتُ فَهَلْ لَكَ غَايَةٌ إِنْ صِرْتَ يَوْمًا إِلَيْهَا قُلْتَ حَسْبِي قَدْ رَضِيتُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا صَادَ قُنْبُرَةً فَقَالَتْ مَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ بِي ? قَالَ : أَذْبَحُكَ ، وَآكُلُكِ ، قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا أُشْفِي مِنْ قَرَمٍ وَلَا أُشْبِعُ مِنْ جُوعٍ ، وَلَكِنْ أُعَلِّمُكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ هِيَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَكْلِي : أَمَّا وَاحِدَةٌ ، فَأُعَلِّمُكَ وَأَنَا فِي يَدِكَ ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِذَا صِرْتُ عَلَى الشَّجَرَةِ ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِذَا صِرْتُ عَلَى الْجَبَلِ قَالَ : هَاتِ الْأُولَى ، قَالَتْ : لَا تَلَهَّفَنَّ عَلَى مَا فَاتَكَ فَخَلَّاهَا فَلَمَّا صَارَتْ عَلَى الشَّجَرَةِ ، قَالَ : هَاتِ الثَّانِيَةَ : لَا تُصَدِّقَنَّ بِمَا لَا يَكُونُ أَنَّهُ يَكُونُ ، ثُمَّ طَارَتْ فَصَارَتْ عَلَى الْجَبَلِ ، فَقَالَتْ : يَا شَقِيُّ ، لَوْ ذَبَحْتَنِي لَأَخْرَجْتَ مِنْ حَوْصَلَتِي دُرَّتَيْنِ زِنَةُ كُلِّ دُرَّةٍ عِشْرُونَ مِثْقَالَا قَالَ : فَعَضَّ عَلَى شَفَتِهِ وَتَلَهَّفَ وَقَالَ : هَاتِ الثَّالِثَةَ ، قَالَتْ : أَنْتَ قَدْ نَسِيتَ اثْنَتَيْنِ ، فَكَيْفَ أُخْبِرُكَ بِالثَّالِثَةِ ؟ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ : لَا تَلَهَّفَنَّ عَلَى مَا فَاتَكَ وَلَا ، تُصَدِّقَنَّ بِمَا لَا يَكُونُ أَنَا لَحْمِي ، وَدَمِي ، وَرِيشِي لَا يَكُونُ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ، فَكَيْفَ يَكُونُ فِي حَوْصَلَتِي دُرَّتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ عِشْرُونَ مِثْقَالًا ? ثُمَّ طَارَتْ ، فَذَهَبَتْ وَهَذَا مِثَالٌ لِفَرْطِ طَمَعِ الْآدَمِيِّ ، فَإِنَّهُ يُعْمِيهِ عَنْ دَرْكِ الْحَقِّ حَتَّى يُقَدِّرَ مَا لَا يَكُونُ أَنَّهُ يَكُونُ ، وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ إِنَّ الرَّجَاءَ حَبْلٌ فِي قَلْبِكَ ، وَقَيْدٌ فِي رِجْلِكَ ، فَأَخْرِجِ الرَّجَاءَ مِنْ قَلْبِكَ يَخْرُجُ الْقَيْدُ مِنْ رِجْلِكَ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيُّ دَخَلْتُ عَلَى الرَّشِيدِ فَوَجَدْتُهُ يَنْظُرُ فِي وَرَقَةٍ مَكْتُوبٍ فِيهَا بِالذَّهَبِ ، فَلَمَّا رَآنِي تَبَسَّمَ ، فَقُلْتُ : فَائِدَةٌ أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ? قَالَ : نَعَمْ ، وَجَدْتُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فِي بَعْضِ خَزَائِنِ بَنِي أُمَيَّةَ فَاسْتَحْسَنَتْهُمَا ، وَقَدْ أَضَفْتُ إِلَيْهِمَا ثَالِثًا ، وَأَنْشَدَنِي: إِذَا سُدَّ بَابٌ عَنْكَ مِنْ دُونِ حَاجَةٍ فَدَعْهُ لِأُخْرَى يَنْفَتِحُ لَكَ بَابُهَا فَإِنَّ قِرَابِ الْبَطْنِ يَكْفِيكَ مِلْؤُهُ وَيَكْفِيكَ سَوْآتِ الْأُمُورِ اجْتِنَابُهَا وَلَا تَكُ مِبْذَالًا لِعَرْضِكَ وَاجْتَنِبْ رُكُوبَ الْمَعَاصِي يَجْتَنِبْكَ عِقَابُهَا وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ لِكَعْبِ مَا يُذْهِبُ الْعُلُومُ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ إِذْ وَعُوهَا ، وَعَقَلُوهَا ? قَالَ : الطَّمَعُ ، وَشَرَهُ النَّفْسِ ، وَطَلَبُ الْحَوَائِجِ . وَقَالَ ، رَجُلٌ لِلْفُضَيْلِ : فَسِّرْ لِي قَوْلَ كَعْبٍ ، قَالَ : يَطْمَعُ الرَّجُلُ فِي الشَّيْءِ يَطْلُبُهُ ، فَيَذْهَبُ عَلَيْهِ دِينُهُ ، وَأَمَّا الشَّرَهُ ، فَشَرَهُ النَّفْسِ فِي هَذَا ، حَتَّى لَا تُحِبَّ أَنْ يَفُوتَهَا شَيْءٌ وَيَكُونُ ، لَكَ إِلَى هَذَا حَاجَةٌ ، وَإِلَى هَذَا حَاجَةٌ ، فَإِذَا قَضَاهَا لَكَ خَزَمَ أَنْفَكَ وَقَادَكَ حَيْثُ شَاءَ ، وَاسْتَمْكَنَ مِنْكَ ، وَخَضَعْتَ لَهُ ، فَمِنْ حُبِّكِ لِلدُّنْيَا سَلَّمْتَ عَلَيْهِ . إِذَا مَرَرْتَ بِهِ ، وَعُدْتَهُ إِذَا مَرِضَ لَمْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَمْ تُعُدْهُ لِلَّهِ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَيْهِ حَاجَةٌ كَانَ خَيْرًا لَكَ . ثُمَّ قَالَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ مِائَةِ حَدِيثٍ عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ قَالَ ، بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : مِنْ عَجِيبِ أَمْرِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ لَوْ نُودِيَ بِدَوَامِ الْبَقَاءِ فِي أَيَّامِ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ فِي قُوَى خِلْقَتِهِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الْجَمْعِ أَكْثَرَ مِمَّا قَدِ اسْتَعْمَلَهُ مَعَ قِصَرِ مُدَّةِ التَّمَتُّعِ ، وَتَوَقُّعِ الزَّوَالِ وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ مَرَرْتُ بِرَاهِبٍ فَقُلْتُ لَهُ : مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ قَالَ : مِنْ بَيْدَرِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ الَّذِي خَلَقَ الرَّحَا يَأْتِيهَا بِالطَّحِينِ ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَحَا أَضْرَاسِهِ فَسُبْحَانَ الْقَدِيرِ الْخَبِيرِ . إتحاف السادة المتقين (الْآثَارُ، قَالَ عَمْرٌو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إِنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ، وَإِنَّ الْيَأْسَ غِنًى، وَإِنَّهُ مَنْ يَئِسَ مِمَّا عِنْدَ النَّاسِ اسْتَغْنَى عَنْهُمْ) . رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ . قَالَ عُمَرُ: اعْمَلُوا، فَسَاقَهُ . (وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: مَا الْغِنَى قَالَ: قِلَّةُ تَمَنِّيكَ، وَرِضَاكَ بِمَا يَكْفِيكَ; وَلِذَلِكَ قِيلَ: الْعَيْشُ سَاعَاتٌ تَمُرّ ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَوْقَاتٌ وَخُطُوبُ أَيَّامِ تَكُرُّ اقْنَعْ بِعَيْشِكَ تَرْضَهُ وَاتْرُكْ هَوَاكَ تَعِيشُ حُرُّ فَلَرُبَّ حَتْفٍ سَاقَهُ ذَهَبٌ وَيَاقُوتٌ وَدُرٌّ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ) الْبَصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (يَبُلُّ الْخَبْزَ الْيَابِسَ بِالْمَاءِ، وَيَأْكُلُهُ، وَيَقُولُ: مَنْ قَنِعَ بِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَحَدٍ) . أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ (وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (خَيْرُ دُنْيَاكُمْ مَا لَمْ تُبْتَلَوْا بِهِ، وَخَيْرُ مَا ابْتُلِيتُمْ بِهِ مَا خَرَجَ مِنْ أَيْدِيكُمْ) . أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (مَا مَرَّ يَوْمٌ، وَإِلَّا وَمَلَكٌ يُنَادِي: يَا ابْنَ آدَمَ، قَلِيلٌ يَكْفِيكَ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُطْغِيكَ) كَذَا فِي الْقُوتِ (وَقَالَ سَمِيطُ بْنُ عَجْلَانَ) يُرْوَى بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمُعْجَمَةِ: (إِنَّمَا بَطْنُكَ يَا ابْنَ آدَمَ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ، فِلِمَ يُدْخِلُكَ النَّارَ) كَذَا فِي الْقُوتِ (وَقِيلَ لِحَكِيمٍ: مَا مَالُكَ؟ قَالَ: التَّجَمُّلُ فِي الظَّاهِرِ) ، وَهُوَ أَنْ يَتَجَمَّلَ فِي مَلْبَسِهِ، وَهَيْئَتِهِ (وَالْقَصْدُ فِي الْبَاطِنِ) ، أَيْ: يَقْتَصِدُ فِي أُمُورِهِ الْبَاطِنَةِ، فَلَا يُفَرِّطُ، وَلَا يَفْرُطُ (وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ) ، فَلَا يَنْتَظِرَنَّ وُصُولُ شَيْءٍ مِنْهَا . وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، قَالَ: قِيلَ لِأَبِي حَازِمٍ: مَا مَالُكَ ؟ قَالَ: ثِقَتِي بِاللَّهِ، وَإِيَاسِي مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ . (وَيُرْوَى أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ -، قَالَ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا لَكَ لَمْ يَكُنْ لَكَ مِنْهَا إِلَّا الْقُوتُ، فَإِذَا أَنَا أَعْطَيْتُكَ مِنْهَا الْقُوتَ، وَجَعَلْتُ حِسَابَهَا عَلَى غَيْرِكِ، فَأَنَا إِلَيْكَ مُحْسِنٌ) نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ . (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إِذَا طَلَبَ أَحَدُكُمُ الْحَاجَةَ، فَلْيَطْلُبْهَا طَلَبًا يَسِيرًا) ، أَيْ: قَلِيلًا، أَوْ سَهْلًا (وَلَا يَأْتِي الرَّجُلُ فَيَقُولُ: إِنَّكَ) كَذَا (وَإِنَّكَ) كَذَا - يُثْنِي عَلَيْهِ - (فَيَقْطَعُ ظَهْرَهُ، فَإِنَّمَا يَأْتِيهِ مَا قُسِمَ لَهُ، أَوْ مَا رُزِقَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ مَعْنَى الْخَبَرِ السَّابِقِ: فَأَجْمِلُوا إِلَيَّ الطَّلَبَ . (وَكَتَبَ بَعْضُ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَى أَبِي حَازِمٍ) سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ الْأَعْرَجِ الْمَدَنِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (يَعْزِمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَفَعَ إِلَيْهِ حَوَائِجَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ رَفَعْتُ حَوَائِجِي إِلَى مَوْلَايَ، فَمَا أَعْطَانِي مِنْهَا قَبِلْتُ، وَمَا أَمْسَكَ عَنِّي قَنِعْتُ) . رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثْنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: كَتَبَ بَعْضُ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَى أَبِي حَازِمٍ، فَسَاقَهُ، وَفِيهِ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ جَاءَنِي كِتَابُكَ تَعْزِمُ إِلَيَّ إِلَّا رَفَعُتُ إِلَيْكَ حَوَائِجِي، وَهَيْهَاتَ; رَفَعْتُ حَوَائِجِي إِلَى رَبِّي تَعَالَى، وَالْبَاقِي سَوَاءٌ . ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِبَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ سُلَيْمَانَ; يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَفِيهِ: هَيْهَاتَ; رَفَعْتُ حَاجَتِي إِلَى مَنْ لَا تَخْتَزِنُ الْحَوَائِجُ دُونَهُ، فَمَا أَعْطَانِي مِنْهَا قَنِعْتُ، وَمَا أَمْسَكَ عَنِّي مِنْهَا رَضِيتُ . (وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: أَيُّ شَيْءِ أَسَرُّ لِلْعَاقِلِ؟ وَأَيُّمَا شَيْءٍ أَعْوَنُ عَلَى دَفْعِ الْحُزْنِ قَالَ: أَسَرُّهَا إِلَيْهِ مَا قَدَّمَ مِنْ صَالِحِ الْعَمَلِ، وَأَعُونُهَا لَهُ عَلَى دَفْعِ الْحُزْنِ الرِّضَا بِعُمُومِ الْقَضَاءِ) نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ (وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: وَجَدْتُ أَطْوَلَ النَّاسِ غَمًّا الْحَسُودَ، وَأَهْنَأَهُمْ عَيْشًا الْقَنُوعُ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى الْأَذَى الْحَرِيصُ إِذَا طَمِعَ، وَأَخْفَضُهُمْ) ، أَيْ: أَلْيَنُهُمْ (عَيْشًا أَرْفَضَهُمْ) ، أَيْ: أَتْرَكَهُمْ (لِلدُّنْيَا، وَأَعْظَمَهُمْ نَدَامَةً الْعَالِمُ الْمُفَرِّطُ) ، أَيْ: الَّذِي فَرَّطَ فِي عِلْمِهِ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ، فَيَرَى الَّذِي عَمِلَ بِهِ قَدْ نَالَ مَرْتَبَةً، وَهُوَ مُنِعَهَا، فَتَكْثُرُ نَدَامَتُهُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَمَ (وَقَدْ قِيلَ) : (أَرِفُّهُ بِبَالِ امْرِئٍ يُمْسِي عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ الْأَرْزَاقَ يَرْزُقُهُ) وَفِي نُسْخَةٍ: بِبَالِ فَتَى أَمْسَى وَأَرِفُّهُ مِنَ الرَّفَاهِيَةِ، وَهِيَ سَعَةُ الْعَيْشِ . (فَالْعِرْضُ مِنْهُ مَصُونٌ لَا يُدَنِّسُهُ وَالْوَجْهُ مِنْهُ جَدِيدٌ لَيْسَ يَخْلِقُهُ) وَإِخْلَاقُ الْوَجْهِ إِبْلَاؤُهُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ النَّاشِئِ عَنِ الْحِرْصِ . (إِنَّ الْقَنَاعَةَ مَنْ يُحَلِّلُ بِسَاحَتِهَا لَمْ يَلْقَ فِي دَهْرِهِ شَيْئًا يُؤَرِّقُهُ) أَيْ: يُحْزِنُهُ، وَيُؤْلِمُهُ (وَقِيلَ أَيْضًا) : (حَتَّى مَتَى أَنَا فِي حِلٍّ وَتَرْحَالِي وَطُولِ سَعْيٍ وَإِدْبَارٍ وَإِقْبَالِ) (وَنَازِحُ الدَّارِ لَا أَنْفَكُّ مُغْتَرِبًا عَنِ الْأَجِنَّةِ لَا يَدْرُونَ مَا حَالِي) (بِمَشْرِقِ الْأَرْضِ طَوْرًا ثُمَّ مَغْرِبِهَا لَا يَخْطُرُ الْمَوْتُ مِنْ حِرْصِي عَلَى بَالِ) (وَلَوْ قَنِعْتُ أَتَانِي الرِّزْقُ فِي دَعَةٍ إِنَّ الْقَنُوعَ الْغَنِيُّ لَا كَثْرَةَ الْمَالِ) وَمَعْنَاهُ مَا مَرَّ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى، أَيْ: فَهُوَ الْغِنَى الْأَكْبَرُ، وَرَوَى الْعَسْكَرِيُّ فِي الْأَمْثَالِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَائِشَةَ، قَالَ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَسَارُ النَّفْسِ أَفْضَلُ مِنْ يَسَارِ الْمَالِ، وَرَبَّ شَبْعَانٍ مِنَ النِّعَمِ غَرْثَانٍ مِنَ الْكَرَمِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ لِسَالِمِ بْنِ وَابِصَةَ: غِنَى النَّفْسِ مَا يُغْنِيكَ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرًا وَأَنْشَدَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْكِنْدِيُّ لِنَفْسِهِ: أَضَاقَ الدُّنَّا بِي عَلَى الْأَرْؤُسِ فَغَمِّضْ جُفُونُكَ أَوْ نَكِّسِ وَضَائِلْ سَوَادَكَ وَاقْبِضْ يَدَيْ كَ وَفِي قَعْرِ بَيْتِكَ فَاسْتَحْلِسِ وَعِنْدَ مَلِيكِكَ فَابْغِ الْعُلُ وَّ وَبِالْوَحْدَةِ الْيَوْمَ فَاسْتَأْنِسِ فَإِنَّ الْغِنَى فِي قُلُوبِ الرِّجَا لِ وَإِنَّ التَّعَزُّزَ لِلْأَنْفُسِ وَكَأَيْنٍ تَرَى مِنْ أَخِي عُسْرَةً غِنَى وَذُو ثَرْوَةِ مُفْلِسِ وَمِنْ قَائِمٍ شَخْصُهُ مَيِّتٌ عَلَى أَنْعِ بَعْدُ لَمْ يَرْمُسِ (وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا أَسْتُحِلَّ مِنْ مَالِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -؟ جِلْبَابِي لِشِتَائِي وَقَيْظِي) كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: مَنْ يَكُ ذَا بَتٍّ فَهَذَا بَتِّي مُقْيِظٍ مُصْيِفٍ مُشْتِي (وَمَا يَسَعُنِي مِنَ الظَّهْرِ) ، أَيْ: الرَّاحِلَةُ أَرْكَبُهَا (لِحَجِّي وَعُمْرَتِي، وَقُوتِي بَعْدَ ذَلِكَ كَقُوتِ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَسْتُ بِأَرْفَعِهِمْ، وَلَا بِأَوْضَعِهِمْ، وَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَيَحِلُّ ذَلِكَ لِي أَمْ لَا؟ كَأَنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ هَلْ هُوَ زِيَادَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ الَّتِي يَجِبُ الْقَنَاعَةَ بِهَا) ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي زُهْدِ عُمَرَ، وَالتَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا، وَقَدْ رَوَى سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عِنْدَ فَتْحِ الْقَادِسِيَّةِ، وَدِمْشْقَ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ امْرَءًا تَاجِرًا يُغْنِي اللَّهُ عِيَالِي بِتِجَارَتِي، وَقَدْ شُغِلْتُ بِأَمْرِكُمْ، فَمَا تَرَوْنَ فِيمَا يَحِلُّ لِي مِنْ هَذَا الْمَالِ؟ فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ، وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ قَالَ: مَا أَصْلَحَكَ، وَأَصْلَحَ عِيَالَكَ بِالْمَعْرُوفِ لَيْسَ إِلَّا، فَقَالَ: الْقَوْلُ مَا قَالَ عَلِيٌّ. (وَعَاتَبَ أَعْرَابِيٌّ أَخَاهُ عَلَى الْحِرْصِ، فَقَالَ: يَا أَخِي أَنْتَ طَالِبٌ وَمَطْلُوبٌ، يَطْلُبُكَ مَنْ لَا تَفُوتُهُ، وَتَطْلُبُ أَنْتَ مَا قَدْ كُفِيتُهُ، وَكَانَ مَا غَابَ عَنْكَ قَدْ كُشِفَ لَكَ، وَأَنْتَ فِيهِ نُقِلْتَ عَنْهُ كَأَنَّكَ يَا أَخِي لَمْ تَرَ حَرِيصًا مَحْرُومًا، وَزَاهِدًا مَرْزُوقًا، وَقِيلَ فِي ذَلِكَ: أَرَاكَ يَزِيدُكَ الْإِثْرَاءُ حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ لَا تَمُوتُ فَهَلْ لَكَ غَايَةٌ إِنْ صِرْتَ يَوْمًا إِلَيْهَا قُلْتَ حَسْبِي قَدْ رَضِيتُ وَقَالَ) عَامِرُ بْنُ شَرْحِيلَ (الشَّعْبِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا) فِيمَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ (صَادَ قُنْبُرَةً) بِضَمِّ الْقَافِ، وَسُكُونِ النُّونِ: ضَرْبٌ مِنَ الْعَصَافِيرِ لُغَةً فِي قُبَّرَةٍ كَسُكْرَةٍ، وَكَأَنَّ النُّونَ بَدَلٌ مِنْ أَحَدِ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ، وَيَضُمُّ الثَّالِثُ، وَيَفْتَحُ، الْجَمْعُ قَنَابِرُ (فَقَالَتْ) بِلِسَانِ حَالِهَا لِلصَّائِدِ: (مَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ بِي؟ قَالَ: أَذْبَحُكَ، وَآكُلُكِ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أُشْفِي مِنْ قَرَمٍ) مُحَرَّكَةٌ شِدَّةُ الشَّهْوَةِ لِلْأَكْلِ (وَلَا أُشْبِعُ مِنْ جُوعٍ، وَلَكِنْ أُعَلِّمُكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ هُنَّ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَكْلِي: أَمَّا وَاحِدَةٌ، فَأُعَلِّمُكَ وَأَنَا فِي يَدِكَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِذَا صِرْتُ عَلَى الشَّجَرَةِ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِذَا صِرْتُ عَلَى الْجَبَلِ، قَالَ: هَاتِ الْأُولَى، قَالَتْ: لَا تَلْهَفَنَّ عَلَى مَا فَاتَ) ، أَيْ: لَا تَتَحَسَّرُ عَلَى الْفَائِتِ، فَإِنَّ الْحَسْرَةَ عَلَى الْفَوَاتِ عَبَثٌ (فَخَلَّاهَا) مِنْ يَدِهِ فَطَارَتْ (فَلَمَّا صَارَتْ عَلَى الشَّجَرَةِ، قَالَ: هَاتِ الثَّانِيَةَ، قَالَتْ: لَا تُصَدِّقَنَّ بِمَا لَا يَكُونُ أَنَّهُ يَكُونُ، ثُمَّ طَارَتْ فَصَارَتْ عَلَى الْجَبَلِ، فَقَالَتْ: يَا شَقِيُّ، لَوْ ذَبَحْتَنِي لَأَخْرَجْتَ مِنْ حَوْصَلَّتِي) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَقَدْ تُخَفَّفُ (دُرَّتَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ عِشْرُونَ مِثْقَالَا) ، أَيْ: زِنَةُ كُلِّ دُرَّةٍ كَذَلِكَ (قَالَ الرَّاوِي: فَعَضَّ) الصَّائِدُ (عَلَى شَفَتَيْهِ وَتَلَهَّفَ) عَلَى تَخْلِيَتِهَا مِنْ يَدِهِ (وَقَالَ: هَاتِ الثَّالِثَةُ، قَالَتْ: أَنْتَ قَدْ نَسِيتَ الثِّنْتَيْنِ، فَكَيْفَ أُخْبِرَكَ الثَّالِثَةَ؟ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: لَا تَلْهَفَنَّ عَلَى مَا فَاتَ، لَا تُصَدِّقَنَّ بِمَا لَا يَكُونُ أَنَّهُ يَكُونُ؟ أَنَا وَلَحْمِي، وَدَمِي، وَرِيشِي لَا يَكُونُ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، فَكَيْفَ يَكُونُ فِي حَوْصَلَتِي دُرَّتَانِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ عِشْرُونَ مِثْقَالًا؟ ثُمَّ طَارَتْ، فَذَهَبَتْ) . أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِّي، عَنْ مُسْلِمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فَذَكَرَهَا سَوَاءٌ . (وَهَذَا مِثَالٌ لِفَرْطِ طَمَعِ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ يُعْمِيهِ عَنْ دَرْكِ الْحَقِّ حَتَّى يُقَدِّرَ) فِي نَفْسِهِ (مَا لَا يَكُونُ) مِنِ الْمُتَخَيِّلَاتِ (أَنَّهُ يَكُونُ، وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ) ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ صُبَيْحٍ الْبَغْدَادِيُّ الْوَاعِظُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إِنَّ الرَّجَاءَ حَبْلٌ فِي قَلْبِكَ، وَقَيْدٌ فِي رِجْلِكَ، فَأَخْرِجِ الرَّجَاءَ مِنْ قَلْبِكَ يَخْرُجُ الْقَيْدُ مِنْ رِجْلِكَ) نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ . (وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ) يَحْيَى بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْعَدَوِيُّ مَوْلَى عُدَيِّ بْنِ مَنَاةٍ (الْيَزِيدِيُّ) مَنْسُوبٌ إِلَى يَزِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ الْمَهْدِيُّ: لِأَنَّهُ أَدَّبَ أَوْلَادَهُ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَأَدَّبَ الْمَأْمُونَ. رَوَى عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَرَأَ لِأَبِي عَمْرٍو، وَهُوَ صَدُوقٌ عَالَمٍ بِاللُّغَةِ، وَالنَّحْوِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ . مَاتَ سَنَةَ 252، وَأَوْلَادُهُ مُحَمَّدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَاسِحَاقُ شُعَرَاءُ، وَمِمَّنْ رَوَى عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيِّ أَبُو شُعَيْبٍ صَالِحُ بْنُ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَارُودَ الرُّقِيُّ: (دَخَلْتُ عَلَى الرَّشِيدِ) هَارُونُ بْنُ الْمَهْدِيِّ (فَوَجَدْتُهُ يَنْظُرُ فِي وَرَقَةٍ مَكْتُوبٍ فِيهَا بِالذَّهَبِ، فَلَمَّا رَآنِي تَبَسَّمَ، فَقُلْتُ: فَائِدَةٌ أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَجَدْتُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فِي بَعْضِ خَزَائِنِ بَنِي أُمَيَّةَ فَاسْتَحْسَنَتْهُمَا، وَقَدْ أَضَفْتُ إِلَيْهِمَا ثَالِثًا، وَأَنْشَدَنِي: إِذَا سُدَّ بَابٌ عَنْكَ مِنْ دُونِ حَاجَةٍ فَدَعْهُ لِأُخْرَى يَنْفَتِحُ لَكَ بَابُهَا فَإِنَّ قِرَابِ الْبَطْنِ يَكْفِيكَ مِلْؤُهُ وَيَكْفِيكَ سَوْآتُ الْأُمُورِ اجْتِنَابُهَا وَلَا تَكُ مِبْذَالًا لِعَرْضِكَ وَاجْتَنِبْ رُكُوبَ الْمَعَاصِي يَجْتَنِبْكَ عِقَابُهَا ) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي أَخْبَارِ الْخُلَفَاءِ (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (لِكَعْبِ) الْأَحْبَارِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (مَا يُذْهِبُ الْعُلُومُ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ بَعْدَ إِذْ وَعُوهَا، وَعَقَلُوهَا؟ قَالَ: الطَّمَعُ، وَشَرَهُ النَّفْسِ، وَطَلَبُ الْحَوَائِجِ، فَقَالَ رَجُلٌ لِلْفُضَيْلِ: فَسِّرْ لِي قَوْلَ كَعْبٍ، قَالَ: يَطْمَعُ الرَّجُلُ فِي الشَّيْءِ فَيَطْلُبُهُ، فَيَذْهَبُ عَلَيْهِ دِينُهُ، وَأَمَّا الشَّرَهُ، فَشَرَهُ النَّفْسِ فِي هَذَا، وَفِي هَذَا، حَتَّى لَا تُحِبَّ أَنَّ يَفُوتَهَا شَيْءٌ، وَتَكُونُ لَكَ إِلَى هَذَا حَاجَةٌ، وَإِلَى هَذَا حَاجَةٌ، فَإِذَا قَضَاهَا لَكَ خَزَمَ أَنْفَكَ) ، أَيْ: جَعَلَ فِيهَا شِبْهَ الْخِزَامِ فِي أَنْفِ النَّاقَةِ (وَقَادَكَ حَيْثُ شَاءَ، وَاسْتَمْكَنَ مِنْكَ، وَخَضَعْتَ لَهُ، فَمِنْ حُبِّكِ لِلدُّنْيَا سَلَّمْتَ عَلَيْهِ إِذَا مَرَرْتَ بِهِ، وَعُدْتَهُ إِذَا مَرِضَ، وَلَمْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَلَمْ تُعُدْهُ لِلَّهِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَكَ إِلَيْهِ حَاجَةٌ كَانَ خَيْرًا لَكَ، ثُمَّ قَالَ) الْفُضَيْلُ لِلسَّائِلِ: (هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ مِائَةِ حَدِيثٍ عَنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٍ) . أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا . (وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مِنْ عَجِيبِ أَمْرِ النَّاسِ أَنَّهُ لَوْ نُودِيَ بِدَوَامِ الْبَقَاءِ فِي أَيَّامِ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ فِي قُوَى خِلْقَتِهِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الْجَمْعِ أَكْثَرَ مِمَّا قَدِ اسْتَعْمَلَهُ مَعَ قِصَرِ مُدَّةِ التَّمَتُّعِ، وَتَوَقُّعِ الزَّوَالِ) . أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا. (وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ) الْبَصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (مَرَرْتُ بِرَاهِبٍ) فِي صَوْمَعَةٍ (فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَالَ: مِنْ بَيْدَرِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ) جَلَّ جَلَالُهُ (الَّذِي خَلَقَ الرَّحَا هُوَ يَأْتِيهَا بِالطَّحِينِ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَحَا أَضْرَاسِهِ) . أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية