الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْبَابُ السَّادِسُ . فِيمَا يَحِلُّ مِنْ مُخَالَطَةِ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ وَيَحْرُمُ . وَحُكْمِ غَشَيَانِ مَجَالِسِهِمْ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِمْ وَالْإِكْرَامِ لَهُمْ . اعْلَمْ أَنَّ لَكَ مَعَ الْأُمَرَاءِ وَالْعُمَّالِ الظَّلَمَةِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ : الْحَالَةُ الْأُولَى : وَهِيَ شَرُّهَا أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِمْ . وَالثَّانِيَةُ : وَهِيَ دُونُهَا أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْكَ وَالثَّالِثَةُ وَهِيَ الْأَسْلَمُ أَنْ تَعْتَزِلَ عَنْهُمْ فَلَا تَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنَكَ . أَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى وَهِيَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فَهُوَ مَذْمُومٌ جِدًّا فِي الشَّرْعِ وَفِيهِ تَغْلِيظَاتٌ وَتَشْدِيدَاتٌ تَوَارَدَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فَنَنْقُلُهَا لِتَعْرِفَ ذَمَّ الشَّرْعِ لَهُ ثُمَّ نَتَعَرَّضُ لِمَا يَحْرُمُ مِنْهُ وَمَا يُبَاحُ وَمَا يُكْرَهُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ ، الْفَتْوَى فِي ظَاهِرِ الْعِلْمِ . أَمَّا الْأَخْبَارُ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُمَرَاءَ الظَّلَمَةَ قَالَ : فَمَنْ نَابَذَهُمْ نَجَا وَمَنِ اعْتَزَلَهُمْ سَلِمَ أَوْ كَادَ أَنْ يَسْلَمُ ، وَمَنْ وَقْعِ مَعَهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ . وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنِ اعْتَزَلَهُمْ سَلِمَ مِنْ إِثْمِهِمْ ، وَلَكِنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ عَذَابٍ يَعُمُّهُ مَعَهُمْ إِنْ نَزَلَ بِهِمْ لِتَرْكِهِ الْمُنَابَذَةَ وَالْمُنَازَعَةَ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ ، وَلَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الْحَوْضَ . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَبْغَضُ الْقُرَّاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ . إتحاف السادة المتقين (الْبَابُ السَّادِسُ فِيمَا يَحِلُّ مِنْ مُخَالَطَةِ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ وَغَيْرِهِمْ وَحُكْمِ غَشَيَانِ مَجَالِسِهِمْ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِمْ وَالْإِكْرَامِ لَهُمْ) اعْلَمْ أَنَّ كُلَّمَا يُذْكَرُ السُّلْطَانُ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا هُوَ الْأَعَمُّ مِنَ الْخَلِيفَةِ وَالْأَمِيرِ مِنْ كُلِّ ذِي شَوْكَةٍ وَوَفْرِ حَشَمٍ وَكَثْرَةِ مُمْتَلَكَاتٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَتْبُوعًا مُسْتَقِلًّا أَوْ تَابِعًا لِآخَرَ كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ . (اعْلَمْ أَنَّ لَكَ مَعَ الْعُمَّالِ وَالْأُمَرَاءِ الظَّلَمَةِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ: الْحَالَةُ الْأُولَى: وَهِيَ أَشَرُّهَا أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِمْ) فِي مَحَالِّهِمْ . (وَالثَّانِيَةُ: وَهِيَ دُونُهَا أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْكَ) فِي مَحَلِّكَ . (وَالثَّالِثَةُ وَهِيَ الْأَسْلَمُ أَنْ تَعْتَزِلَ عَنْهُمْ) مَرَّةً وَاحِدَةً، (فَلَا تَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنَكَ، أَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى وَهِيَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ، فَهِيَ حَالَةٌ مَذْمُومَةٌ جِدًّا فِي الشَّرْعِ وَفِيهَا تَغْلِيظَاتٌ وَتَشْدِيدَاتٌ) وَزَوَاجِرُ، (وَقَدْ تَوَارَدَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: تَوَاتَرَتْ (فَلْنَنْقُلْ ذَلِكَ لِيُعْرَفَ ذَمُّ الشَّرْعِ لَهَا ثُمَّ نَتَعَرَّضُ) بَعْدَ ذَلِكَ (لِمَا يَحْرُمُ مِنْهَا وَمَا يُبَاحُ وَمَا يُكْرَهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ذَمُّ الشَّرْعِ، وَمَا يُبِيحُهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْفَتْوَى فِي ظَاهِرِ الْعِلْمِ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَمَا يُكْرَهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْفَتْوَى فِي ظَاهِرِ الْعِلْمِ، (فَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَلَمَّا وَصَفَ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَفَ (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُمَرَاءَ الظَّلَمَةَ) فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ (قَالَ: فَمَنْ نَابَذَهُمْ) أَيْ: جَانَبَهُمْ (نَجَا) مِنَ النِّفَاقِ وَالْمُدَاهَنَةِ، (وَمَنِ اعْتَزَلَهُمْ) مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ (سَلِمَ) مِنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِ الْمُنْكَرِ، (أَوْ كَادَ يَسْلَمُ، وَمَنْ وَقْعِ مَعَهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ) ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَقَالَ: مَنْ خَالَطَهُمْ هَلَكَ اهـ . قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ وَلَفْظُهَا جَمِيعًا: "إِنَّهَا سَتَكُونُ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ نَاوَأَهُمْ نَجَا، وَمَنِ اعْتَزَلَهُمْ سَلِمَ، أَوْ كَادَ، وَمَنْ خَالَطَهُمْ هَلَكَ" . وَفِي رِوَايَةٍ: "سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ" ، وَفِي أُخْرَى: نَابَذَهُمْ، كَمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَفِي السَّنَدِ هَيَّاجُ بْنُ بِسْطَامٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنِ اعْتَزَلَهُمْ سَلِمَ مِنْ إِثْمِهِمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ عَذَابٍ إِنْ نَزَلَ بِهِمْ يَعُمُّهُ مَعَهُمْ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ عَذَابِ نِقْمَةٍ إِنْ يَنْزِلْ (لِتَرْكِهِ الْمُنَابَذَةَ وَالْمُنَازَعَةَ) وَالْمُجَافَاةَ، (فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَظْلِمُونَ) النَّاسَ، (وَيَكْذِبُونَ) فِي قَوْلِهِمْ، (فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ) هُوَ (مِنِّي وَلَسْتُ) أَنَا (مِنْهُ، وَلَمْ يَرِدْ عَلَى الْحَوْضِ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ" . قَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْزَةَ اهـ . قُلْتُ: وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَفْظُهُمْ جَمِيعًا: "سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ" . وَالْبَاقِي سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّهُ فِي آخِرِهِ: "وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى الْحَوْضِ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى الْحَوْضِ" . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : "يَكُونُ أُمَرَاءُ تَغْشَاهُمْ غَوَاشٍ أَوْ حَوَاشٍ مِنَ النَّاسِ، يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَهُوَ مِنِّي بَرِيءٌ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ" . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : "سَتَكُونُ أُمَرَاءُ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَنْ يَرِدْ عَلَى الْحَوْضِ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَسَيَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ" . وَأَخْرَجَ الشِّيرَازِيُّ فِي الْأَلْقَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : "سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَغَشِيَ أَبْوَابَهُمْ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَا يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَلَمْ يَغْشَ أَبْوَابَهُمْ، فَهُوَ مِنِّي وَسَيَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ" . (وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَبْغَضُ الْقُرَّاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ" ) أَيْ: يَغْشَوْنَ أَبْوَابَهُمْ وَمَجَالِسَهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالْقُرَّاءِ الْعُلَمَاءُ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: إِنَّ أَبْغَضَ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية