الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الثَّالِثَةُ : حُسْنُ الْوَجْهِ فَذَلِكَ أَيْضًا مَطْلُوبٌ ; إِذْ بِهِ يَحْصُلُ التَّحَصُّنُ وَالطَّبْعُ لَا يَكْتَفِي بِالدَّمِيمَةِ غَالِبًا كَيْفَ وَالْغَالِبُ أَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ وَالْخَلْقِ لَا يَفْتَرِقَانِ . وَمَا نَقَلْنَاهُ مِنَ الْحَثِّ عَلَى الدِّينِ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكَحُ لِجَمَالِهَا لَيْسَ زَاجِرٌ عَنْ رِعَايَةِ الْجَمَالِ ، بَلْ هُوَ زَجْرٌ عَنِ النِّكَاحِ لِأَجْلِ الْجَمَالِ الْمَحْضِ مَعَ الْفَسَادِ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّ الْجَمَالَ وَحْدَهُ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ يَرْغَبُ فِي النِّكَاحِ وَيُهَوِّنُ أَمْرَ الدِّينِ وَيَدُلُّ عَلَى الِالْتِفَاتِ إِلَى مَعْنَى الْجَمَالِ : أَنَّ الْأُلْفَةَ وَالْمَوَدَّةَ تَحْصُلُ بِهِ غَالِبًا وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى مُرَاعَاةِ أَسْبَابِ الْأُلْفَةِ ، وَلِذَلِكَ اسْتُحِبَّ النَّظَرُ فَقَالَ : إِذَا أَوْقَعَ اللَّهُ فِي نَفْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ امْرَأَةٍ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا ، أَيْ : يُؤَلَّفُ بَيْنَهُمَا ، مِنْ وُقُوعِ الْأَدَمَةِ عَلَى الْأَدَمَةِ ، وَهِيَ الْجِلْدَةُ الْبَاطِنَةُ . وَالْبَشَرَةُ الْجِلْدَةُ الظَّاهِرَةُ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ; لِلْمُبَالَغَةِ فِي الِائْتِلَافِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْهُنَّ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِنَّ . قِيلَ : كَانَ فِي أَعْيُنِهِنَّ عَمَشٌ . وَقِيلَ : صِغَرٌ وَكَانَ بَعْضُ الْوَرِعِينَ لَا يَنْكِحُونَ كَرَائِمَهُمْ إِلَّا بَعْدَ النَّظَرِ احْتِرَازًا مِنَ الْغُرُورِ . قَالَ الْأَعْمَشُ كُلُّ تَزْوِيجٍ يَقَعُ عَلَى غَيْرِ نَظَرٍ فَآخِرُهُ هَمٌّ وَغَمٌّ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّظَرَ لَا يَعْرِفُ الْخُلُقَ وَالدِّينَ وَالْمَالَ وَإِنَّمَا يَعْرِفُ الْجَمَالَ مِنَ الْقُبْحِ . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ قَدْ خَضَّبَ فَنَصَلَ خِضَابُهُ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَرْأَةِ إِلَى عُمَرَ وَقَالُوا : حَسِبْنَاهُ شَابًّا فَأَوْجَعَهُعُمَرُ ضَرَبَا وَقَالَ : غَرَرْتَ الْقَوْمَ وَرُوِيَ : أَنَّ بِلَالًا وَصُهَيْبًا أَتَيَا أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ فَخَطَبَا إِلَيْهِمْ فَقِيلَ لَهُمَا : مَنْ أَنْتُمَا ؟ فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا بِلَالٌ ، وَهَذَا أَخِي صُهَيْبٌ ، كُنَّا ضَالِّينَ فَهَدَانَا اللَّهُ وَكُنَّا مَمْلُوكَيْنِ فَأَعْتَقَنَا اللَّهُ وَكُنَّا عَائِلَيْنِ فَأَغْنَانَا اللَّهُ ، فَإِنْ تُزَوِّجُونَا فَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَإِنْ تَرُدُّونَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ ، فَقَالُوا : بَلْ تُزَوَّجَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . فَقَالَ صُهَيْبٌ لَوْ ذَكْرَتْ مُشَاهِدَنَا وَسَوَابِقَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اسْكُتْ فَقَدْ صَدَقْتَ فَأَنْكَحَكَ الصِّدْقُ . وَالْغُرُورُ يَقَعُ فِي الْجِمَالِ وَالْخُلُقِ جَمِيعًا ، فَيُسْتَحَبُّ إِزَالَةُ الْغُرُورِ فِي الْجَمَالِ بِالنَّظَرِ وَفِي الْخُلُقِ بِالْوَصْفِ وَالِاسْتِيصَافِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ ذَلِكَ عَلَى النِّكَاحِ وَلَا يَسْتَوْصِفَ فِي أَخْلَاقِهَا وَجِمَالِهَا إِلَّا مَنْ هُوَ بَصِيرٌ صَادِقٌ خَبِيرٌ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَلَا يَمِيلُ إِلَيْهَا فَيُفْرِطُ فِي الثَّنَاءِ وَلَا يَحْسُدُهَا فَيُقَصِّرُ فَالطِّبَاعُ مَائِلَةٌ فِي مَبَادِي النِّكَاحِ وَوَصْفِ الْمَنْكُوحَاتِ إِلَى الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ ، وَقَلَّ مَنْ يَصْدُقُ فِيهِ وَيَقْتَصِدُ بَلِ الْخِدَاعُ وَالْإِغْرَاءُ أَغْلَبُ وَالِاحْتِيَاطُ فِيهِ مُهِمٌّ لِمَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ التَّشَوُّفَ إِلَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ . فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ مِنَ الزَّوْجَةِ مُجَرَّدَ السُّنَّةِ أَوِ الْوَلَدِ أَوْ تَدْبِيرِ ، الْمَنْزِلِ ، فَلَوْ رَغِبَ عَنِ الْجَمَالِ فَهُوَ إِلَى الزُّهْدِ أَقْرَبُ ; لِأَنَّهُ عَلَى الْجُمْلَةِ بَابٌ مِنَ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يُعِينُ عَلَى الدِّينِ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ . قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ الزُّهْدُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الْمَرْأَةِ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْعَجُوزَ إِيثَارًا لِلزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا . وَقَدْ كَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : يَتْرُكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَزَوَّجَ يَتِيمَةً فَيُؤْجَرُ فِيهَا إِنْ أَطْعَمَهَا وَكَسَاهَا تَكُونُ خَفِيفَةَ الْمُؤْنَةِ تَرْضَى بِالْيَسِيرِ وَيَتَزَوَّجُ بِنْتَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ ، يَعْنِي : أَبْنَاءَ الدُّنْيَا ، فَتَشْتَهِي عَلَيْهِ الشَّهَوَاتِ ، وَتَقُولُ اكْسُنِي كَذَا وَكَذَا وَاخْتَارَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : عَوْرَاءَ عَلَى أُخْتِهَا ، وَكَانَتْ أُخْتُهَا جَمِيلَةً فَسَأَلَ مَنْ أَعْقَلُهُمَا ؟ فَقِيلَ : الْعَوْرَاءُ ، فَقَالَ : زَوِّجُونِي إِيَّاهَا فَهَذَا دَأَبُ مَنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّمَتُّعَ فَأَمَّا مَنْ لَا يَأْمَنْ عَلَى دِينِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُسْتَمْتِعٌ فَلْيَطْلُبِ الْجَمَالَ فَالتَّلَذُّذُ بِالْمُبَاحِ حِصْنٌ لِلدِّينِ . وَقَدْ قِيلَ : إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَسْنَاءَ خَيِّرَةً ، الْأَخْلَاقِ سَوْدَاءَ الْحَدَقَةِ وَالشَّعْرِ كَبِيرَةَ الْعَيْنِ شَدِيدَةً بَيْضَاءَ اللَّوْنِ مُحِبَّةً لِزَوْجِهَا قَاصِرَةَ الطَّرْفِ عَلَيْهِ ، فَهِيَ عَلَى صُورَةِ الْحُورِ الْعِينِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ نِسَاءَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي قَوْلِهِ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ، أَرَادَ بِالْخَيْرَاتِ : حَسَنَاتِ الْأَخْلَاقِ وَفِي قَوْلِهِ : قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ وَفِي قَوْلِهِ : عُرُبًا أَتْرَابًا الْعَرُوبُ هِيَ : الْعَاشِقَةُ لِزَوْجِهَا الْمُشْتَهِيَةُ لِلْوِقَاعِ ، وَبِهِ تَتِمُّ اللَّذَّةُ وَالْحَوَرُ الْبَيَاضُ ، وَالْحَوْرَاءُ : شَدِيدَةُ بَيَاضِ الْعَيْنِ ، شَدِيدَةُ سَوَادِهَا فِي سَوَادِ الشَّعْرِ ، وَالْعَيْنَاءُ الْوَاسِعَةُ : الْعَيْنِ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ نِسَائِكُمُ مَنْ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا زَوْجُهَا سَرَّتْهُ ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ . وَإِنَّمَا يُسَرُّ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا إِذَا كَانَتْ مُحِبَّةً لِلزَّوْجِ . إتحاف السادة المتقين (الثَّالِثَةُ: حُسْنُ الْوَجْهِ) وَإِنَّمَا خَصَّ الْوَجْهَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْبَدَنِ; لِمَا أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَقَعُ الْبَصَرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ حُسْنَ الْوَجْهِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، بِأَنْ تَكُونَ أَجْلَى الْجَبْهَةَ، جَمِيلَةَ الْعَيْنَيْنِ، مَلِيحَةَ الْأَنْفِ، بَرَّاقَةَ الثَّنَايَا، حَمْرَاءَ الشَّفَتَيْنِ، صَغِيرَةَ الْفَمِ، نَقِيَّةَ الْخَدَّيْنِ، أَسِيلَتَهُمَا، كَثِيرَةَ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ، غَيْرَ مَقْرُونَيْنِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ، (فَذَلِكَ أَيْضًا مَطْلُوبٌ; إِذْ بِهِ يَحْصُلُ التَّحْصِينُ) لِلْفَرَجِ، وَالْقَنَاعَةُ لِلنَّفْسِ، (وَالطَّبْعُ) الْبِشْرِيَّ (لَا يَكْتَفِي بِالدَّمِيمَةِ غَالِبًا) وَالدَّمِيمَةُ، بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: هِيَ الْقَبِيحَةُ، وَالْحَقِيرَةُ، (كَيْفَ وَالْغَالِبُ أَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ وَالْخَلْقِ لَا يَفْتَرِقَانِ) ؟! فَمَا حَسَّنَ اللَّهُ خَلْقَ أَحَدٍ إِلَّا وَحَسَّنَ خُلُقَهُ، وَبِالْعَكْسِ، كَمَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْفِرَاسَةِ . (وَمَا نَقَلْنَاهُ مِنَ الْحَثِّ عَلَى) ذَاتِ الدِّينِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكَحُ لِجِمَالِهَا، وَلَا لِمَالِهَا، (لَيْسَ زَجْرًا عَنْ رِعَايَةِ الْجَمَالِ، بَلْ هُوَ زَجْرٌ عَنِ النِّكَاحِ لِأَجْلِ الْجَمَالِ الْمَحْضِ) لِلْفَرْجِ، (مَعَ الْفَسَادِ فِي الدِّينِ، فَإِنَّ الْجَمَالَ وَحْدَهُ) إِذَا كَانَ النَّظَرُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ (فِي غَالِبِ الْأَمْرِ يَرْغَبُ فِي النِّكَاحِ وَيُوهِنُ فِي أَمْرِ الدِّينِ) ، وَأَمَّا إِذَا اجْتَمَعَ الْجَمَالُ مَعَ الدِّينِ فَهُوَ الزُّبْدُ بِالنِّرْسِيَانِ، (وَيَدُلُّ عَلَى الِالْتِفَاتِ إِلَى مَعْنَى الْجَمَالِ: أَنَّ الْأُلْفَةَ وَالْمَوَدَّةَ تَحْصُلُ بِهِ غَالِبًا) . وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ: أَنَّ الْعَقْدَ إِذَا كَانَ رَغْبَةً فِي الْجَمَالِ فَهُوَ أَدْوَمُ أُلْفَةً مِنَ الْمَالِ; لِأَنَّ الْجَمَالَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ، وَالْمَالُ صِفَةٌ زَائِلَةٌ، فَإِنْ سَلِمَ الْجَمَالُ مِنَ الْإِدْلَالِ الْمُفْضِي إِلَى الْمَالِ دَامَتِ الْأُلْفَةُ، وَاسْتَحْكَمَتِ الْوَصْلَةُ، (وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى مُرَاعَاةِ أَسْبَابِ الْأُلْفَةِ، وَلِذَلِكَ اسْتُحِبَّ النَّظَرُ) قَبْلَ الْعَقْدِ، (فَقَالَ: إِذَا أَوْقَعَ اللَّهُ فِي نَفْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ امْرَأَةٍ) أَيْ: مَالَتْ نَفْسُهُ إِلَى التَّزَوُّجِ بِهَا، (فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهَا) أَيْ: إِلَى وَجْهِهَا، (فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا، أَيْ: يُؤَلَّفُ بَيْنَهُمَا، مِنْ وُقُوعِ الْأَدَمَةِ عَلَى الْأَدَمَةِ، وَهِيَ) أَيِ: الْأَدَمَةُ: (الْجِلْدَةُ الْبَاطِنَةُ، وَالْبَشَرَةُ) مُحَرَّكَةً: (الْجِلْدَةُ الظَّاهِرَةُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ; لِلْمُبَالَغَةِ فِي الِائْتِلَافِ) ، وَلَفْظُ الْقُوتِ: مَعْنَى يُؤْدَمُ: وُقُوعُ الْأَدَمَةِ عَلَى الْأَدَمَةِ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْبَشَرَةِ; لِأَنَّ الْبَشَرَةَ ظَاهِرُ الْجِلْدِ، وَالْأَدَمَةُ بَاطِنَةٌ، هَذَا جَاءَ فِي الْمُبَالَغَةِ عَلَى ضَرْبِ الْمَثَلِ، اهـ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، دُونَ قَوْلِهِ: فَإِنَّهُ أَحْرَى، وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا. اهـ . وَأَوْرَدَ صَاحِبُ الْقُوتِ قَبْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مَا نَصُّهُ: وَإِنْ نَظَرَ إِلَى وَجْهِهَا مِثْلُ التَّزْوِيجِ أَوْ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنْهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَقَدْ رُوِّينَا جَوَازَ ذَلِكَ عَنِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا قَالَ: الْوَجْهُ وَالْكَفَّيْنِ . وَفِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ مَأْثُورَةٌ، مِنْهَا: حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، قَالَ: رَأَيْتُهُ يَتَطَارَدُ بِنَظَرِهِ فَتَاةً مِنَ الْحَيِّ، حَتَّى تَوَارَتْ فِي النَّخْلِ، فَقُلْنَا: لِمَ تَفْعَلُ هَذَا وَأَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، فَقَالَ: إِذَا أَوْقَعَ اللَّهُ فِي قَلْبِ أَحَدِكُمْ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهَا مِنْهَا مَا يَدْعُوهُ إِلَيْهَا. اهـ. (وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْهُنَّ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِنَّ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، اهـ. زَادَ صَاحِبُ الْقُوتِ: وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: فَلْيُلِظَّ بَصَرَهُ، (قِيلَ: كَانَ فِي أَعْيُنِهِنَّ عَمَشٌ) مُحَرَّكٌ، وَهُوَ: سَيَلَانُ الدَّمْعِ مِنَ الْعَيْنِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ مَعَ ضَعْفِ الْبَصَرِ، رَجُلٌ أَعْمَشٌ، وَامْرَأَةٌ عَمْشَاءُ، وَمِنَ الْمُجَرَّبَاتِ أَنَّ الْعَمْشَاءَ تَكُونُ رَابِيَةَ الْفَرْجِ، وَفِي جِمَاعِهَا لَذَّةٌ، (وَقِيلَ: صِغَرٌ) وَكُلُّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: شَيْئًا، بِالْهَمْزِ، وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ هَذَا الْكِتَابِ شَيْنًا، بِالنُّونِ بَدَلَ الْهَمْزِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْنَى صَحِيحًا (وَ) قَدْ (كَانَ بَعْضُ الْوَرِعِينَ) مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ (لَا يَنْكِحُونَ) ، أَيْ: لَا يُزَوِّجُونَ (كَرَائِمَهُمْ) ، جَمْعُ كَرِيمَةٍ، وَهِيَ الِابْنَةُ، وَصَارَ فِي الْعُرْفِ إِطْلَاقُهَا عَلَى الْأُخْتِ خَاصَّةً، (إِلَّا بَعْدَ النَّظَرِ) إِلَيْهِنَّ مِنَ الْخُطَّابِ، (احْتِزَازًا مِنَ الْغُرُورِ) أَيِ: الْوُقُوعِ فِيهِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ، وَلَفْظُهُ: خَشْيَةُ الْغُرُورِ بِهِنَّ . (وَقَالَ) أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ (الْأَعْمَشُ) -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: (كُلُّ تَزْوِيجٍ يَقَعُ عَلَى غَيْرِ نَظَرٍ) أَيْ: إِلَى الْمَخْطُوبَةِ (فَآخِرُهُ هَمٌّ وَغَمٌّ) نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ . ( وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّظَرَ) الْمُجَرَّدَ إِلَى وَجْهِ الْمَخْطُوبَةِ، (لَا يُعْرَفُ الْخُلُقُ وَالدِّينُ) مِنْهَا، (وَإِنَّمَا يَعْرَفُ الْجَمَالُ وَالْقُبْحُ) ; لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ يَقَعُ عَلَيْهِمَا الْبَصَرُ . (وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- (وَكَانَ قَدْ خَضَّبَ) شَعْرَهُ لَمَّا جَاءَ خَاطِبًا، (فَنَصَلَ خِضَابُهُ) بَعْدَ أَنْ دَخَلَ بِأَيَّامٍ، أَيْ: خَرَجَ وَانْفَصَلَ، (فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَرْأَةِ إِلَى عُمَرَ) ، وَالِاسْتِعْدَاءُ: طَلَبُ التَّقْوِيَةِ وَالنُّصْرَةِ، (وَقَالُوا: حَسِبْنَاهُ شَابًّا) أَيْ: فَظَهَرَ خِلَافُهُ، فَكَأَنَّهُمُ ادَّعَوْا أَنَّهُ غَرَّهُمْ بِخِضَابِ الشَّعْرِ، (فَأَوْجَعَهُ عُمَرُ ضَرَبَا) ; لِأَجْلِ التَّأْدِيبِ، (وَقَالَ: غَرَرْتَ الْقَوْمَ) بِخِضَابِكَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا . (وَرُوِيَ: أَنَّ بِلَالًا وَصُهَيْبًا) -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- (أَتَيَا أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ) ، أَيْ: قَبِيلَةٍ مِنْهُمْ، (فَخَطَبَا إِلَيْهِمْ) كَرَائِمَهُمْ، (فَقِيلَ لَهُمَا: مَنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ بِلَالٌ: أَنَا بِلَالٌ، وَهَذَا أَخِي صُهَيْبٌ، كُنَّا ضَالِّينَ فَهَدَانَا اللَّهُ) إِلَى الْحَقِّ، (وَكُنَّا مَمْلُوكَيْنِ فَأَعْتَقَنَا اللَّهُ) ، وَقِصَّةُ رِقِّهِمَا وَعِتْقِهِمَا مَشْهُورَةٌ، (وَكُنَّا عَائِلَيْنِ) ، أَيْ: فَقِيرَيْنِ، (فَأَغْنَانَا اللَّهُ، فَإِنْ تُزَوِّجُونَا فَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِنْ تَرُدُّونَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَالُوا: بَلْ تُزَوَّجَانِ) ، أَيْ: أُجِبْتُمَا إِلَى مَطْلُوبِكُمَا، (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ صُهَيْبٌ لِبِلَالٍ: لَوْ ذَكْرَتْ مُشَاهِدَنَا وَسَوَابِقَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) يَعْنِي: سَبْقَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَصَبْرَهُمْ عَلَى التَّعْذِيبِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَحُضُورَهُمْ فِي مَغَازِيهِ بَيْنَ يَدَيْهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَا أَبْلَوْا فِيهَا بَلَاءً حَسَنًا، (فَقَالَ: اسْكُتْ فَقَدْ صَدَقْتَ) فِيمَا قُلْتَ (فَأَنْكَحَكَ الصِّدْقُ) ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَغُرَّهُمْ بِأَوْصَافٍ يَكُونُ فِي ذِكْرِهَا رِفْعَةُ الشَّأْنِ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي نَفْسِهِ، (وَالْغُرُورُ يَقَعُ فِي الْجِمَالِ وَالْخُلُقِ جَمِيعًا، فَيُسْتَحَبُّ إِزَالَةُ الْغُرُورِ فِي الْجَمَالِ بِالنَّظَرِ) الظَّاهِرِ، (وَفِي الْخُلُقِ بِالْوَصْفِ) اللِّسَانِيِّ، (وَالِاسْتِيصَافِ) أَيْ: طَلَبِ الْوَصْفِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَخْطُوبَةِ، (فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ ذَلِكَ عَلَى) عَقْدِ (النِّكَاحِ) ; لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ تَامَّةٍ، (وَلَا يَسْتَوْصِفَ فِي أَخْلَاقِهَا) الْبَاطِنَةِ، (وَجِمَالِهَا) الصُّورِيِّ (إِلَّا مَنْ هُوَ بَصِيرٌ) أَيْ: صَاحِبُ بَصِيرَةٍ، يَنْظُرُ بِعَيْنِ الْبَاطِنِ، (صَادِقٌ) فِي أَخْبَارِهِ، (خَبِيرٌ) ، أَيْ: لَهُ خِبْرَةٌ (بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ) ، غَيْرُ مُعْرِضٍ لِلطَّرَفَيْنِ، (لَا يَمِيلُ إِلَيْهَا) مَيْلًا كُلِّيًّا، (فَيُفْرِطُ فِي الثَّنَاءِ) عَلَى حُسْنِهَا وَخُلُقِهَا إِفْرَاطًا، (وَلَا يَحْسُدُهَا) أَيْ: يَحْفَظُ نَفْسَهُ مِنْ مُخَالَطَةِ الْحَسَدِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، (فَيُقَصِّرُ) فِي وَصْفِ مَحَاسِنِهَا، (فَالطِّبَاعُ مَائِلَةٌ) عَلَى الْأَغْلَبِ (فِي مَبَادِئِ النِّكَاحِ وَوَصْفِ الْمَنْكُوحَاتِ إِلَى الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، وَقَلَّ مَنْ يَصْدُقُ) فِي مَقَالِهِ، (وَيَقْتَصِدُ) فِي وَصْفِهِ، (بَلِ الْخِدَاعُ) وَالْحِيلَةُ، (وَالْإِغْرَاءُ) وَالتَّحْرِيشُ (أَغْلَبُ) عَلَيْهِمْ، (فَالِاحْتِيَاطُ فِيهِمْ مُهِمٌّ) ، أَيْ: مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ، (لِمَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ التَّشَوُّفَ) ، أَيِ: التَّطَلُّعَ (إِلَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ، فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ مِنَ الزَّوْجَةِ مُجَرَّدَ) إِقَامَةِ (السُّنَّةِ) فِي نِكَاحِهَا، (وَالْوَلَدِ، وَتَدْبِيرِ الْمَنْزِلِ، فَلَوْ رَغِبَ عَنِ الْجَمَالِ) ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ، (فَهُوَ إِلَى الزُّهْدِ أَقْرَبُ; لِأَنَّهُ عَلَى الْجُمْلَةِ بَابٌ مِنَ الدُّنْيَا) أَيِ: الرَّغْبَةُ فِي الْجَمَالِ، (وَإِنْ كَانَ يُعِينُ عَلَى الدِّينِ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ) فَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، فَتَرْكُ النَّظَرِ إِلَيْهِ نَوْعٌ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا . (قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ) -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: (الزُّهْدُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الْمَرْأَةِ) ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ: (يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْعَجُوزَ) أَيِ: الْمَرْأَةَ الْمُسِنَّةَ، وَنَقَلَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَيْضًا: عَجُوزَهُ بِالْهَاءِ، لِتَحْقِيقِ التَّأْنِيثِ، (إِيثَارًا لِلزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا) وَلَفْظُ الْقُوتِ: وَالرَّغْبَةُ فِي الْمَرْأَةِ النَّاقِصَةِ الْخُلُقِ، الدِّنِيَّةِ الصُّورَةِ، الْكَبِيرَةِ السِّنِّ، بَابٌ مِنَ الزُّهْدِ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: الزُّهْدُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي تَزْوِيجِ النِّسَاءِ، يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْعَجُوزَ، أَوْ غَيْرَ ذَاتِ الْهَيْئَةِ، إِيثَارًا لِلزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: (وَقَدْ كَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ) الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (يَقُولُ: يَتْرُكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَزَوَّجَ يَتِيمَةً فَقِيرَةً) فَيُؤْجَرَ فِيهَا، (أَنْ أَطْعَمَهَا وَكَسَاهَا) تَكُونُ خَفِيفَةً تَرْضَى بِالْيَسِيرِ، (وَيَتَزَوَّجُ بِنْتَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، يَعْنِي: أَبْنَاءَ الدُّنْيَا، فَتَشْتَهِي عَلَيْهِ الشَّهَوَاتِ، وَتَقُولُ) لَهُ: (اكْسُنِي ثَوْبَ كَذَا وَكَذَا) ، وَاشْتَرِ لِي مَطْرَحَ حَرِيرٍ، فَيَتَمَرَّطُ دِينُهُ، هَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ . (وَ) قَدْ (اخْتَارَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:) امْرَأَةً (عَوْرَاءَ) ، هِيَ: الَّتِي أَصَابَ إِحْدَى عَيْنَيْهَا نَقْصٌ (عَلَى أُخْتِهَا، وَكَانَتْ أُخْتُهَا جَمِيلَةً) الصُّورَةِ، (فَسَأَلَ مَنْ أَعْقَلُهُمَا؟ فَقِيلَ: الْعَوْرَاءُ، فَقَالَ: زَوِّجُونِي إِيَّاهَا) نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ، (فَهَذَا دَأَبُ مَنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّمَتُّعَ فِي) نِكَاحِهِ، (فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى دِينِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُتَمَتِّعٌ فَلْيَطْلُبِ الْجَمَالَ) قَصْدًا لِلصِّيَانَةِ، (فَالتَّلَذُّذُ بِالْمُبَاحِ حِصْنٌ لِلدِّينِ) ، وَإِرْغَامٌ لِلشَّيْطَانِ، (وَقَدْ قِيلَ: إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَسْنَاءَ، جَيِّدَةَ الْأَخْلَاقِ) ، وَلَفْظُ الْقُوتِ: حَسَنَةَ الْوَجْهِ، خَيِّرَةَ الْأَخْلَاقِ، (سَوْدَاءَ الْحَدَقَةِ) ، أَيْ: حَدَقَةِ الْعَيْنِ، (وَالشَّعْرِ) ، أَيْ: سَوْدَاءَ الشَّعْرِ، وَسَوَادُ الشَّعْرِ مِنْهَا مِنْ جُمْلَةِ أَرْكَانِ الْجَمَالِ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْدَحُ زُرْقَةَ الْعَيْنِ، وَاحْمِرَارِ الشَّعْرِ، (كَبِيرَةَ الْعَيْنِ) أَيْ: وَاسِعَتَهَا، (بَيْضَاءَ اللَّوْنِ) ، مُخْتَلِطًا بِحُمْرَةٍ، أَوْ أَدَمَةٌ قَلِيلَةٌ، لِيَخْرُجَ مِنْهُ الْبَيَاضُ الْمُفْرِطُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَحْمُودٍ، (مُحِبَّةً لِزَوْجِهَا) لَا تَمِيلُ إِلَى غَيْرِهِ، (قَاصِرَةَ الطَّرْفِ عَلَيْهِ، فَهِيَ عَلَى صُورَةِ الْحُورِ الْعِينِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ نِسَاءَ) أَهْلِ (الْجَنَّةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي قَوْلِهِ) : ( فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ، أَرَادَ بِالْخَيْرَاتِ: حَسَنَاتِ الْأَخْلَاقِ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: حُسْنَ الْخُلُقِ، وَلَفْظُ الْقُوتِ: قِيلَ خَيِّرَاتُ الْأَخْلَاقِ، حِسَانُ الْوُجُوهِ، (وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ) وَهَذَا مِنْ تَمَامِ وَصْفِهِنَّ، أَيْ: قَدْ قَصَرَتْ طَرْفَهَا عَلَى زَوْجِهَا وَحْدَهُ، وَلَيْسَتْ تَنْظُرُ إِلَى غَيْرِهِ، (وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عُرُبًا أَتْرَابًا ) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ، (الْعَرْبَاءُ) ، وَالْعَرِبَةُ، وَالْعَرُوبَةُ، (هِيَ: الْعَاشِقَةُ لِزَوْجِهَا) وَقِيلَ هِيَ: (الْمُشْتَهِيَةُ لِلْوِقَاعِ، وَبِهِ) أَيْ: بِاشْتِهَاءِ الْوِقَاعِ (تَتِمُّ اللَّذَّةُ) فِيهِ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُحِبَّةً لِزَوْجِهَا، وَلَا مُشْتَهِيَةً لِإِفْضَائِهِ إِلَيْهَا، نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ لَذَّتِهِ; فَلِذَلِكَ وَصَفَ نِسَاءَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِالْعَرَابَةِ، يُقَالُ: رَجُلٌ يَعْشَقُ، وَامْرَأَةٌ عَرِبَةٌ، يُوصَفَانِ بِشَهْوَةِ الْجِمَاعِ، كَيْفَ وَقَدْ وَرَدَ: خَيْرُ نِسَائِكُمِ الْغَلِمَةُ عَلَى زَوْجِهَا. وَقَالَ الْحُكَمَاءُ: ثَلَاثٌ مِنَ اللَّذَّاتِ لَا يُؤْبَهُ لَهُنَّ: الْمَشْيُ فِي الصَّيْفِ بِلَا سَرَاوِيلَ، وَالتَّبَرُّزُ عَلَى الشَّطِّ، وَمُجَامَعَةُ الزُّنُوجِ، يَعْنِي: الْمُشْتَهِيَةَ لِلْجِمَاعِ، (وَالْحَوَرُ) مُحَرَّكَةٌ: (الْبَيَاضُ، وَالْحَوْرَاءُ: شَدِيدَةُ بَيَاضِ الْعَيْنِ، شَدِيدَةُ سَوَادِهَا فِي سَوَادِ الشَّعْرِ، وَالْعَيْنَاءُ: وَاسِعَةُ الْعَيْنِ) ، وَجَمْعُ الْحَوْرَاءِ: حُورٌ، وَجَمْعُ الْعَيْنَاءِ: عِينٌ، وَكِلَاهُمَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى بَيَاضِ اللَّوْنِ فِي تَشْبِيهِهِنَّ بِاللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . (وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خَيْرُ نِسَائِكُمُ الَّتِي إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا زَوْجُهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ) . كَذَا فِي الْقُوتِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَقَالَ: وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا، وَلَا مَالِهَا، وَعِنْدَ أَحْمَدَ: فِي نَفْسِهَا، وَمَالِهِ، وَلِأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، اهـ . قُلْتُ: لَفْظُ أَحْمَدَ: خَيْرُ النِّسَاءِ الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا مَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ، وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: خَيْرُ النِّسَاءِ مَنْ تَسُرُّكَ إِذَا أَبْصَرْتَ، وَتُطِيعُكَ إِذَا أَمَرْتَ، وَتَحْفَظُ غَيْبَتَكَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِكَ ، (وَإِنَّمَا يُسَرُّ بِالنَّظَرِ) إِلَيْهَا (إِذَا كَانَتْ مُحِبَّةً لِلزَّوْجِ) قَاصِرَةً نَظَرَهَا عَلَيْهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية