الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين أُمًّا الْخِصَالُ الْمُطَيِّبَةُ لِلْعَيْشِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا فِي الْمَرْأَةِ لِيَدُومَ الْعَقْدُ وَتَتَوَفَّرَ مَقَاصِدُهُ ثَمَانِيَةٌ : الدِّينُ وَالْخُلُقُ وَالْحُسْنُ وَخِفَّةُ الْمَهْرِ وَالْوِلَادَةُ وَالْبَكَارَةُ وَالنَّسَبُ وَأَنْ لَا تَكُونَ قَرَابَةٌ قَرِيبَةً . الْأُولَى : أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً ذَاتَ دِينٍ فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَبِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الِاعْتِنَاءُ فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةَ الدِّينِ فِي صِيَانَةِ نَفْسِهَا وَفَرْجِهَا أَزْرَتْ بِزَوْجِهَا وَسَوَّدَتْ بَيْنَ النَّاسِ وَجْهَهُ وَشَوَّشَتْ بِالْغَيْرَةِ قَلْبَهُ وَتُنَغِّصُ بِذَلِكَ عَيْشَهُ فَإِنْ سَلَكَ سَبِيلَ الْحِمْيَةِ وَالْغَيْرَةِ لَمْ يَزَلْ فِي بَلَاءٍ وَمِحْنَةٍ وَإِنْ سَلَكَ سَبِيلَ التَّسَاهُلِ كَانَ مُتَهَاوِنًا بِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْسُوبًا إِلَى قِلَّةِ الْحِمْيَةِ وَالْأَنَفَةِ وَإِذَا كَانَتْ مَعَ الْفَسَادِ جَمِيلَةَ كَانَ بَلَاؤُهَا أَشَدَّ إِذْ يَشُقُّ عَلَى الزَّوْجِ مُفَارَقَتُهَا فَلَا يَصْبِرُ عَنْهَا وَلَا يَصْبِرُ عَلَيْهَا وَيَكُونُ كَالَّذِي جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ، لِي امْرَأَةٌ لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ قَالَ : " طَلِّقْهَا فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّهَا قَالَ : " أَمْسِكْهَا . وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِهَا خَوْفًا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا أَتْبَعَهَا نَفْسَهُ وَفَسَدَ هُوَ أَيْضًا مَعَهَا فَرَأَى مَا فِي دَوَامِ نِكَاحِهِ مِنْ دَفْعِ الْفَسَادِ عَنْهُ مِنْ ضِيقِ قَلْبِهِ أَوْلَى وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةَ الدِّينِ بِاسْتِهْلَاكِ مَالِهِ أَوْ بِوَجْهٍ آخَرَ لَمْ يَزَلِ الْعَيْشُ مُشَوَّشًا مَعَهُ . فَإِنْ سَكَتَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ كَانَ شَرِيكًا فِي الْمَعْصِيَةِ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا : وَإِنْ أَنْكَرَ وَخَاصَمَ تَنَغَّصَ الْعُمْرُ وَلِهَذَا بَالَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّحْرِيضِ عَلَى ذَاتِ الدِّينِ فَقَالَ : تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا وَجَمَالِهَا وَحَسَبِهَا وَدِينِهَا فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ . إتحاف السادة المتقين ( وَأَمَّا الْخِصَالُ الْمُطَيِّبَةُ لِلْعَيْشِ) بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ( الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا فِي الْمَرْأَةِ لِيَدُومَ الْعَقْدُ وَتَتَوَفَّرَ مَقَاصِدُهُ ثَمَانِيَةٌ:) الْأُولَى: ( الدِّينُ وَ) الثَّانِيَةُ: ( الْخُلُقُ) الْحَسَنُ ( وَ) الثَّالِثَةُ: ( الْحُسْنُ) وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْجَمَالِ، ( وَ) الرَّابِعَةُ: ( خِفَّةُ الْمَهْرِ) بِأَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى بَيْنَهُمَا خَفِيفًا ، ( وَ) الْخَامِسَةُ: ( الْوِلَادَةُ) بِأَنْ تَكُونَ كَثِيرَةَ الْوِلَادَةِ غَيْرَ عَاقِرٍ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِي الْبِكْرِ بِأَقَارِبِهَا ، ( وَ) السَّادِسَةُ: ( الْبِكَارَةُ) بِأَنْ لَا تَكُونُ ثَيِّبًا، ( وَ) السَّابِعَةُ ( النَّسَبُ) أَيْ: يَكُونُ انْتِمَاؤُهَا إِلَى أَصْلٍ شَرِيفٍ، ( وَ) الثَّامِنَةُ ( أَنْ لَا تَكُونَ قَرَابَةٌ قَرِيبَةً) فَإِنَّهَا تُضْوِي ، وَقَدْ فَصَّلَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْخِصَالَ فَقَالَ: ( الْأُولَى: أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً) أَيْ: ( ذَاتَ) صَلَاحٍ وَ ( دِينٍ) وَالصَّلَاحُ ضِدُّ الْفَسَادِ ، وَيَخْتَصَّانِ فِي أَكْثَرِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْأَفْعَالِ، ( فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ) فِي الْخَصَائِلِ ، ( وَبِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الِاعْتِنَاءُ) أَيْ: الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِهِ، ( فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةَ الدِّينِ) لَا تَهْتَمُّ ( فِي صِيَانَةِ نَفْسِهَا) عَنِ الْخَسَائِسِ ( وَفَرْجِهَا) عَنِ الْمَحَارِمِ أَزْرَتْ ( بِزَوْجِهَا) أَيْ: فَضَحَتْهُ ( وَسَوَّدَتْ وَجْهَهُ بَيْنَ النَّاسِ) بِهَتْكِ عِرْضِهِ ( وَتُشَوِّشُ بِالْغَيْرَةِ قَلَبَهُ وَتُنَغِّصُ بِذَلِكَ عَيْشَهُ) فَلَا يَتَهَنَّى فِي أَحْوَالِهِ قَطُّ ، ( فَإِنْ سَلَكَ) مَعَهَا ( سَبِيلَ الْحِمْيَةِ) الدِّينِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ الْإِيمَانِيَّةِ ( وَالْغَيْرَةِ) الْإِنْسَانِيَّةِ ( لَمْ يَزَلْ) مَعَهَا ( فِي بَلَاءٍ) لَا يَبِيدُ ( وَمِحْنَةٍ) تَزِيدُ، ( وَإِنْ سَلَكَ سَبِيلَ التَّسَاهُلِ) وَالتَّغَافُلِ ( كَانَ مُتَهَاوِنًا بِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْسُوبًا إِلَى قِلَّةِ الْحِمْيَةِ) ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ النَّاسِ ، ( وَإِذَا كَانَتْ مَعَ) هَذَا ( الْفَسَادِ) وَالْخُبْثِ الْمُنْطَوِي ( جَمِيلَةَ الصُّورَةِ) حَسَنَةَ الْخِلْقَةِ ( كَانَ بَلَاؤُهَا أَشَدَّ) وَفِتْنَتُهَا عَمْيَاءَ وَدَاهِيَتُهَا صَمَّاءَ ( إِذْ يَشُقُّ عَلَى الزَّوْجِ مُفَارَقَتُهَا) نَظَرًا إِلَى جَمَالِهَا، ( فَلَا يَصْبِرُ عَنْهَا وَلَا يَصْبِرُ عَلَيْهَا) ، فَهُوَ إِذًا فِي نَارَيْنِ مُبْتَلًى بِبَلَاءَيْنِ ( وَيَكُونُ كَالَّذِي جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لِي امْرَأَةٌ لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ) أَيْ: لَا تَمْنَعُ مِنْهُ، وَاللَّمْسُ أَعَمُّ مِنَ الْغَمْزِ ( قَالَ: " طَلِّقْهَا") أَيْ: فَارِقْهَا بِالطَّلَاقِ ( قَالَ: أُحِبُّهَا) أَيْ: لِجَمَالِهَا ( قَالَ: " أَمْسِكْهَا ") قَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِثَابِتٍ وَالْمُرْسَلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، وَقَالَ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، ( وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِهَا خَوْفًا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا اتَّبَعَهَا) لِمَيْلِ قَلْبِهُ إِلَيْهَا، ( وَفَسَدَ هُوَ أَيْضًا مَعَهَا) فَيَسْرِي فَسَادُهَا إِلَى فَسَادِ حَالِهِ فَيَقَعُ فِي بَلِيَّةٍ أَشَدَّ مِنَ الْأُولَى ، ( فَرَأَى مَا فِي دَوَامِ نِكَاحِهِ مِنْ دَفْعِ الْفَسَادِ عَنْهُ مَعَ ضِيقِ قَلْبِهِ أَوْلَى) وَأَقَلُّ ضَرَرًا، ( وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةَ الدِّينِ بِاسْتِهْلَاكِ مَالِهِ) بِأَنْ تَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهِ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهَا فِيهِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ ( أَوْ بِوَجْهٍ آخَرَ) مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ ( لَمْ يَزَلِ الْعَيْشُ مُشَوَّشًا مَعَهُ) وَمُكَدَّرًا ، ( فَإِنْ سَكَتَ) عَلَى ذَلِكَ ( وَلَمْ يُنْكِرْ) عَلَيْهَا فِي تِلْكَ الْحَرَكَاتِ ( كَانَ شَرِيكًا فِي الْمَعْصِيَةِ) أَيْ: مُشَارِكًا لَهَا فِيهَا ( وَمُخَالِفًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا أَيِ: اجْعَلُوا نُفُوسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ فِي وِقَايَةٍ مِنَ النَّارِ ، ( وَإِنْ أَنْكَرَ) عَلَيْهَا ( وَخَاصَمَ) مَعَهَا لَمْ تَرْتَدِعْ لِمَا جُبِلَتْ عَلَى فَسَادِ دِينِهَا ( وَتَنَغَّصَ الْعُمْرُ) وَذَهَبَ لَذِيذُ الْعَيْشِ ، ( وَلِهَذَا بَالَغَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ) أَيْ: لِأَجْلِ أَرْبَعٍ أَيْ: إِنَّهُمْ يُفْسِدُونَ عَادَةَ نِكَاحِهَا لِذَلِكَ ( لِمَالِهَا) قُدِّمَ فِي الذِّكْرِ لِتَشَوُّفِ أَكْثَرِ النُّفُوسِ فِي النِّكَاحِ إِلَى ذَلِكَ، ( وَجَمَالِهَا) أَيْ: حُسْنِهَا وَيَقَعُ عَلَى الصُّوَرِ وَالْمَعَانِي، ( وَحَسَبِهَا) مُحَرَّكَةٌ أَيْ شَرَفِهَا بِالْآبَاءِ وَالْأَقَارِبِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِسَابِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَفَاخَرُوا وَأَعَدُّوا مَنَاقِبَهُمْ وَمَآثِرَ آبَائِهِمْ وَحَسِبُوهَا فَيَحْكُمُ لِمَنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْحَسَبِ هُنَا أَفْعَالَهَا ( وَدِينِهَا) خَتَمَ بِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ: ( فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ) أَيِ: اخْتَرْهَا وَفُزْ بِهَا بَيْنَ سَائِرِ النِّسَاءِ وَلَا تَنْظُرْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ( تَرِبَتْ يَدَاكَ") أَيِ: افْتَقَرَتَا أَوْ لَصِقَتَا بِالتُّرَابِ مِنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تَأْتِي لِمَعَانٍ ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا دُعَاءً كَالْمُعَاتَبَةِ وَالْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ وَتَعْظِيمِ الْأَمْرِ وَالْحَثِّ عَلَى الشَّيْءِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. قَالَ الْعِرَاقِيُّ : مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . اهـ . قُلْتُ: وَرَوَاهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي النِّكَاحِ ، وَقَدْ عَدَّ جَمْعٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ ، ثُمَّ إِنْ سِيَاقَهُمْ جَمِيعًا " تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ " .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية