الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعِ الثَّانِي مَعَ الْإِمَامِ فَقَدْ فَاتَتْهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ . وَالتَّضَرُّعُ إِلَى اللَّهِ فِيهَا مَشْرُوعٌ كَتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ فِيهَا بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْقِيَامُ الثَّانِي أَقَلُّ، وَالثَّالِثُ دُونَهُ، وَالرَّابِعُ دُونَ الثَّالِثِ، وَهَكَذَا كُلَّمَا صَلَّى يُقَلِّلُ عَنِ الْقَدْرِ الَّذِي فِي الْقِيَامِ قَبْلَهُ، وَيَكُونُ رُكُوعُهُ عَلَى النَّحْوِ مِنْ قِيَامِهِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَالَمَ الْأَرْوَاحِ مَا يُتْعِبُهُمُ الْقِيَامُ، وَلَا يُدْرِكُهُمْ مَلَلٌ؛ لِأَنَّ النَّشْأَةَ نُورِيَّةٌ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ الْأَرْكَانِ، وَأَمَّا نَشْأَةٌ تَقُومُ مِنَ الْعَنَاصِرِ إِلَى الِاسْتِحَالَاتِ الْبَعِيدَةِ وَالْغَرِيبَةِ، فَيُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ بِالنَّصَبِ وَالتَّعَبِ، وَكُلَّمَا نَزَلَ فِيهَا مِنْ مَعْدِنٍ إِلَى نَبَاتٍ إِلَى حَيَوَانٍ إِلَى إِنْسَانٍ، كَانَ التَّعَبُ أَقْوَى فِي آخِرِ الدَّرَجَاتِ، وَهُوَ الْإِنْسَانُ، وَالنَّصَبُ أَعَمُّ؛ فَإِنَّهُ سَرِيعُ التَّغَيُّرِ فَإِنَّ لَهُ الْوَهْمَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوْهَامَ تَلْعَبُ بِالْعُقُولِ كَتَلَاعُبِ الْأَفْعَالِ بِالْأَسْمَاءِ، وَأَمَّا الِاعْتِبَارُ فِي وَقْتِهَا فَكَمَا لَا يَتَعَيَّنُ لِلْكُسُوفِ وَقْتٌ لَا يَتَعَيَّنُ لِلصَّلَاةِ لَهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَابِعَةٌ لِلْحَالِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ لَهَا، وَمَا خَصَّ وَقْتًا عَنْ وَقْتٍ، وَهِيَ صَلَاةٌ مَأْمُورٌ بِهَا بِخِلَافِ النَّافِلَةِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا، فَإِنْ حَمَلْنَا الصَّلَاةَ عَلَى الدُّعَاءِ دَعَوْنَا فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَصَلَّيْنَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَأَمَّا الِاعْتِبَارُ فِي خِطْبَتِهَا فَالْخُطْبَةُ وَعْظٌ وَذِكْرَى، وَالْآيَةُ وَعْظٌ وَذِكْرَى، وَالْكُسُوفُ آيَةٌ؛ فَوَقَعَتِ الْمُنَاسَبَةُ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ مَنْ يَقُولُ بِاشْتِرَاطِ الْخُطْبَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَّرَ النَّاسَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا كُسُوفُ الْقَمَرِ فَمِنْ قَائِلٍ يُصَلِّي لَهُ فِي جَمَاعَةٍ كَصَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَمِنْ قَائِلٍ لَا يُصَلِّي لَهُ فِي جَمَاعَةٍ، وَاسْتَحَبَّ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُ أَفْذَاذًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ لِمَا كَانَ كُسُوفُ الشَّمْسِ سَبَبُهُ الْقَمَرُ كَانَ كُسُوفُ الْقَمَرِ كَالْعُقُوبَةِ لَهُ لِكُسُوفِهِ لِلشَّمْسِ، فَتَضَمَّنَ كُسُوفُ الْقَمَرِ آيَتَيْنِ، فَكَانَتِ الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ لَهُ أَوْلَى؛ فَإِنَّ شَفَاعَةَ الْجَمَاعَةِ لَهَا حُرْمَةٌ أَكْثَرُ مِنْ حُرْمَةِ الْوَاحِدِ، فَالْجَمْعُ لَهَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ آكَدَ مِنَ الْجَمْعِ لِلشَّمْسِ، وَكُسُوفُ الْقَمَرِ نَفْسِيٌّ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالنَّفْسُ دَائِمًا هِيَ الْمُزَاحِمَةُ لِلرُّبُوبِيَّةِ بِخِلَافِ الْعَقْلِ، فَكَانَ ذَنَبُهَا أَعْظَمَ وَحَالُهَا أَخْطَرَ، فَاجْتِمَاعُ الشُّفَعَاءِ عِنْدَ الشَّفَاعَةِ أَوْلَى مِنْ إِتْيَانِهِمْ أَفْذَاذًا، وَمَنِ اعْتَبَرَ فِي الْكُسُوفَاتِ الْخُشُوعَ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كَانَ مُنَبِّهًا عَلَى الْخُشُوعِ لِلْمُصَلِّي؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ، وَقَالَ: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ يَعْنِي الصَّلَاةَ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ، وَخُشُوعُ كُلِّ خَاشِعٍ عَلَى قَدْرِ عِلْمِهِ بِرَبِّهِ، وَعِلْمُهُ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ تَجَلِّيهِ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية