الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين فَأَمَّا شُرُوطُ الْوُجُوبِ ، فَلَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ مُسْلِمٍ حُرٍّ مُقِيمٍ فِي قَرْيَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعِينَ جَامِعِينَ لِهَذِهِ الصِّفَاتِ . إتحاف السادة المتقين ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : (هَذِهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ) يُشِيرُ إِلَى مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا قَبْلَ بَيَانِ السُّنَنِ . (فَأَمَّا شُرُوطُ الْوُجُوبِ ، فَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ مُسْلِمٍ حُرٍّ مُقِيمٍ) ؛ أَيْ : فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ لِسِتَّةِ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا : الذُّكُورَةُ ، فَلَا جُمُعَةَ عَلَى امْرَأَةٍ ، وَلَا خُنْثَى ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ شَمِلَ الْمَرْأَةَ ، لَكِنْ خُصَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ . هَكَذَا قَرَّرَهُ أَصْحَابُنَا ، وَالثَّانِي : الْبُلُوغُ ، فَلَا جُمُعَةَ عَلَى صَبِيٍّ ، وَالثَّالِثُ : الْعَقْلُ ، فَلَا جُمُعَةَ عَلَى مَجْنُونٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَالْمَجْنُونِ ، بِخِلَافِ السَّكْرَانِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا ظُهْرًا كَغَيْرِهَا ، وَالرَّابِعُ : الْإِسْلَامُ ، فَلَا جُمُعَةَ عَلَى الْكَافِرِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا الْعَقْلَ ، وَالْبُلُوغُ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ نَصًّا عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا خَاصَّيْنِ بِالْجُمُعَةِ ، وَفِي الْوَجِيزِ لِلْمُصَنِّفِ فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ لِوُجُوبِهَا خَمْسَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا : التَّكْلِيفُ ، فَلَا جُمُعَةَ عَلَى صَبِيٍّ ، وَمَجْنُونٍ ، وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ ، وَفِي الْمِنْهَاجِ : إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ بِلَا مَرَضٍ وَنَحْوِهِ ، فَإِذَا قُلْنَا : إِنَّ التَّكْلِيفَ يَشْمَلُ الْبُلُوغَ ، وَالْعَقْلَ ، وَالْإِسْلَامَ ، فَيَكُونُ شَرْطًا وَاحِدًا يَشْمَلُ ثَلَاثَةً مِنَ السِّتَّةِ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُسْتَقِلًّا ، فَتَأَمَّلِ . الْخَامِسُ : الْحُرِّيَّةُ ، فَلَا جُمُعَةَ عَلَى عَبْدٍ ؛ قِنٍّ ، أَوْ مُدَبَّرٍ ، أَوْ مَكَاتَبٍ ، وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ دَاخِلٌ فِي لَفْظِ الْعَبْدِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمِنْهَاجِ قَالَ : وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مَعْذُورٍ بِمُرَخَّصٍ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ ، وَالْمَكَاتَبِ ، وَكَذَا مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ : إِنَّمَا خُصَّ الْمَكَاتَبُ بِالذِّكْرِ يُشِيرُ إِلَى خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ دُونَ الْقِنِّ ، فَتَأَمَّلْ ، وَالسَّادِسُ : الْإِقَامَةُ (فِي قَرْيَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعِينَ) مِنَ الرِّجَالِ (جَامِعِينَ لِهَذِهِ الصِّفَاتِ) ، فَلَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ سَفَرًا مُبَاحًا ، وَلَوْ قَصِيرًا لِاشْتِغَالِهِ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ ، وَلِلْعَبْدِ ، وَالصَّبِيِّ حُضُورُهَا إِذَا أَمْكَنَ ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا : لَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ ، لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَالصَّحِيحُ وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ . وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْوَجِيزِ ، وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ ، وَالنَّوَوِيُّ : الصِّحَّةُ مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ هُنَا ، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي جُمْلَةِ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ ، وَغَيْرُهُ حَدِيثًا مَرْفُوعًا : الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا أَرْبَعَةً : عَبْدٌ مَمْلُوكٌ ، أَوِ امْرَأَةٌ ، أَوْ صَبِيٌّ ، أَوْ مَرِيضٌ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ : الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ إِلَّا عَلَى صَبِيٍّ ، أَوْ مَمْلُوكٍ ، أَوْ مُسَافِرٍ . وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : مُقِيمٌ فِي قَرْيَةٍ فِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : شَرْطُ الْوُجُوبِ الْإِقَامَةُ بِمِصْرٍ ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ الْإِقَامَةُ بِالْقُرَى ، فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ ، وَتَقَدَّمَ دَلِيلُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ : لَا جُمُعَةَ ، وَلَا تَشْرِيقَ . الْحَدِيثَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَفِنَاءُ الْمِصْرِ لَهُ حُكْمُ الْمِصْرِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ خَارِجُ الرَّبَضِ ، كَمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، وَالْمُرَادُ بِمَنْ هُوَ خَارِجُ أَهْلِ السَّوَادِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية