الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَإِنْ قَالَ أَحَدٌ ، أَوْ تَخَيَّلَ : إِنَّا نَسِيَنَا ذَلِكَ الْمِيثَاقَ لَمَّا جِئْنَا فِي الدُّنْيَا ، فَأَيُّ حُجَّةٍ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ نَسِينَاهُ ، وَلَا نَذْكُرُهُ ؟ فَهَذَا الْقَوْلُ ، وَالْخَيَالُ مِنْهُ غَلَطٌ ، وَبَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ أُمُورًا كَثِيرَةً لَا تَبْقَى لِلْإِنْسَانِ فِي الذِّكْرِ . وَلَكِنْ لَمَّا يَقُولُهَا النَّاسُ الْمُعْتَبَرُونَ ، وَالْأَشْخَاصُ الْمُعْتَدُّونَ ، يَتَيَقَّنُ بِهَا . أَلَيْسَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَذَكَّرُ وِلَادَتَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ حِينَ وُلِدَ مِنْهَا ؟ ثُمَّ إِذَا يَقُولُ النَّاسُ لَهُ : إِنَّكَ وُلِدْتَ مِنْ أُمِّكَ الْفُلَانِيَّةِ ، وَيُذَكِّرُونَهُ ، يَتَيَقَّنُ ، وَيُقِرُّ بِذَلِكَ، وَيَعْتَرِفُ ، وَيَعْلَمُ أُمَّهُ أَنَّهَا أُمُّهُ ، وَلَا يَقُولُ لِغَيْرِهَا : إِنَّهَا أُمُّهُ ؟ فَإِذَا أَضَاعَ حَقَّ أُمِّهِ ، وَاتَّخَذَ غَيْرَهَا أُمَّهُ ، يَمْحَقُهُ النَّاسُ ، وَيُسَفِّهُونَهُ ، وَيُقَبِّحُونَهُ ، فَإِنْ قَالَ: إِنِّي لَا أَتَذَكَرُ أَنَّهَا أُمِّي ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْنِي حَتَّى أَعْلَمَهَا أُمِّي ، يَقُولُ النَّاسُ : إِنَّهُ أَحْمَقُ ، شَدِيدُ الْحَمَاقَةِ ، وَيَكُونُ مُسِيءَ الْأَدَبِ بِهَا ، فَإِذَا تَحَصَّلَ الْيَقِينُ بِقَوْلِ عَامَّةِ النَّاسِ : إِنَّ الْفُلَانِيَّةَ أُمُّهُ ، وَإِنَّ الْأُمُورَ الْكَذَائِيَّةَ كَانَتْ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ لَا يَتَحَصَّلُ الْيَقِينُ بِقَوْلِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ ، وَلَا يَحْصُلُ التَّصْدِيقُ بِخَبَرِهِمْ ، وَهُمْ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ ، وَأَصَدَقُهُمْ بِلَا وَسْوَاسٍ ؟ ! وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ أَصْلِ التَّوْحِيدِ ، وَالْمَنْعَ مِنَ الشِّرْكِ قَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي عَالَمِ الذَّرِّ ، وَالْأَرْوَاحِ . وَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ جَاءُوا لِتَأْكِيدِهِ ، وَتَذْكِيرِهِ ، وَنَزَلَتِ الْكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ جَمِيعُهَا لِبَيَانِهِ . وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ جَاءَتْ مِائَةَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا ، وَالْكُتُبَ كَانَتْ أَرْبَعَ مِائَةٍ . فَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ الْكَثِيرَ مِنَ الرُّسُلِ وَالْكُتُبِ الْمُخْبِرَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لَيْسَ بِصَادِقٍ ؟ . هَلْ يَقُولُ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَهُ أَدْنَى مُلَابَسَةٍ بِالْعَقْلِ ، وَالْفَهْمِ ، وَأَقَلُّ شُعُورٍ بِالْحَالِ ، وَأَيْسَرُ فِقْهٍ فِي الْمَقَالِ ؟ بَلْ هَذِهِ النُّكْتَةُ الْوَاحِدَةُ تَكْفِي فِي تَصْحِيحِ التَّوْحِيدِ ، وَالتَّبْعِيدِ مِنَ الشِّرْكِ الْقَبِيحِ . فَوَجَبَ أَلَّا يَعْلَمَ أَحَدًا حَاكِمًا سِوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَلَا يَعْتَقِدُ التَّصَرُّفَ لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ ، وَلَا يَتَّخِذُ أَحَدًا رَبًّا إِلَّا إِيَّاهُ . فَيَطْلُبُ مِنْهُ حَاجَتَهُ ، وَيُرِيدُ مِنْهُ إِنْجَاحَ مَرَامِهِ ، وَيَسْتَعِينُ بِهِ فِي كَشْفِ الْكُرُبَاتِ وَيَسْتَغِيثُ مِنْهُ فِي قَضَاءِ الْحَاجَاتِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَرَاجِعْهُ . وَقَدْ أَخْرَجَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الْمَشْهُورُ فِي الْآفَاقِ -رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا فِي بَابِ : الْكَبَائِرِ مِنَ «الْمِشْكَاةِ » ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَإِنْ قُتِلْتَ ، وَحُرِّقْتَ » . أَيْ : لَا تَعْتَقِدْ ضَرًّا ، وَلَا نَفْعًا ، وَلَا عَطَاءً ، وَلَا مَنْعًا فِي أَحَدٍ غَيْرَ اللَّهِ ، وَلَا تَخَفْ إِلَّا إِيَّاهُ ، وَلَا تَظُنَّ أَنَّ خَبِيثًا ، أَوْ شَيْطَانًا يُؤْذِيكَ . بَلْ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى الْبَلَايَا الظَّاهِرَةِ ، وَلَا يُفْسِدَ دِينَهُ مِنْ خَوْفِهِمْ ، فَكَذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى أَذَى الشَّيَاطِينِ ، وَالْخُبْثِ ، وَالْخَبِيثَاتِ . وَلَا يُؤْمِنُ بِهِمْ خَوْفًا مِنْ أَضْرَارِهِمْ ، بَلْ يُؤْمِنُ بِأَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ ، وَتَحْتَ مَشِيئَتِهِ ، وَقَضَائِهِ ، وَقَدَرِهِ . وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ يَمْتَحِنُ بَعْضَ عِبَادِهِ بِإِيصَالِ الضَّرَرِ مِنْ بَعْضِ الْأَشْرَارِ إِلَى الْأَخْيَارِ ، لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، وَامْتِيَازًا فِي تَفْرِقَةِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَلِيَمِيزَ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْمُنَافِقِ ، وَالْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ . فَكَمَا أَنَّ الْمُتَّقِينَ يَصِلُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ أَذِيَّةٌ ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَتَأَذَّوْنَ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ الْمُشْرِكِينَ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُمْ يَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَجِدُونَ بُدًّا مِنْهُ ، وَلَا يُفْسِدُونَ دِينَهُمْ بِهِ ، فَكَذَلِكَ يَصِلُ إِلَيْهِمُ الْأَذَى مِنْ أَيْدِي أُولَئِكَ الْأَشْرَارِ مِنَ الْجِنِّيَّاتِ ، وَالْخَبَائِثِ ، وَالشَّيَاطِينِ تَارَةً فَتَارَةً . فَسَبِيلُ الْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، وَلَا يَظُنَّ لَهُمْ تَصَرُّفًا أَصْلًا ؛ فَإِنَّهُمْ لَا تَصَرُّفَ لَهُمْ ، وَلَا قُدْرَةَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ . فَمَا لَنَا وَلِلْإِيمَانِ بِهِمْ ، وَالْخَوْفِ مِنْهُمْ ، وَالْإِطَاعَةِ ، وَالنَّذْرِ لَهُمْ ؟

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية