الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَرْجَحَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ : أَنَّ أَكْثَرَهُمْ ، أَوْ كُلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُهُمْ ، وَخَالِقُ الْعَالَمِ كُلِّهِ ، وَرَازِقُهُمْ ، وَرَازِقُ جَمِيعِ الْعِبَادِ ، بَلِ الْكَائِنَاتِ ، وَهُوَ مُدَبِّرُ الْكُلِّ ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ يُشْرِكُونَ بِهِ فِي أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ . فَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلُو فِي الْأَمْوَاتِ ، وَيَفْعَلُ فِي قُبُورِهِمْ مَا يُؤَدِّي إِلَى الشِّرْكِ ؛ مِنَ السَّجْدَةِ ، وَالطَّوَافِ ، وَطَلَبِ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ ، وَدَعْوَتِهِمْ فِي الشَّدَائِدِ ، وَالنُّذُورِ لِأَجْدَاثِهِمْ مَعَ إِيقَادِ السُّرُجِ ، وَإِلْقَاءِ الرِّدَاءِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَهَذَا الشِّرْكُ قَدْ طَمَّ ، وَعَمَّ فِي النَّاسِ حَتَّى لَا يَنْجُوَ مِنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ ، وَالسُّلُوكِ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانُوا مُؤَوِّلِينَ لِأَفْعَالِهِمْ ، وَأَحْوَالِهِمْ . فَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الشَّرِيفَةِ : أَنَّ التَّوْحِيدَ الرَّبَّانِيَّ حَاصِلٌ لَهُمْ . وَأَمَّا التَّوْحِيدُ الْإِلَهِيُّ -بِمَعْنَى : إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ عَلَى كَثْرَةِ أَنْوَاعِهَا لِلَّهِ تَعَالَى- لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِأَفْرَادٍ قَلِيلَةٍ مِنْهُمْ . وَهَذَا صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، وَيَدُلُّ لَهُ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ ، وَالْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ . فَصَدَقَ عَلَى مِثْلِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَمُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحَانَهُ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ . وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي وَحْدَةِ الرَّبِّ تَعَالَى فِي رَدِّ الشِّرْكِ ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ الَّتِي هِيَ تَحْقِيقُ الْعِبَادَةِ ، مَعَ الْإِخْلَاصِ لَهُ سُبْحَانَهُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا ، جَلِيٌّ ، وَخَفِيٌّ ، فَفِيهَا الْآفَةُ الْعُظْمَى ، وَالْبَلِيَّةُ الْكُبْرَى ، وَلَا حَوْلَ عَنِ الْفِرَاقِ مِنْهَا وَلَا قُوَّةَ عَلَى التَّوْحِيدِ فِيهَا إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى . قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ -رَحِمَهُ اللَّهُ - : إِنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ هُوَ اعْتِقَادُ الْعَبْدِ أَنْ لَا رَبَّ إِلَّا اللَّهُ ؛ أَيْ : لَا خَالِقَ ، وَلَا رَازِقَ ، وَلَا ضَارَّ وَلَا نَافِعَ ، وَلَا مُعْطِيَ ، وَلَا مَانِعَ ، وَلَا مُحْيِيَ ، وَلَا مُمِيتَ إِلَّا هُوَ . وَهَذَا التَّوْحِيدُ يُقِرُّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لُقْمَانَ : 25] ، وَالْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ . وَإِنَّ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ هُوَ اعْتِقَادُ الْعَبْدِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؛ أَيْ : لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ . وَالْمَعْبُودُ بِحَقٍّ : مَعْنَاهُ : مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى . وَالْعِبَادَةُ : هِيَ التَّذَلُّلُ بِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالصَّوْمِ ، وَالْحَجِّ ، وَالْحَلِفِ ، وَالنَّذْرِ ، وَالذَّبْحِ ، وَالْخَوْفِ ، وَالرَّجَاءِ ، وَالْمَحَبَّةِ ، وَالتَّوَكُّلِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى . فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ مَخْلُوقًا ؛ مِنْ مَلَكٍ ، أَوْ نَبِيٍّ ، أَوْ رَسُولٍ ، أَوْ وَلِيٍّ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ ، فَهُوَ كَافِرٌ . وَلَا بُدَّ مِنْ إِخْلَاصِ التَّوْحِيدَيْنِ ، فَلَا يَنْفَعُ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ ، وَإِنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ . وَمَا بَعَثَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ - الْأَنْبِيَاءَ ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ ، وَخَتَمَهُمْ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا لِتَعْرِيفِ الْخَلْقِ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ عِلْمًا ، وَعَمَلًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى . وَقَالَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - : وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَانَ : 13] . كَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْطَى لُقْمَانَ عَقْلًا سَلِيمًا ، وَفِكْرًا صَحِيحًا ، وَحِكْمَةً مُسْتَقِيمَةً ، فَعَلِمَ ، وَفَهِمَ أَنَّ الظُّلْمَ إِنَّمَا هُوَ أَنْ يُعْطِيَ حَقَّ أَحَدٍ أَحَدًا ، وَيَضَعَ شَيْئًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ . فَمَنْ أَعْطَى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مَخْلُوقَهُ ، فَهُوَ قَدْ أَعْطَى حَقَّ أَكْبَرِ الْكُبَرَاءِ أَذَلَّ ذَلِيلٍ ؛ كَمَا يَضَعُ أَحَدٌ تَاجَ الْمَلِكِ عَلَى رَأْسِ الدَّبَّاغِ ، وَلَا ظُلْمَ أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ. وَعَلِمْتَ أَنَّ الْمَخْلُوقَ - كَبِيرًا كَانَ ، أَوْ صَغِيرًا - هُوَ فِي حِيَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَذَلُّ مِنَ الدَّبَّاغِ ، وَأَحْقَرُ مِنَ الذُّبَابِ ؛ كَمَا فِي الْمَثَلِ السَّائِرِ : مَا لِلتُّرَابِ وَرَبِّ الْأَرْبَابِ ؟ ! وَالْآيَةُ تَدُلُّ بِفَحْوَى الْخِطَابِ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ كَمَا هُوَ مِنَ الْعُيُوبِ الْكِبَارِ شَرْعًا ، وَهُوَ الْحَقُّ ، فَكَذَلِكَ هُوَ عَيْبٌ عِنْدَ الْعَقْلِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الْعُيُوبِ فِي الْآدَمِيِّ أَنْ يُسِيءَ الْأَدَبَ مَعَ أَكَابِرِهِ . فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا أَكْبَرَ مِنْهُ ، وَلَا أَعْلَى ، فَالشِّرْكُ بِهِ فِي شَيْءٍ إِسَاءَةُ أَدَبٍ مَعَهُ تَعَالَى . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الْأَنْبِيَاءِ : 25] يَعْنِي : كُلَّ رَسُولٍ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَقَدْ جَاءَ ، وَأَتَى بِهَذَا الْحُكْمِ : أَنَّ الْعِبَادَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ . فَكَانَتْ مَسْأَلَةُ التَّوْحِيدِ ، وَالْمَنْعِ مِنَ الْإِشْرَاكِ مُجْمَعًا عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - . فَهَذَا هُوَ سَبِيلُ النَّجَاةِ ، وَجُمَلَةُ السُّبُلِ غَيْرِهِ طَرِيقُ الْهَلَاكِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية