الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 1307 (بَابُ خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) وَأَوْرَدَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ. (حَدِيثُ الْبَابِ) وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيِّ ص 73 ج6 الْمَطْبَعَةِ الْمِصْرِيَّةِ [عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ الْحَوْلَاءَ بِنْتَ تُوَيْتِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا. وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ. وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَنَامُ اللَّيْلَ؟! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا" ]. السراج الوهاج (الشَّرْحُ) (عَنْ عَائِشَةَ) ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ الْحَوْلَاءَ بِنْتَ تُوَيْتٍ) بِتَاءَيْنِ (بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، مَرَّتْ بِهَا، وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَنَامُ اللَّيْلَ؟!) . أَرَادَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهَا، وَكَرَاهَةَ فِعْلِهَا وَتَشْدِيدِهَا عَلَى نَفْسِهَا. وَيُوَضِّحُهُ مَا فِي "مُوَطَّأِ مَالِكٍ " فِي هَذَا الْحَدِيثِ: (وَكَرِهَ ذَلِكَ حَتَّى عُرِفَتِ الْكَرَاهَةُ فِي وَجْهِهِ) . "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ". "وَفِيهِ": دَلِيلٌ لِلْأَكْثَرِينَ: أَنَّ صَلَاةَ جَمِيعِ اللَّيْلِ مَكْرُوهَةٌ. وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ (وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ) إِذَا لَمْ يَنَمْ عَنِ الصُّبْحِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَأَوْفَقُ بِحَدِيثِ الْبَابِ. "فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا". وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " فَوَاللَّهِ! لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ". وَفِي أُخْرَى عَنْهَا، عِنْدَ مُسْلِمٍ : (قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ"، وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ) . وَمَعْنَى: "تُطِيقُونَ": الدَّوَامُ عَلَيْهِ بِلَا ضَرَرٍ. "وَفِيهِ": دَلِيلٌ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الِاقْتِصَادِ فِي الْعِبَادَةِ، وَاجْتِنَابِ التَّعَمُّقِ. وَلَيْسَ الْحَدِيثُ مُخْتَصًّا بِالصَّلَاةِ، بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ. "وَالْمَلَلُ وَالسَّآمَةُ": بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَأَوَّلُوهُمَا فِي حَقِّهِ تَعَالَى، وَقَالُوا: مَعْنَاهُ: لَا يُعَامِلُكُمْ مُعَامَلَةَ الْمَالِّ، فَيَقْطَعُ عَنْكُمْ ثَوَابَهُ وَجَزَاءَهُ، وَبَسْطَ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، حَتَّى تَقْطَعُوا عَمَلَكُمْ. وَقِيلَ: لَا يَمَلُّ إِذَا مَلَلْتُمْ. وَالْأَصَحُّ: إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، بِلَا كَيْفٍ، كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ كَمَالُ شَفَقَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَرَأْفَتُهُ بِأُمَّتِهِ، لِأَنَّهُ أَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا يُصْلِحُهُمْ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُهُمُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَا ضَرَرٍ. فَتَكُونُ النَّفْسُ أَنْشَطَ، وَالْقَلْبُ مُنْشَرِحًا، فَتَتِمُّ الْعِبَادَةُ. بِخِلَافِ مَنْ تَعَاطَى مِنَ الْأَعْمَالِ مَا يَشُقُّ، فَإِنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يَتْرُكَهُ أَوْ بَعْضَهُ، أَوْ يَفْعَلَهُ بِكُلْفَةٍ وَبِغَيْرِ انْشِرَاحِ الْقَلْبِ، فَيَفُوتَهُ خَيْرٌ عَظِيمٌ. وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنِ اعْتَادَ عِبَادَةً، ثُمَّ أَفْرَطَ. فَقَالَ تَعَالَى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا . وَقَدْ نَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَلَى تَرْكِهِ قَبُولَ رُخْصَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَخْفِيفِ الْعِبَادَةِ، وَمُجَانَبَةِ التَّشْدِيدِ. وَقَدْ نَقَلَ الْمُرِيدُونَ عَنِ الْمَشَايِخِ رِيَاضَاتٍ شَاقَّةً، وَعِبَادَاتٍ كَثِيرَةً خَارِجَةً عَنْ حِسَابِ الشَّرْعِ، وَأَظُنُّ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ عَنْهُمْ؛ فَإِنْ صَحَّتْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَمُنَابِذَةً لَهَا. وَلَعَلَّ هُنَاكَ أَعْذَارًا لَهُمْ: مِنْهَا: أَنَّهُ لَمْ يُبْلَغْ إِلَيْهِمْ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ. وَلَيْسَتِ الْفَضِيلَةُ فِي كَثْرَةِ الْعِبَادَةِ، وَشِدَّةِ الرِّيَاضَةِ. إِنَّمَا الْفَضِيلَةُ فِي إِيثَارِ الْحَقِّ عَلَى الْخَلْقِ، وَتَأْثِيرِ الْعَمَلِ الْخَالِصِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالصَّوَابِ مِنْهُ. وَاخْتِيَارِ التَّقْوَى، وَالْعِلْمِ النَّافِعِ. فَلْيَكُنْ ذَلِكَ عَلَى ذِكْرٍ مِنْكَ، فَإِنَّ هَذَا يُسَهِّلُ عَلَيْكَ مَا أَصْعَبُوهُ، وَهَابُوا مِنْهُ. وَتَعْرِفُ بِذَلِكَ مِقْدَارَ النَّاسِ، فِي مَرَاتِبِ الْحَقِّ، وَالْبَاطِلِ، وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ.

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية