الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      جزء صفحة
                                                      مَسْأَلَةٌ [ إمْكَانُ الْعُرْفِيَّةِ ] وَلَا خِلَافَ فِي إمْكَانِ الْعُرْفِيَّةِ ، وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَلَا نِزَاعَ فِي وُجُودِ الْخَاصَّةِ مِنْهَا لِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِ ذَوِي الْعُلُومِ وَالصِّنَاعَاتِ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ اللُّغَةِ ، كَالْقَلْبِ وَالنَّقْضِ وَالْجَمْعِ وَالْفَرْقِ . وَأَمَّا الْعُرْفِيَّةُ الْعَامَّةُ : فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَهَا ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْوُقُوعِ قَالَهُ الْهِنْدِيُّ ، وَتَابَعَ فِيهِ فِي " الْمَحْصُولِ " وَاسْتَغْرَبَ شَارِحُهُ الْأَصْفَهَانِيُّ هَذَا الْخِلَافَ ، وَقَالَ : إنَّمَا الْمَعْرُوفُ الْخِلَافُ فِي الشَّرْعِيَّةِ . قُلْت : حَكَى الْخِلَافَ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " ثُمَّ قَالَ : وَاَلَّذِينَ أَجَازُوا انْتِقَالَ الِاسْمِ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ بِالْعُرْفِ إنَّمَا أَجَازُوا ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ الِاسْمُ اللُّغَوِيُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ، فَإِنْ تَعَلَّقَ لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَعْنًى آخَرَ قَطْعًا ، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ حِينَئِذٍ إلَى التَّكْلِيفِ . ا هـ . فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ ، وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي وَأَتْبَاعِهِ وَالْإِمَامِ الرَّازِيَّ رَابِعٌ ، فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا النَّقْلَ الْعُرْفِيَّ إلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدِهِمَا : أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ قَدْ وُضِعَ لِمَعْنًى عَامٍّ ثُمَّ تَخَصَّصَ بِالْعُرْفِ الْعَامِّ لِبَعْضِ أَنْوَاعِهِ ، كَلَفْظِ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِكُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، ثُمَّ خَصَّصَهَا الْعُرْفُ الْعَامُّ بِذَاتِ الْحَوَافِرِ . وَثَانِيهِمَا : أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ قَدْ وُضِعَ لِمَعْنًى ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا لَهُ بِهِ نَوْعُ مُنَاسَبَةٍ وَمُلَابَسَةٍ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ كَالْغَائِطِ ، وَالْأَوَّلُ نُقِلَ إلَى الْحَقِيقَةِ ، وَالثَّانِي إلَى الْمَجَازِ . قَالَ الْقَاضِي : وَالْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ مُنْحَصِرَةٌ فِي هَذَيْنِ ، وَلَا يُنْبِئُ الْعُرْفُ عَنْ الْوَضْعِ ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِبَعْضِ الْأَسَامِي ، وَلَوْ صُرِفَ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ لَلَزِمَ تَسْمِيَةُ جُمْلَةِ اللُّغَةِ عُرْفِيَّةً ، وَلَا يُنْبِئُ عَنْ تَجْدِيدِ الْوَضْعِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ اللُّغَةِ ، فَإِنَّ هَذَا سَبِيلُ كُلِّ لُغَةٍ سَبَقَهَا أُخْرَى ، وَإِنَّمَا تُنْبِئُ عَمَّا يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ عُرْفًا مِنْ الْمَجَازَاتِ أَوْ يَغْلِبُ تَخْصِيصُهُ بِبَعْضِ الْمُقْتَضَيَاتِ ، وَكَذَا قَالَ فِي " الْمَحْصُولِ " : التَّصَرُّفُ الْوَاقِعُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ هُوَ الَّذِي ثَبَتَ عَنْ أَهْلِ الْعُرْفِ ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِهِمَا فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمْ ، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْ أَقْسَامِ الْعُرْفِيَّةِ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لِشَيْءٍ فِي اللُّغَةِ لَكِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ فِيهَا ، فَيَسْتَعْمِلُهُ الْعُرْفُ فِي غَيْرِهِ كَعَسَى ، فَإِنَّهُ وُضِعَ أَوَّلًا لِلْفِعْلِ الْمَاضِي ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ قَطُّ ، بَلْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْإِنْشَاءِ بِوَضْعِ الْعُرْفِ ، فَصَارَتْ الْعُرْفِيَّةُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِيمَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ فِي اللُّغَةِ أَصْلًا إذَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ اللُّغَوِيُّ أَيْضًا ، أَوْ كَانَ لَهُ وَضْعٌ فِي اللُّغَةِ ، وَاسْتُعْمِلَ فِيهِ ، لَكِنْ هُجِرَ كَالْغَائِطِ ، أَوْ لَمْ يُهْجَرْ ، وَلَكِنْ قَصَرَهُ الْعُرْفُ عَلَى بَعْضِ مَوْضُوعَاتِهِ كَالدَّابَّةِ . وَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ فَهِيَ مِنْ مُهِمَّاتِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ أَحْكَمَ شَرْحَهَا . وَيَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ : الْأَوَّلُ : فِي تَحْقِيقِ الْمُرَادِ بِالِاسْمِ الشَّرْعِيِّ ، وَهِيَ اللَّفْظَةُ الَّتِي اُسْتُفِيدَ وَضْعُهَا لِلْمَعْنَى مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ ، كَذَا قَالَهُ فِي " الْمَحْصُولِ " وَسَبَقَهُ إلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ " . وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ : مَا كَانَ مَعْنَاهُ ثَابِتًا بِالشَّرْعِ ، وَالِاسْمُ مَوْضُوعٌ لَهُ فِيهِ . وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ : هُوَ مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ الشَّرْعِ وَاللَّفْظِ مِنْ اللُّغَةِ ، وَمَرَّةً يُسْتَفَادُ الْمَعْنَى مِنْ وَضْعِ اللُّغَةِ وَاللَّفْظِ فِي الشَّرْعِ ، وَالْكُلُّ أَسَامِي شَرْعِيَّةٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا فِي الشَّرْعِ ، وَقِيلَ الِاسْمُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ فِي الشَّرْعِ ; لِأَنَّ الِاسْتِقْرَارَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ وَالْحَرْفِ الشَّرْعِيَّيْنِ إلَّا بِالتَّبَعِ . وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ كُلُّ مَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ مِمَّا هُوَ مُخَالِفٌ لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ ، أَوْ سَوَاءٌ كَانَ مُوَافِقًا لِلْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ أَمْ لَا ؟ وَالظَّاهِرُ : الْأَوَّلُ ، فَإِنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أَرَادَ بِهِ الشَّارِعُ مَعْنًى يَصِحُّ إطْلَاقُ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ حَقِيقَةً لَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى أَنْ نَقُولَ : إنَّهُ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُرَادَةِ ، كَإِطْلَاقِ الصَّلَاةِ عَلَى الدُّعَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } لَا نَقُولُ إنَّهُ مَجَازٌ بِحَسَبِ الصَّلَاةِ ذَاتِ الْأَرْكَانِ ، بَلْ هُوَ الدُّعَاءُ ، وَهَذَا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ ، وَإِذَا أَمْكَنَتْ فَمَا الدَّاعِي لِلْمَجَازِ الشَّرْعِيِّ .

                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                      الخدمات العلمية