الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 7000 65 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا أَوْ مُنَافِقُوهَا -شَكَّ إِبْرَاهِيمُ- فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَنَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُهَا وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُوبَقُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ أَوِ الْمُوثَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ أَوِ الْمُجَازَى أَوْ نَحْوُهُ، ثُمَّ يَتَجَلَّى حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَيَبْقَى رَجُلٌ مِنْهُمْ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللَّهَ بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ أَبَدًا؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ وَيَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَقُولَ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ وَيُعْطِي مَا شَاءَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْحَبْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ لَا أَكُونَنَّ أَشْقَى خَلْقِكَ فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ قَالَ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللَّهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَسَأَلَ رَبَّهُ وَتَمَنَّى حَتَّى إِنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا حَتَّى انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ، قَالَ اللَّهُ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا حَفِظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ. وَشَيْخُ الْبُخَارِيِّ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى أَبُو الْقَاسِمِ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ الْأُوَيْسِيُّ الْمَدِينِيُّ، يَرْوِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ مِنَ الزِّيَادَةِ اللَّيْثِيِّ الْجُنْدَعِيِّ، وَقَدْ مَضَى الْحَدِيثُ فِي الرِّقَاقِ فِي (بَابٌ: الصِّرَاطُ جَسْرُ جَهَنَّمَ) عَنْ مَحْمُودٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَمَضَى الْكَلَامُ فِيهِ. قَوْلُهُ: "هَلْ تُضَارُّونَ" بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَضَمِّهَا وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا، فَالتَّشْدِيدُ بِمَعْنَى: لَا تَتَخَالَفُونَ وَلَا تُجَادِلُونَ فِي صِحَّةِ النَّظَرِ إِلَيْهِ لِوُضُوحِهِ وَظُهُورِهِ، يُقَالُ: ضَارَّهُ يُضَارُّهُ مِثْلَ ضَرَّهُ يَضُرُّهُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ أَضَرَّنِي فُلَانٌ إِذَا دَنَا مِنِّي دُنُوًّا شَدِيدًا، فَأَرَادَ بِالْمُضَارَّةِ الِاجْتِمَاعَ وَالِازْدِحَامَ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَأَمَّا التَّخْفِيفُ فَهُوَ مِنَ الضَّيْرِ لُغَةٌ فِي الضُّرِّ، وَالْمَعْنَى فِيهِ كَالْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: "كَذَلِكَ " أَيْ: وَاضِحًا جَلِيًّا بِلَا شَكٍّ وَلَا مَشَقَّةٍ وَلَا اخْتِلَافٍ. قَوْلُهُ: "فَيَتَّبِعُ " بِتَشْدِيدِ التَّاءِ مِنَ الِاتِّبَاعِ. قَوْلُهُ: "الشَّمْسَ الشَّمْسَ" الْأَوَّلُ مَنْصُوبٌ; لِأَنَّهُ مَفْعُولُ يَعْبُدُ، وَالثَّانِي مَنْصُوبٌ بِقَوْلِهِ: فَيَتَّبِعُ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي "الْقَمَرَ الْقَمَرَ" وَ"الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ" وَهُوَ جَمْعُ طَاغُوتٍ، وَالطَّوَاغِيتُ الشَّيَاطِينُ أَوِ الْأَصْنَامُ، وَفِي الصِّحَاحِ: الطَّاغُوتُ الْكَاهِنُ وَكُلُّ رَأْسٍ فِي الضَّلَالِ، قَدْ يَكُونُ وَاحِدًا وَقَدْ يَكُونُ جَمْعًا، وَهُوَ عَلَى وَزْنِ لَاهُوتٍ، مَقْلُوبٌ; لِأَنَّهُ مَنْ طَغَى وَلَاهُوتٌ مِنْ لَاهٍ، وَأَصْلُهُ طَغَوُوتٌ مِثْلُ جَبَرُوتٍ، نُقِلَتِ الْوَاوُ إِلَى مَا قَبْلَ الْغَيْنِ، ثُمَّ قُلِبَتْ أَلِفًا؛ لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا. قَوْلُهُ: "شَافِعُوهَا" أَيْ: شَافِعُوا الْأُمَّةِ وَأَصْلُهُ شَافِعُونَ سَقَطَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ مِنْ شَفَعَ يَشْفَعُ شَفَاعَةً فَهُوَ شَافِعٌ وَشَفِيعٌ. قَوْلُهُ: "شَكَّ إِبْرَاهِيمُ" هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الرَّاوِي الْمَذْكُورُ. قَوْلُهُ: "فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ" إِسْنَادُ الْإِتْيَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَجَازٌ عَنِ التَّجَلِّي لَهُمْ، وَقِيلَ: عَنْ رُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ; لِأَنَّ الْإِتْيَانَ إِلَى الشَّخْصِ مُسْتَلْزِمٌ لِرُؤْيَتِهِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: أَيْ: يَأْتِيهِمْ بَعْضُ مَلَائِكَتِهِ أَوْ يَأْتِيهِمْ فِي صُورَةِ الْمَلَكِ، وَهَذَا آخِرُ امْتِحَانِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: الْمَلَكُ مَعْصُومٌ فَكَيْفَ يَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ، وَهُوَ كَذِبٌ، قُلْتُ: لَا نُسَلِّمُ عِصْمَتَهُ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الصَّغِيرَةِ، انْتَهَى، قُلْتُ: فَحِينَئِذٍ فِرْعَوْنُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ إِلَّا صَغِيرَةٌ فِي قَوْلِهِ: "أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى" وَلَوْ نَزَّهَ شَرْحَهُ عَنْ مِثْلِ هَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ. قَوْلُهُ: "فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: "فَإِذَا جَاءَنَا". قَوْلُهُ: "فِي صُورَتِهِ" أَيْ: فِي صِفَتِهِ، أَيْ: يَتَجَلَّى لَهُمُ اللَّهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عَرَفُوهُ بِهَا، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الصُّورَةِ، فَقِيلَ: صُورَةُ اعْتِقَادٍ كَمَا تَقُولُ: صُورَةُ اعْتِقَادِي فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَالْمَعْنَى: يَرَوْنَهُ عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مِنَ الصِّفَاتِ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِلَّهِ صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ كَمَا أَنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ، فَأَثْبَتَ لِلَّهِ صُورَةً قَدِيمَةً، وَقَالَ ابْنُ فُورَكَ: وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: إِنْ كَانَتِ الصُّورَةُ مَحْفُوظَةً فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ صُورَةَ الْأَمْرِ وَالْحَالِ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: أَمَّا قَوْلُهُمْ: فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ مَلَكًا لِيَفْتِنَهُمْ وَيَخْتَبِرَهُمْ فِي اعْتِقَادِ صِفَاتِ رَبِّهِمُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَإِذَا قَالَ لَهُمُ الْمَلَكُ: أَنَا رَبُّكُمْ، رَأَوْا عَلَيْهِ دَلِيلَ الْخِلْقَةِ الَّتِي تُشْبِهُ الْمَخْلُوقَاتِ فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا جَاءَنَا عَرَفْنَا، أَيْ: أَنَّكَ لَسْتَ رَبَّنَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، أَيْ: يَظْهَرُ إِلَيْهِمْ فِي مُلْكِهِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِهِ وَعَظْمَتِهِ الَّتِي لَا تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، فَيَعْرِفُونَ أَنَّ ذَلِكَ الْجَلَالَ وَالْعَظَمَةَ لَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا الَّذِي لَا يُشْبِهُكَ شَيْءٌ، فَالصُّورَةُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ. قَوْلُهُ: "فَيَتَّبِعُونَهُ" أَيْ: فَيَتَّبِعُونَ أَمْرَهُ إِيَّاهُمْ بِذَهَابِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ، أَوْ مَلَائِكَتَهُ الَّتِي تَذْهَبُ بِهِمْ إِلَيْهَا. قَوْلُهُ: "بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ" أَيْ: عَلَى وَسَطِهَا، وَيُرْوَى: بَيْنَ ظَهَرَانَيْ جَهَنَّمَ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهُوَ بَيْنُ ظَهْرَيْهِمَا وَظَهْرَانَيْهِمَا، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: يَعْنِي عَلَى أَعْلَاهَا، فَيَكُونُ جَسْرًا، وَلَفْظَ ظَهْرَيْ مُقْحَمٌ، وَالصِّرَاطُ جَسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعَرِ، يَمُرُّ عَلَيْهِ النَّاسُ كُلُّهُمْ. قَوْلُهُ: "مَنْ يُجِيزُهَا" أَيْ: يَجُوزُ، يُقَالُ: أَجْزْتُ الْوَادِيَ وَجُزْتُهُ لُغَتَانِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَجَازَ بِمَعْنَى قَطَعَ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: أَوَّلُ مَنْ يَجِيءُ. قَوْلُهُ: "يَوْمَئِذٍ" أَيْ: فِي حَالِ الْإِجَازَةِ، وَإِلَّا فَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَوَاطِنُ يَتَكَلَّمُ النَّاسُ فِيهَا وَتُجَادِلُ كُلُّ نَفْسٍ عَنْ نَفْسِهَا، وَلَا يَتَكَلَّمُونَ لِشِدَّةِ الْأَهْوَالِ. قَوْلُهُ: "كَلَالِيبُ" جَمْعُ كَلُّوبٍ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَهُوَ حَدِيدَةٌ مَعْطُوفَةُ الرَّأْسِ يُعَلَّقُ عَلَيْهَا اللَّحْمُ، وَقِيلَ: الْكَلُّوبُ الَّذِي يَتَنَاوَلُ بِهِ الْحَدَّادُ الْحَدِيدَ مِنَ النَّارِ، كَذَا فِي كِتَابِ ابْنِ بَطَّالٍ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ التِّينِ: هُوَ الْمِعْقَفُ الَّذِي يُخْطَفُ بِهِ الشَّيْءُ. قَوْلُهُ: "شَوْكِ السَّعْدَانِ" هُوَ فِي أَرْضِ نَجْدٍ، وَهُوَ نَبْتٌ لَهُ شَوْكَةٌ عَظِيمَةٌ مِثْلُ الْحَسَكِ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ. قَوْلُهُ: "تَخْطَفُ" بِفَتْحِ الطَّاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا. قَوْلُهُ: "بِأَعْمَالِهِمْ" أَيْ: بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ أَوْ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ. قَوْلُهُ: "فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ" بِالْمِيمِ وَالنُّونِ مِنَ الْإِيمَانِ. قَوْلُهُ: "يَبْقَى بِعَمَلِهِ" مِنَ الْبَقَاءِ، وَيُرْوَى: يَقِي بِعَمَلِهِ مِنَ الْوِقَايَةِ وَيُرْوَى: يَعْنِي بِعَمَلِهِ، وَكَذَا فِي مُسْلِمٍ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَوْلُهُ: "فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ" رُوِيَ عَلَى ثَلَاثِ أَوْجُهٍ: "أَحَدُهَا" الْمُؤْمِنَ بَقِيَ بِعَمَلِهِ بِالْمِيمِ وَالنُّونِ وَبَقِيَ بِالْبَاءِ وَالْقَافِ. "وَالثَّانِي" الْمُوثَقُ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْقَافِ. "وَالثَّالِثُ" الْمُوبَقُ يَعْنِي بِعَمَلِهِ، فَالْمُوبَقُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ، وَيَعْنَى بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَبَعْدَهَا الْعَيْنُ ثُمَّ النُّونُ، قَالَ الْقَاضِي: هَذَا أَصَحُّهَا وَكَذَا قَالَ، وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ: هَذَا الثَّالِثُ هُوَ الصَّوَابُ، قَالَ: وَفِي "بَقِيَ" عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ضَبْطَانِ أَحَدَهُمَا بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالثَّانِي بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ مَنِ الْوِقَايَةِ. قَوْلُهُ: "أَوِ الْمُوبَقُ" بِالْوَاوِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ مِنْ وَبَقَ إِذَا هَلَكَ وُبُوقًا وَأَوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ أَهْلَكَتْهُ. قَوْلُهُ: "وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ" مِنْ خَرْدَلْتُ اللَّحْمَ فَصَلْتُهُ وَخَرْدَلْتُ الطَّعَامَ أَكَلْتُ خِيَارَهُ، قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: خَرْدَلْتُهُ صَرَعْتُهُ، وَهَذَا الْوَجْهُ يُوَافِقُ مَعْنَى الْحَدِيثِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيُقَالُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْضًا، وَالْجَرْدَلَةُ بِالْجِيمِ الْإِشْرَافُ عَلَى الْهَلَاكِ، وَهَذَا كُلُّهُ شَكٌّ مِنَ الرُّوَاةِ. قَوْلُهُ: "أَوِ الْمُجَازَى" بِالْجِيمِ وَالزَّايِ، وَفِي مُسْلِمٍ: وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى. قَوْلُهُ: "أَوْ نَحْوَهُ" هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيْضًا. قَوْلُهُ: "إِذَا فَرَغَ اللَّهُ" أَيْ: أَتَمَّ قَوْلَهُ مِمَّنْ يَشْهَدُ، قِيلَ: هَذَا تَكْرَارٌ لِقَوْلِهِ: لَا يُشْرِكُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ تَأْكِيدُ الْإِعْلَامِ بِأَنَّ تَعَلُّقَ إِرَادَةِ اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ لَيْسَ إِلَّا لِلْمُوَحِّدِينَ. قَوْلُهُ: "إِلَّا أَثَرُ السُّجُودِ" أَيْ: مَوْضِعُ أَثَرِ السُّجُودِ، وَهُوَ الْجَبْهَةُ، وَقِيلَ: الْأَعْظُمُ السَّبْعَةُ، قِيلَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ نَزَلَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، مَعَ أَنَّ الْكَيَّ غَيْرُ الْأَكْلِ. فَإِنْ قُلْتَ: ذَكَرَ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إِلَّا دَارَةَ الْوُجُوهِ، قُلْتُ: هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مَخْصُوصُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ بِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُمْ مَنِ النَّارِ إِلَّا دَارَةُ الْوُجُوهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَتَسْلَمُ جَمِيعُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ مِنْهُمْ؛ عَمَلًا بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَهَذَا الْحَدِيثُ عَامٌّ وَذَلِكَ خَاصٌّ، فَيُعْمَلُ بِالْعَامِّ إِلَّا مَا خُصَّ. قَوْلُهُ: "قَدِ امْتُحِشُوا" بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ، هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ مُتْقِنِي شُيُوخِهِ، قَالَ: وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الْخَطَابِيُّ وَالْهَرَوِيُّ، وَقَالَا فِي مَعْنَاهُ: احْتَرَقُوا، وَرُوِيَ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي الصِّحَاحِ: الْمَحْشُ إِحْرَاقُ النَّارِ الْجِلْدَ، وَفِيهِ لُغَةٌ: أَمْحَشَتْهُ النَّارُ، وَامْتَحَشَ الْجِلْدُ احْتَرَقَ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: امْتُحِشُوا ضَمَرُوا وَنَقَصُوا كَالْمُحْتَرِقِينَ. قَوْلُهُ: "الْحِبَّةُ" بِكَسْرِ الْحَاءِ بَزْرُ الْبُقُولِ وَالْعُشْبِ تَنْبُتُ فِي جَوَانِبِ السَّيْلِ وَالْبَرَارِي، وَجَمْعُهَا حِبَبٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ. قَوْلُهُ: "فِي حَمِيلِ السَّيْلِ" بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: مَا جَاءَ بِهِ السَّيْلُ مِنْ طِينٍ وَنَحْوِهِ، أَيْ: مَحْمُولِ السَّيْلِ، وَالتَّشْبِيهُ إِنَّمَا هُوَ فِي سُرْعَةِ النَّبَاتِ وَطَرَاوَتِهِ وَحُسْنِهِ. قَوْلُهُ: "قَدْ قَشَبَنِي" بِالْقَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَاتِ، أَيْ: آذَانِي وَأَهْلَكَنِي، هَكَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ غَيَّرَ جِلْدِي وَصُورَتِي. قَوْلُهُ: "ذَكَاؤُهَا" بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمَدِّ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَمَعْنَاهُ لَهَبُهَا وَاشْتِعَالُهَا وَشَدَّةُ لَفْحِهَا، وَالْأَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ مَقْصُورٌ، وَقِيلَ: الْقَصْرُ وَالْمَدُّ لُغَتَانِ، يُقَالُ: ذَكَتِ النَّارُ تَذْكُو ذَكَاءً إِذَا اشْتَعَلَتْ وَأَذْكَيْتُهَا أَنَا. قَوْلُهُ: "هَلْ عَسَيْتَ" بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَيُقَالُ: بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ بِالْكَسْرِ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الْأَفْصَحُ الْأَشْهَرُ فِي اللُّغَةِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: لَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ مُسْتَقْبَلٌ. قَوْلُهُ: "إِنْ أُعْطِيتَ" بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ. قَوْلُهُ: "ذَلِكَ" أَيْ: صَرْفَ وَجْهِكَ مِنَ النَّارِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ حَمْلِ السُّؤَالِ عَلَى الْمُخَاطَبِ; إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: أَنْتَ سُؤَالٌ; إِذِ السُّؤَالُ حَدَثٌ، وَهُوَ ذَاتُ، قُلْتُ: تَقْدِيرُهُ: أَنْتَ صَاحِبُ السُّؤَالِ، أَوْ عَسَى أَمْرُكَ سُؤَالَكَ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ "زَيْدٌ عَدْلٌ" أَوْ هُوَ بِمَعْنَى قَرُبَ، أَيْ: قَرُبَ مِنَ السُّؤَالِ، أَوْ أَنَّ الْفِعْلَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ عَنْ فَاعِلِهِ. قَوْلُهُ: "مَا أَغْدَرَكَ" فِعْلُ التَّعَجُّبِ مِنَ الْغَدْرِ وَهُوَ الْخِيَانَةُ وَتَرْكُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ. قَوْلُهُ: "انْفَهَقَتْ" مِنَ الِانْفِهَاقِ بِالْفَاءِ ثُمَّ الْقَافِ، وَهُوَ الِانْفِتَاحُ وَالِاتِّسَاعُ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: انْفَتَحَتْ وَاتَّسَعَتْ. قَوْلُهُ: "مِنَ الْحَبْرَةِ" بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: النِّعْمَةُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْحَبْرَةُ سَعَةُ الْعَيْشِ وَكَذَلِكَ الْحُبُورُ، وَفِي مُسْلِمٍ: فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ وَالْأُصُولِ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَ رُوَاةِ مُسْلِمٍ "الْحَبْرَ" بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَمَعْنَاهُ السُّرُورُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ: كِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالثَّانِي أَظْهَرُ. قَوْلُهُ: "لَا أَكُونَنَّ" بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ، هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: لَا أَكُونُ. قَوْلُهُ: "أَشْقَى خَلْقِكَ" قِيلَ: هُوَ لَيْسَ بِأَشْقَى; لِأَنَّهُ خَلَصَ مِنَ الْعَذَابِ وَزُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَشْقَى أَهْلِ التَّوْحِيدِ الَّذِينَ هُمْ أَبْنَاءُ جِنْسِهِ فِيهِ، وَيُقَالُ: أَشْقَى خَلْقِكَ الَّذِينَ لَمْ يَخْلُدُوا فِي النَّارِ. قَوْلُهُ: "حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ" الضَّحِكُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ، وَيُرَادُ لَازِمُهُ وَهُوَ الرِّضَا عَنْهُ وَمَحَبَّتُهُ إِيَّاهُ. قَوْلُهُ: "تَمَنَّهْ" الْهَاءُ فِيهِ لِلسَّكْتِ، وَهُوَ أَمْرٌ مِنْ تَمَنَّى يَتَمَنَّى. قَوْلُهُ: "وَيُذَكِّرُهُ " أَيْ: يُذَكِّرُ الْمُتَمَنَّى الْفُلَانِيَّ وَالْفُلَانِيَّ، يُسَمِّي لَهُ أَجْنَاسَ مَا يَتَمَنَّى، وَهَذَا مِنْ عَظِيمِ رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. قَوْلُهُ: "الْأَمَانِيُّ" جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وَيَجُوزُ فِي الْجَمْعِ التَّخْفِيفُ وَالتَّشْدِيدُ. قَوْلُهُ: "وَمِثْلُهُ مَعَهُ" أَيْ: وَمِثْلُ مَا أُعْطِيَ بِسُؤَالِهِ يُعْطَى أَيْضًا مِثْلَهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ رِوَايَتَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَ أَوَّلًا بِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ تَكَرَّمَ اللَّهُ فَزَادَ بِمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية