الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 7002 66 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا، ثُمَّ قَالَ: يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الْأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ. ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ الْيَوْمَ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا، قَالَ فَيَأْتِيهِمُ الْجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: السَّاقُ، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا الْجَسْرُ؟ قَالَ مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ، الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا، فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ، وَإِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِيمُ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ. وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ هُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمِصْرِيُّ، يَرْوِي عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ مِنَ الزِّيَادَةِ الْجُمَحِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ اللَّيْثِيِّ الْمَدَنِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ -ضِدِّ الْيَمِينِ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ. وَالْحَدِيثُ مَضَى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَوْلُهُ: "تُضَارُونَ" بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ: لَا يَلْحَقُكُمْ ضَرَرٌ وَلَا يُخَالِفُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلَا تَتَنَازَعُونَ، وَيُرْوَى بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: لَا تُضَارُّونَ أَحَدًا، فَتَسْكُنُ الرَّاءُ الْأُولَى وَتُدْغَمُ فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَحُذِفَ مَفْعُولُهُ لِبَيَانِ مَعْنَاهُ. قَوْلُهُ: "إِذَا كَانَتْ صَحْوًا" أَيْ: ذَاتَ صَحْوٍ، وَفِي الصِّحَاحِ: أَصَحَّتِ السَّمَاءُ انْقَشَعَ عَنْهَا الْغَيْمُ فَهِيَ مُصْحِيَةٌ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: فَهِيَ صَحْوٌ، وَلَا تَقُلْ مُصْحِيَةً. قَوْلُهُ: "إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ " بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَضَمِّهَا وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا. قَوْلُهُ: "وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ" وَفِي رِوَايَةٍ: "مَعَ إِلَهِهِمْ" بِالْإِفْرَادِ. قَوْلُهُ: "وَغُبَّرَاتٌ" بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: بَقَايَا، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: جَمْعُ غَابِرٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ جَمْعُ غُبَّرٍ، وَغُبَّرُ الشَّيْءِ بَقِيَّتُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْغُبَّرَاتُ جَمْعُ غُبَّرٍ، وَالْغُبَّرُ جَمْعُ غَابِرٍ. قَوْلُهُ: "كَأَنَّهَا سَرَابٌ" هُوَ الَّذِي يَتَرَاءَى لِلنَّاسِ فِي الْقَاعِ الْمُسْتَوِي وَسَطَ النَّهَارِ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ لَامِعًا، مِثْلَ الْمَاءِ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا. قَوْلُهُ: "عُزَيْرٌ" اسْمٌ مُنْصَرِفٌ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ الْعُجْمَةُ وَالْعَلَمِيَّةُ مِثْلَ نُوحٍ وَلُوطٍ. قَوْلُهُ: "فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ" قِيلَ: كَانُوا صَادِقِينَ فِي عِبَادَةِ عُزَيْرٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ كَذَبُوا فِي كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: الْمَرْجِعُ هُوَ الْحُكْمُ الْوَاقِعُ لَا الْمُشَارُ إِلَيْهِ فَالصِّدْقُ وَالْكَذِبُ رَاجِعَانِ إِلَى الْحُكْمِ بِالْعِبَادَةِ لَا إِلَى الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ ابْنًا. قُلْتُ: إِنَّ الْكَذِبَ رَاجِعٌ إِلَى الْحُكْمِ بِالْعِبَادَةِ الْمُقَيَّدَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ فِي الْوَاقِعِ بِاعْتِبَارِ انْتِفَاءِ قَيْدِهَا، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْقَضِيَّتَيْنِ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: عُزَيْرٌ هُوَ ابْنُ اللَّهِ وَنَحْنُ كُنَّا نَعْبُدُهُ فَكَذَّبَهُمْ فِي الْقَضِيَّةِ الْأُولَى. قَوْلُهُ: "فَيَتَسَاقَطُونَ" لِشِدَّةِ عَطَشِهِمْ وَإِفْرَاطِ حَرَارَتِهِمْ. قَوْلُهُ: "مَا يَحْبِسُكُمْ" بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الْحَبْسِ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَيْ: مَا يَمْنَعُكُمْ مِنَ الذَّهَابِ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ "مَا يُجْلِسُكُمْ" بِالْجِيمِ وَاللَّامِ مِنَ الْجُلُوسِ أَيْ: مَا يُقْعِدُكُمْ عَنِ الذَّهَابِ. قَوْلُهُ: "فَيَقُولُونَ فَارَقْنَاهُمْ" أَيِ: النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَكُنَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَحْوَجَ إِلَيْهِمْ مِنَّا فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ هُوَ الْمُفَضَّلُ وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ، لَكِنْ بِاعْتِبَارِ زَمَانَيْنِ أَيْ: نَحْنُ فَارَقْنَا أَقَارِبَنَا وَأَصْحَابَنَا مِمَّنْ كَانُوا يُحْتَاجُ إِلَيْهِمْ فِي الْمَعَاشِ; لُزُومًا لِطَاعَتِكَ وَمُقَاطَعَةً لِأَعْدَاءِ الدِّينِ، وَغَرَضُهُمْ مِنْهُ التَّضَرُّعُ إِلَى اللَّهِ فِي كَشْفِ هَذِهِ؛ خَوْفًا مِنَ الْمُصَاحَبَةِ مَعَهُمْ فِي النَّارِ، يَعْنِي كَمَا لَمْ نَكُنْ مُصَاحِبِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا لَا نَكُونُ مُصَاحِبِينَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ. قَوْلُهُ: "فِي صُورَةٍ" أَيْ: فِي صِفَةٍ، وَأَطْلَقَ الصُّورَةَ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِذِكْرِ الصُّورَةِ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ صُورَةً لَا كَالصُّوَرِ كَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَمَسَّكَتْ بِهِ الْمُجَسِّمَةُ فَأَثْبَتُوا لِلَّهِ صُورَةً، وَلَا حُجَّةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ وَضَعَهَا اللَّهُ لَهُمْ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ، كَمَا يُسَمَّى الدَّلِيلُ وَالْعَلَامَةُ صُورَةً. قَوْلُهُ: "غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ" قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى مَا عَرَفُوهُ حِينَ أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ، ثُمَّ أَنْسَاهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يُذَكِّرُهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ. قَوْلُهُ: "فَإِذَا رَأَيْنَا رَبَّنَا عَرَفْنَاهُ" قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنِ الْمُهَلَّبِ: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لَهُمْ مَلَكًا لِيَخْتَبِرَهُمْ فِي اعْتِقَادِ صِفَاتِ رَبِّهِمُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَإِذَا قَالَ لَهُمْ: "أَنَا رَبُّكُمْ" رَدُّوا عَلَيْهِ لِمَا رَأَوْا عَلَيْهِ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ، فَقَوْلُهُ: "فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ" أَيْ: إِذَا أُظْهِرَ لَنَا فِي مُلْكٍ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِهِ، وَعَظْمَتُهُ لَا تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: "هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: السَّاقُ" فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّ اللَّهَ عَرَّفَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُمْ عَلَامَةَ تَجْلِيَةِ السَّاقِ. قَوْلُهُ: "يُكْشَفُ" عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ سَاقِهِ فَسْرُ السَّاقِ بِالشِّدَّةِ أَيْ: يُكْشَفُ عَنْ شِدَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَمْرٍ مَهُولٍ، وَهَذَا مَثَلٌ تَضْرِبُهُ الْعَرَبُ لِشِدَّةِ الْأَمْرِ كَمَا يُقَالُ: قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ. وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ قَالَ: عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ النُّورُ الْعَظِيمُ، وَقِيلَ: هُوَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ: سَاقٌ مِنَ النَّاسِ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ مِنْ جَرَادٍ، وَقِيلَ: هُوَ سَاقٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ خَارِجًا عَنِ السُّوقِ الْمُعْتَادَةِ، وَقِيلَ: جَاءَ السَّاقُ بِمَعْنَى النَّفْسُ أَيْ: تَتَجَلَّى لَهُمْ ذَاتُهُ. قَوْلُهُ: "رِيَاءً" أَيْ: لِيَرَاهُ النَّاسُ. قَوْلُهُ: "وَسُمْعَةً" أَيْ: لِيَسْمَعَهُ النَّاسُ. قَوْلُهُ: "فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ" لَفْظَةُ كَيْ هُنَا بِمَنْزِلَةِ لَامِ التَّعْلِيلِ فِي الْمَعْنَى وَالْعَمَلِ، دَخَلَتْ عَلَى كَلِمَةِ مَا الْمَصْدَرِيَّةِ بَعْدَهَا أَنْ مُضْمِرَةٌ، تَقْدِيرُهُ: يَذْهَبُ لِأَجْلِ السُّجُودِ. قَوْلُهُ: "طَبَقًا وَاحِدًا " الطَّبَقُ فَقَارُ الظَّهْرِ أَيْ: صَارَ فَقَارَةً وَاحِدَةً كَالصَّفْحَةِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ، وَقِيلَ: الطَّبَقُ عَظْمٌ رَقِيقٌ يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ فَقَارَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ، وَالْمَانِعُونَ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَإِنَّمَا هُوَ خِزْيٌ وَتَوْبِيخٌ؛ إِذْ أَدْخَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِزَعْمِهِمْ فِي جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ السَّاجِدِينَ فِي الدُّنْيَا، وَعَلِمَ اللَّهُ مِنْهُمُ الرِّيَاءَ فِي سُجُودِهِمْ، فَدُعُوا فِي الْآخِرَةِ إِلَى السُّجُودِ كَمَا دُعِيَ الْمُؤْمِنُونَ الْمُحِقُّونَ فَيَتَعَذَّرُ السُّجُودُ عَلَيْهِمْ، وَتَعُودُ ظُهُورُهُمْ طَبَقًا وَاحِدًا، وَيُظْهِرُ اللَّهُ تَعَالَى نِفَاقَهُمْ، فَأَخْبَرُهُمْ وَأَوْقَعَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: "ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ" بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا حَكَاهُمَا ابْنُ السِّكِّيتِ وَالْجَوْهَرِيُّ. قَوْلُهُ: "مَدْحَضَةٌ" مَنْ دَحَضَتْ رِجْلُهُ دَحْضًا زَلِقَتْ، وَدَحَضَتِ الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ زَالَتْ، وَدَحَضَتْ حُجَّتُهُ بَطَلَتْ. قَوْلُهُ: "مَزِلَّةٌ" مِنْ زَلَّتِ الْأَقْدَامُ سَقَطَتْ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مَزِلَّةٌ بِكَسْرِ الزَّايِ وَفَتْحِهَا بِمَعْنَى الْمَزْلَقَةِ أَيْ: مَوْضِعٌ تَزْلَقُ فِيهِ الْأَقْدَامُ، وَمَدْحَضَةٌ أَيْ: مَحِلُّ مَيْلِ الشَّخْصِ وَهُمَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبَانِ. قَوْلُهُ: "خَطَاطِيفُ" جَمْعُ خُطَّافٍ بِالضَّمِّ وَهُوَ الْحَدِيدَةُ الْمُعْوَجَّةُ كَالْكَلُّوبِ يُخْتَطَفُ بِهَا الشَّيْءُ وَالْكَلَالِيبُ جَمْعُ كَلُّوبٍ، وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي. قَوْلُهُ: "وَحَسَكَةٌ" بِفَتَحَاتٍ وَهِيَ شَوْكَةٌ صُلْبَةٌ مَعْرُوفَةٌ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَغَيْرُهُ: الْحَسَكُ نَبَاتٌ لَهُ ثَمَرٌ خَشِنٌ يَتَعَلَّقُ بِأَصْوَافِ الْغَنَمِ، وَرُبَّمَا اتُّخِذَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيدٍ وَهُوَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحَسَكُ حَسَكُ السَّعْدَانِ، وَالْحَسَكَةُ مَا يُعْمَلُ مِنْ حَدِيدٍ عَلَى مِثَالِهِ. قَوْلُهُ: "مُفَلْطَحَةٌ" بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: عَرِيضَةٌ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ "مُطَلْفَحَةٌ" بِتَقْدِيمِ الطَّاءِ وَتَأْخِيرِ الْفَاءِ، وَاللَّامُ قَبْلَهَا، مِنْ طَلْفَحَهُ إِذَا أَرَّقَهُ، وَالطَّلَافِحُ الْعِرَاضُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ يَعْنِي "عَرِيضٌ" يُقَالُ: فَلْطَحَ الْقُرْصَ إِذَا بَسَطَهُ وَعَرَّضَهُ. قَوْلُهُ: "عُقَيْفَاءُ" بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبِالْفَاءِ مَمْدُودًا، وَيُرْوَى "عَقِيفَةٌ" عَلَى وَزْنِ كَرِيمَةٍ، وَهِيَ الْمُنْعَطِفَةُ الْمُعْوَجَّةُ. قَوْلُهُ: "الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا" أَيْ: يَمُرُّ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ -بِكَسْرِ الطَّاءِ وَهُوَ الْكَرِيمُ مِنَ الْخَيْلِ وَبِالْفَتْحِ الْبَصَرُ- يَعْنِي كَلَمْحِ الْبَصَرِ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ. قَوْلُهُ: "وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ" جَمْعُ الْأَجْوَادِ وَهُوَ جَمْعُ الْجَوَادِ، وَهُوَ فَرَسٌ بَيِّنُ الْجُودَةِ بِالضَّمِّ رَائِعٌ. قَوْلُهُ: "وَالرِّكَابِ" الْإِبِلِ، وَاحِدَتُهَا الرَّاحِلَةُ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهَا. قَوْلُهُ: "مُسَلَّمٌ" بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ. قَوْلُهُ: "مَخْدُوشٌ" أَيْ: مَخْمُوشٌ مَمْزُوقٌ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ مِنَ الْخَمْشِ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ، وَهُوَ تَمْزِيقُ الْوَجْهِ بِالْأَظَافِيرِ. قَوْلُهُ: "وَمَكْدُوسٌ" بِالْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ: مَصْرُوعٌ، وَيُرْوَى بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: مَدْفُوعٌ مَطْرُودٌ، وَيُرْوَى "مُكَرْدَسٌ" بِالْمُهْمَلَاتِ مِنْ كَرْدَسَتِ الدَّوَابُّ إِذَا رَكِبَ بَعْضُهَا بَعْضًا يَعْنِي أَنَّهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ مُسَلَّمٌ لَا يَنَالُهُ شَيْءٌ، وَقِسْمٌ يُخْدَشُ ثُمَّ يَسْلَمُ وَيَخْلُصُ، وَقِسْمٌ يَسْقُطُ فِي جَهَنَّمَ. قَوْلُهُ: "وَآخِرُهُمْ " أَيْ: آخِرُ النَّاجِينَ يُسْحَبُ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ. قَوْلُهُ: "فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً" أَيْ: مُطَالَبَةً. قَوْلُهُ: "قَدْ تَبَيَّنَ " جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. قَوْلُهُ: "مِنَ الْمُؤْمِنِ" صِلَةُ أَشَدَّ. قَوْلُهُ: "لِلْجَبَّارِ" وَقَوْلُهُ: "فِي إِخْوَانِهِمْ" كِلَاهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِمُنَاشَدَةٍ مُقَدَّرَةٍ أَيْ: لَيْسَ طَلَبُكُمْ مِنِّي فِي الدُّنْيَا فِي شَأْنِ حَقٍّ يَكُونُ ظَاهِرًا لَكُمْ أَشَدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ فِي شَأْنِ نَجَاةِ إِخْوَانِهِمْ مِنَ النَّارِ، وَالْغَرَضُ شِدَّةُ اعْتِنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِالشَّفَاعَةِ لِإِخْوَانِهِمْ. قَوْلُهُ: "فِي إِخْوَانِهِمْ" وَيُرْوَى "وَبَقِيَ إِخْوَانُهُمْ" فَإِنْ قُلْتَ: الْمُؤْمِنُ مُفْرَدٌ فَلِمَ جُمِعَ الضَّمِيرُ؟ قُلْتُ: بِاعْتِبَارِ الْجَمْعِ الْمُرَادِ مِنْ لَفْظِ الْجِنْسِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا رَأَى بِدُونِ الْوَاوِ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: "فِي إِخْوَانِهِمْ" مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ حُكْمًا، وَهَذَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: وَذَلِكَ إِذَا رَأَوْا نَجَاةَ أَنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ: "رَبَّنَا إِخْوَانُنَا" إِلَخْ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: "يَقُولُونَ" اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ، قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ حَلِّ التَّرْكِيبِ أَنَّهُ جَوَابُ إِذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: "فَأَخْرِجُوهُ " صِيغَةُ أَمْرٍ لِلْجَمَاعَةِ، قَوْلُهُ: "فَيُخْرِجُونَ" بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِخْرَاجِ قَوْلُهُ: "مَنْ عَرَفُوا" مَفْعُولُهُ، وَكَذَلِكَ الْبَوَاقِي قَوْلُهُ: "ذَرَّةٍ" بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ سُئِلَ ثَعْلَبٌ عَنْهَا فَقَالَ: إِنَّ مِائَةَ نَمْلَةٍ وَزْنُ حَبَّةٍ، وَالذَّرَّةُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، وَقِيلَ: الذَّرَّةُ لَيْسَ لَهَا وَزْنٌ، وَيُرَادُ بِهَا مَا يُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ الدَّاخِلِ فِي النَّافِذَةِ. قَوْلُهُ: "قَالَ أَبُو سَعِيدٍ" هُوَ الْخُدْرِيُّ رَاوِي الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: "بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ" الْأَفْوَاهُ جَمْعُ فُوَّهَةٍ بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، وَأَفْوَاهُ الْأَزِقَّةِ وَالْأَنْهَارِ أَوَائِلُهَا، وَالْمُرَادُ مُفْتَتَحُ مَسَالِكِ قُصُورِ الْجَنَّةِ. قَوْلُهُ: "فِي حَافَتَيْهِ" تَثْنِيَةُ حَافَةٍ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَهِيَ الْجَانِبُ. قَوْلُهُ: "الْخَوَاتِيمُ" أَرَادَ أَشْيَاءَ مِنَ الذَّهَبِ تُعَلَّقُ فِي أَعْنَاقِهِمْ كَالْخَوَاتِيمِ عَلَامَةً يُعْرَفُونَ بِهَا، وَهُمْ كَاللَّآلِئِ فِي صَفَائِهِمْ. قَوْلُهُ: "بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ " أَيْ: فِي الدُّنْيَا، "وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ" فِي الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ، أَرَادَ مُجَرَّدَ الْإِيمَانِ دُونَ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْخَيْرَاتِ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ شَفَاعَةَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَ لَهُ طَاعَةٌ غَيْرُ الْإِيمَانِ الَّذِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية