الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                جزء صفحة
                                صحيح البخاري ثُمَّ قَالَ: 885 927 - ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ - هُوَ: الْوَرَّاقُ -، نَا ابْنُ الْغَسِيلِ - وَاسْمُهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ -، نَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمِنْبَرَ - وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ - مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبِهِ، قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " -أَيُّهَا النَّاسُ-، إِلَيَّ "، فَثَابُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ يَقِلُّونَ وَيَكْثُرُ النَّاسُ، فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ ". فتح الباري لابن رجب وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخَرُ. وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي " الْمَغَازِي " حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ بِطُولِهَا، وَفِيهِ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا " - الْحَدِيثَ. وَخَرَّجَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَيْسَ فِيهِ: " أَمَّا بَعْدُ ". وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ ، قَالَ: " كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَتَاهُ قَوْمٌ مُجْتَابِيِ النِّمَارِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ صَعِدَ مِنْبَرًا صَغِيرًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ. وَخَرَّجَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، لَيْسَ فِيهَا لَفْظَةُ: " أَمَّا بَعْدُ ". وَخَرَّجَ - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ، إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يَدَيَّ مَنْ يَشَاءُ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ ". فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّ الْخُطَبَ كُلَّهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ لِلْجُمْعَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جُلُوسٍ أَوْ قِيَامٍ، فَإِنَّهَا تُبْتَدَأُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ مِنْ مَوْعِظَةٍ أَوْ ذِكْرٍ حَاجَةً يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهَا، وَيَفْصِلُ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، وَبَيْنَ مَا بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: أَمَّا بَعْدُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ دَاوُدُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ كِتَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَىهِرَقْلَ : " أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ ". وَالْمَعْنَى فِي الْفَصْلِ بِأَمَّا بَعْدُ: الْإِشْعَارُ بِأَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا وَإِنْ جَلَّتْ وَعَظُمَتْ فَهِيَ تَابِعَةٌ لِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَذَاكَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْإِضَافَةِ، وَجَمِيعُ الْمُهِمَّاتِ تَبَعٌ لَهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يَبْدَأُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ "، وَفِي رِوَايَةٍ: " أَجْذَمُ ". خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَدْ رُوِيَ مُرْسَلًا. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَلَامِ، وَالْكَلَامُ كُلُّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ وَتَبَعٌ لَهُ. وَلَا يُسْتَثْنَى مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْخُطَبِ إِلَّا خُطْبَةَ الْعِيدِ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا تُسْتَفْتَحُ بِالتَّكْبِيرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، أَنَّهُ اسْتَفْتَحَ خُطْبَتَيِ الْعِيدَيْنِ بِالْحَمْدِ، ثُمَّ كَبَّرَ بَعْدَ الْحَمْدِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَكَذَا قِيلَ فِي خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: تُسْتَفْتَحُ بِالْحَمْدِ - أَيْضًا. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْخُطَبَ كُلَّهَا تُسْتَفْتَحُ بِالْحَمْدِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنَّمَا التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدِ يَكُونُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَلَيْسَ مِنْهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ . وَكَذَا ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ إِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْخُطْبَةِ، فَإِذَا قَامَ اسْتَفْتَحَ الْخُطْبَةَ بِالْحَمْدِ. وَذَكَرُوا قَوْلَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ : يُكَبِّرُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ تِسْعًا، وَبَعْدَهَا سَبْعًا. فَأَمَّا خُطْبَةُ الْجُمْعَةِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تُسْتَفْتَحُ بِالْحَمْدِ. وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: " صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ "، وَيَقُولُ " بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ "، وَيَقْرِنُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ: السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: " أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ "، ثُمَّ يَقُولُ: " أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ ". وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ - أَيْضًا - بِهَذَا الْإِسْنَادِ: كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الْجُمْعَةِ، يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ - أَيْضًا -: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَخْطُبُ النَّاسَ، يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: " مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ "، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْمُرُ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ لِكُلِّ مَنْ لَهُ حَاجَةٌ، أَنْ يَبْدَأَ بِهَا قَبْلَ ذِكْرِ حَاجَتِهِ، كَمَا خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خُطْبَةَ الْحَاجَةِ: " إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا "، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا إِلَى قَوْلِهِ: فَوْزًا عَظِيمًا وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ "، بِغَيْرِ " إِنَّ "، وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: " فِي خُطْبَةِ الْحَاجَةِ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ ". وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا " - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: زِيَادَةُ: " وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ". وَحَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ: ابْنُ خِرَاشٍ وَغَيْرُهُ. وَخَرَّجَ النَّسَائِيُّ فِي " الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَصِلَ خُطْبَتَكَ بِآيٍ مِنَ الْقُرْآنِ " - فَذَكَرَ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِحَاجَتِهِ ". وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَشَهَّدَ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ " - فَذَكَرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، زَادَ فِيهِ - بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " -: " أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا ". وَرَوَى أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَخْطُبُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ فَقَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ " - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ فِي " مَرَاسِيلِهِ " مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ تَشَهُّدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الْجُمْعَةِ؟ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : " إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ فَقَدْ غَوَى، نَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يُطِيعُهُ، وَيُطِيعُ رَسُولَهُ، وَيَتَّبِعُ رِضْوَانَهُ، وَيَجْتَنِبُ سُخْطَهُ؛ فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ وَلَهُ ". وَخَرَّجَهُ فِي " السُّنَنِ " مُخْتَصَرًا. وَخَرَّجَهُ فِي " الْمَرَاسِيلِ " - أَيْضًا - مِنْ رِوَايَةِ عَقِيلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ: كَانَ صَدْرُ خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ " - فَذَكَرَهُ بِمِثْلِهِ. وَمِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا خَطَبَ: " كُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، لَا بُعْدَ لِمَا هُوَ آتٍ، لَا يُعَجِّلُ اللَّهُ فَيُعَجِّلُهُ أَحَدٌ، وَلَا يَخِفُّ لِأَمْرِ النَّاسِ، مَا شَاءَ اللَّهُ لَا مَا شَاءَ النَّاسُ، يُرِيدُ النَّاسُ أَمْرًا، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَمْرًا، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَلَوْ كَرِهَ النَّاسُ، وَلَا مُبْعِدَ لِمَا قَرَّبَ اللَّهُ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَعَّدَ اللَّهُ، لَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ". وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَكْثَرَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: " اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ". وَفِي خُطَبِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحَادِيثُ أُخَرُ مُرْسَلَةٌ، يَطُولُ ذِكْرُهَا. فَظَهَرَ بِهَذَا: أَنَّ خُطْبَةَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَتْ تَشْتَمِلُ عَلَى حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَعَلَى الشَّهَادَةِ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَلِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةِ. وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: " كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ ". وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعِظُ النَّاسَ وَيُذَكِّرُهُمْ بِاللَّهِ وَبِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَتَفَرُّدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْمَشِيئَةِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى تَقْوَاهُ وَطَاعَتِهِ. وَكَانَ - غَالِبًا - يَفْصِلُ بَيْنَ التَّحْمِيدِ وَتَوَابِعِهِ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْوَعْظِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِقَوْلِهِ: " أَمَّا بَعْدُ ". وَكَانَ - أَيْضًا - يَتْلُو مِنَ الْقُرْآنِ فِي خُطْبَتِهِ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ "، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ "، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقْرَأُ كُلَّ جُمْعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَفِيهِ - أَيْضًا - عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَتْ لَهُ خُطْبَتَانِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ. وَخَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَلَفْظُهُ: " كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، وَيَقْرَأُ آيَاتٍ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ ". وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ: " الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ وَالذِّكْرُ فِيهَا ". وَخَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلَفْظُهُ: " ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ آيَاتٍ ". فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَحْفُوظًا فَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا بَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ . وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا يَدُلُّ عَلَى مِثْلِهِ - أَيْضًا. وَفِي الْقِرَاءَةِ فِي الْخُطْبَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ : حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ - وَهُوَ: حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ - عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَكُنْ يَدَعُ قِرَاءَةَ سُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ. خَرَّجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ . فَإِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فَيَكُونُ مَقْصُودُهُ: الْأَمْرَ بِالِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ وَالْمَوْعِظَةِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : أَجْمَعُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي الْخُطْبَةِ. وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَأْمُرُ فِي خُطْبَتِهِ بِالْإِنْصَاتِ؛ وَلِهَذَا اعْتَادَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ أَنْ يَذْكُرُوا قَبْلَ الْخُطْبَةِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ بِصَوْتٍ عَالٍ يُسْمِعُ النَّاسَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مُقْتَصِدًا فِي خُطْبَتِهِ وَلَا يُطِيلُهَا، بَلْ كَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ . وَخَرَّجَ - أَيْضًا - مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قَالَ: " إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ؛ فَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا ". وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى نَفْسِهِ فِي الْخُطْبَةِ، بَلْ كَانَ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ؛ وَلَكِنْ رُوِيَ عَنْهُ الْأَمْرُ بِالْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةِ الْجُمْعَةِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مَعْرُوضَةٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ، رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَخْنَسِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ: أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْمَدِينَةِ ، أَنْ قَامَ فِيهِمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، --أَيُّهَا النَّاسُ--، فَقُدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، تَعْلَمُنَّ وَاللَّهِ، لَيُصْعَقَنَّ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ رَبُّهُ - لَيْسَ لَهُ تُرْجُمَانٌ، وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ -: أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولِي، فَيُبَلِّغُكَ، وَآتَيْتُكَ مَالًا، وَأَفْضَلْتُ، فَمَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ فَيَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمَّ يَنْظُرُ قُدَّامَهُ، فَلَا يَرَى غَيْرَ جَهَنَّمَ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ؟ فَإِنَّ بِهَا تُجْزَى الْحَسَنَةُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ ". فَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ حَسَنٌ مُتَأَكِّدُ الِاسْتِحْبَابِ، لَكِنْ لَا يَظْهَرُ أَنَّهُ تَبْطُلُ الْخُطْبَةُ بِتَرْكِهِ، بَلِ الْوَاجِبُ الشَّهَادَتَانِ مَعَ الْحَمْدِ وَالْمَوْعِظَةِ. وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْخُطْبَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ . وَحُكِيَ عَنْهُ رِوَايَةٌ، أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى إِيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْوَاجِبُ الشَّهَادَةُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ. وَفِي وُجُوبِ ذَلِكَ كُلِّهِ - فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخُطْبَتَيْنِ - نَظَرٌ، وَالْأَشْهَرُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وُجُوبُهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيُّ : أَنَّ الْمَوْعِظَةَ تَكُونُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ. وَلِأَصْحَابِنَا وَجْهٌ فِي الْقِرَاءَةِ، أَنَّهَا تَجِبُ فِي إِحْدَى الْخُطْبَتَيْنِ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ : مَا نَقْلُهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَيُكَبِّرُ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيَحْمَدُ اللَّهَ، تَكُونُ خُطْبَةً؟ وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ أَصْحَابَ ابْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُونَ: إِذَا كَبَّرَ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَحَمِدَ اللَّهَ، تَكُونُ خُطْبَةً؟ قَالَ: لَا تَكُونُ خُطْبَةً، إِلَّا كَمَا خَطَبَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْ خُطْبَةً تَامَّةً. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ مَوْعِظَةٍ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا خَطَبَ وَعَظَ فَأَنْذَرَ وَحَذَّرَ النَّاسَ. فَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: لَا تَكُونُ خُطْبَةً إِلَّا كَمَا خَطَبَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ: لَا يَصِحُّ......

                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                الخدمات العلمية