الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        جزء صفحة
                                                                                        كنز الدقائق ( قَوْلُهُ وَحَلَّ تَزَوُّجُ الْكِتَابِيَّةِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } أَيْ الْعَفَائِفُ عَنْ الزِّنَا بَيَانًا لِلنَّدْبِ لَا أَنَّ الْعِفَّةَ فِيهِنَّ شَرْطٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ ; لِأَنَّهَا مُشْرِكَةٌ ; لِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا وَحَمْلُ الْمُحْصَنَاتِ فِي الْآيَةِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُنَّ وَلِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُشْرِكَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِلْعَطْفِ فِي قَوْله تَعَالَى { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ } وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَفِي قَوْله تَعَالَى { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } وَفِي التَّبْيِينِ ثُمَّ كُلُّ مَنْ يَعْتَقِدُ دِينًا سَمَاوِيًّا وَلَهُ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ كَصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَتَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ وَأَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا عَدَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا تَلَوْنَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْكِتَابِيُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِنَبِيٍّ وَيُقِرُّ بِكِتَابٍ وَالسَّامِرِيَّةُ مِنْ الْيَهُودِ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْكِتَابِيَّةَ هُنَا وَقَيَّدَهَا فِي الْمُسْتَصْفَى بِقَوْلِهِ : قَالُوا هَذَا يَعْنِي الْحِلَّ إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ الْمَسِيحَ إلَهًا ، أَمَّا إذَا اعْتَقَدَهُ فَلَا ، وَيُوَافِقُهُ مَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ أَنْ لَا يَأْكُلُوا ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ إذَا اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَسِيحَ إلَهٌ وَأَنَّ عُزَيْرًا إلَهٌ وَلَا يَتَزَوَّجُوا نِسَاءَهُمْ قِيلَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلَكِنْ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلَائِلِ يَنْبَغِي أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ وَالتَّزَوُّجُ . ا هـ . وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِطْلَاقُ لِمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ ذَبِيحَةَ النَّصْرَانِيِّ حَلَالٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ قَالَ بِثَالِثِ ثَلَاثَةٍ أَوْ لَا لِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ هُنَا ، وَالدَّلِيلُ وَرَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ طَائِفَتَانِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى انْقَرَضُوا لَا كُلُّهُمْ مَعَ أَنَّ مُطْلَقَ لَفْظِ الْمُشْرِكِ إذَا ذُكِرَ فِي لِسَانِ أَهْلِ الشَّرْعِ لَا يَنْصَرِفُ إلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنْ صَحَّ لُغَةً فِي طَائِفَةٍ أَوْ طَوَائِفَ لِمَا عُهِدَ مِنْ إرَادَتِهِ بِهِ مَنْ عَبَدَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ لَا يَدَّعِي اتِّبَاعَ نَبِيٍّ وَكِتَابٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ ، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكِ يَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ اسْمَ الْمُشْرِكِ مُطْلَقًا لَا يَتَنَاوَلُهُ لِلْعَطْفِ فِي الْآيَةِ . ثُمَّ الْمُشْرِكُ ثَلَاثَةٌ : مُشْرِكٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، وَمُشْرِكٌ بَاطِنًا لَا ظَاهِرًا كَالْمُنَافِقِينَ وَمُشْرِكٌ مَعْنًى كَأَهْلِ الْكِتَابِ ، فَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { عَمَّا يُشْرِكُونَ } الْمُرَادُ مُطْلَقُ الشِّرْكِ ، وَكَذَا فِي قَوْله تَعَالَى { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْكُفَّارِ وَفِي قَوْلِهِ { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ } الْمُرَادُ بِهِ الْمُشْرِكُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَهُوَ الْوَثَنِيُّ فَلَا يَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ ا هـ . وَأَطْلَقَهُ أَيْضًا فَشَمِلَ الْكِتَابِيَّةَ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ . وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى حِلِّ الْحُرَّةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي حِلِّ الْأَمَةِ كَمَا سَيَأْتِي هَذَا ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً وَلَا يَأْكُلَ ذَبَائِحَهُمْ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَفِي الْمُحِيطِ يُكْرَهُ تَزَوُّجُ الْكِتَابِيَّةِ الْحَرْبِيَّةِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَيَنْشَأُ عَلَى طَبَائِعِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَيَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِهِمْ فَلَا يَسْتَطِيعُ الْمُسْلِمُ قَلْعَهُ عَنْ تِلْكَ الْعَادَةِ . ا هـ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ ; لِأَنَّ التَّحْرِيمِيَّةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ نَهْيٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ ; لِأَنَّهَا فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ وَفِي الْخَانِيَّةِ تَزَوُّجُ الْحَرْبِيَّةِ مَكْرُوهٌ فَإِنْ خَرَجَ بِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَقِيَ النِّكَاحُ ا هـ . وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ يَحِلُّ وَطْءُ الْكِتَابِيَّةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْكِتَابِيَّةَ إذَا تَمَجَّسَتْ فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا مِنْ الْمُسْلِمِ بِخِلَافِ الْيَهُودِيَّةِ إذَا تَنَصَّرَتْ أَوْ عَكْسُهُ . وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ لِلْمُسْلِمِ مَنْعَ الذِّمِّيَّةِ إذَا تَزَوَّجَهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ وَلَيْسَ لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ مِنْ فَصْلِ الْجِزْيَةِ مِنْ السِّيَرِ : مُسْلِمٌ لَهُ امْرَأَةٌ ذِمِّيَّةٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ ; لِأَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ حَلَالٌ عِنْدَهَا وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا عَنْ اتِّخَاذِ الْخَمْرِ فِي الْمَنْزِلِ ا هـ . وَهُوَ مُشْكِلٌ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا عِنْدَهَا لَكِنَّ رَائِحَتَهَا تَضُرُّهُ فَلَهُ مَنْعُهَا كَمَنْعِ الْمُسْلِمَةِ مِنْ أَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ ، وَلِذَا قَالَ الْكَرْكِيُّ فِي الْفَيْضِ قُبَيْلَ بَابِ التَّيَمُّمِ : إنَّ الْمُسْلِمَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ الذِّمِّيَّةَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ كَالْمُسْلِمَةِ لَوْ أَكَلَتْ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَكَانَ زَوْجُهَا يَكْرَهُ ذَلِكَ ، لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا ا هـ . وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ كَمَا لَا يَخْفَى . البحر الرائق ( قَوْلُهُ كَمَنْعِ الْمُسْلِمَةِ مِنْ أَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ ) مُفَادُهُ أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ شُرْبِ الدُّخَانِ الْمَشْهُورِ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَيْثُ كَانَ يَضُرُّهُ .

                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                        الخدمات العلمية