الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                                                                                          قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا [قَالَ الْبُخَارِيُّ ] : بَابُ الْخُطْبَةِ قَائِمًا: وَقَالَ أَنَسٌ : بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ قَائِمًا . حَدِيثُ أَنَسٍ ، هُوَ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الِاسْتِسْقَاءِ فِي الْجُمْعَةِ، وَسَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فِيمَا بَعْدُ . حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ: نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ : نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ كَمَا يَفْعَلُونَ الْآنَ . وَفِي الْخُطْبَةِ قَائِمًا أَحَادِيثُ أُخَرُ . وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سِمَاكٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدَ - وَاللَّهِ - صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ . وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انْظُرُوا الْخَبِيثَ، يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا . وَخَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا؟ قَالَ: أَمَا تَقْرَأُ: وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ؟ وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ . لَكِنْ رُوِيَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ مِنْ قَوْلِهِ . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مُنْقَطِعًا . وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: ابْنُ سِيرِينَ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . وَإِنَّمَا احْتَاجُوا إِلَى السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ مَنْ يَخْطُبُ جَالِسًا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنَ جَلَسَ مُعَاوِيَةُ -: قَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَطَاوُسٌ . وَقَالَ طَاوُسٌ : الْجُلُوسُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ بِدْعَةٌ . وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَخْطُبُونَ قِيَامًا، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا رَقَّ وَكَبُرَ كَانَ يَخْطُبُ، فَيُدْرِكُهُ مَا يُدْرِكُ الْكَبِيرَ فَيَسْتَرِيحُ وَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُتِمُّ خُطْبَتَهُ . خَرَّجَهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ . وَخَرَّجَ - أَيْضًا - مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّهُ قَالَ; أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ فِي الْخُطْبَةِ جُلُوسًا عُثْمَانُ ، حِينَ كَبُرَ وَأَخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ جَلَسَ هُنَيَّةً . قِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَ يَخْطُبُ عُمَرُ إِذَا جَلَسَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ الْخُطْبَةَ الْأُولَى جَالِسًا . وَيَقُومُ فِي الثَّانِيَةِ . خَرَّجَهُ ابْنُ سَعْدٍ . وَالظَّنُّ بِهِ أَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ بَلَغَتْهُ كَانَ أَتْبَعَ النَّاسِ لَهَا . وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ; فَإِنَّ الْأَثْرَمَ حَكَى: أَنَّ الْهَيْثَمَ بْنَ خَارِجَةَ قَالَ لِأَحْمَدَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَجْلِسُ فِي خُطْبَتِهِ؟ قَالَ: فَظَهَرَ مِنْهُ إِنْكَارٌ لِذَلِكَ . وَرِوَايَةُ ابْنِ سَعْدٍ لَهُ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، وَهُوَ لَا يُعْتَمَدُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - أَيْضًا - الْجُلُوسُ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى - أَيْضًا . خَرَّجَهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْخُطْبَةِ جَالِسًا: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَحَكَى رِوَايَتَهُ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا قَائِمًا لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ . وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ; فَإِنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى أَنَّهَا تَصِحُّ مِنَ الْجَالِسِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، مَعَ الْكَرَاهَةِ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَقَوْلُ إِسْحَاقَ - أَيْضًا . * * * [قَالَ الْبُخَارِيُّ ] : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو : ثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ : ثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رُجَلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا وَخَرَّجَهُ فِي "التَّفْسِيرِ"، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ: ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ - وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ - فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ . وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: مُتَابَعَةُ أَبِي سُفْيَانَ لِسَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ جَابِرٍ ، وَإِنَّمَا خَرَّجَ لِأَبِي سُفْيَانَ مُتَابَعَةً . وَقَدْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ بِالْوَجْهَيْنِ - أَيْضًا . وَفِي أَكْثَرِ رِوَايَاتِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ - فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رُجَلًا، أَنَا فِيهِمْ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ - أَيْضًا -: فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - . وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي خَرَّجَهَا الْبُخَارِيُّ : بَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُمُ انْفَضُّوا عَنْهُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ، إِنَّمَا أَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ لِلصَّلَاةِ، فَانْفَضُّوا وَتَرَكُوهُ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، لَمَّا قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا وَكَذَلِكَ اسْتِدْلَالُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَخَلْقٍ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْآيَةِ عَلَى الْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حُصَيْنٍ، فَقَالَ فِيهِ: فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعُونَ رُجَلًا، أَنَا فِيهِمْ . خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ . وَعَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، لَيْسَ بِالْحَافِظِ، فَلَا يُقْبَلُ تَفَرُّدُهُ بِمَا يُخَالِفُ الثِّقَاتِ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ وَخَلْقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ النَّاسَ إِذَا نَفَرُوا عَنِ الْإِمَامِ وَهُوَ يَخْطُبُ لِلْجُمْعَةِ، وَصَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَنْ بَقِيَ، جَازَ ذَلِكَ، وَصَحَّتْ جُمْعَتُهُمْ . وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَهُوَ: الْعَدَدُ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمْعَةُ؟ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَنْعَقِدُ الْجُمْعَةُ بِدُونِ أَرْبَعِينَ رُجَلًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ - وَإِسْحَاقَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَنْعَقِدُ بِخَمْسِينَ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - أَيْضًا - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ، مِنْهُمُ: ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَحُكِيَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ - فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا - وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ - فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا - وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ . وَحُكِيَ قَوْلًا قَدِيمًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَاهُ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُعْتَبَرُ أَرْبَعُونَ فِي الْأَمْصَارِ وَثَلَاثَةٌ فِي الْقُرَى، وَحُكِيَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، صَحَّحَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَنْعَقِدُ بِسَبْعَةٍ، وَحُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَنْعَقِدُ بِاثْنَيْ عَشَرَ رُجَلًا، حُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ . وَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ : إِنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ أَوَّلَ مَا جَمَّعَ بِهِمْ بِالْمَدِينَةِ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رُجَلًا . وَتَعَلَّقَ بَعْضُهُمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمُخَرَّجِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَقَالَ طَائِفَةٌ: تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِمَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ رَجُلَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَأَبِي ثَوْرٍ - فِي رِوَايَةٍ - وَدَاوُدَ، وَحُكِيَ عَنْ مَكْحُولٍ . وَتَعَلَّقَ الْقَائِلُونَ بِالْأَرْبَعِينَ بِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جَمَّعَ بِهِمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ، كَانُوا أَرْبَعِينَ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ "كِتَابِ الْجُمُعَةِ" . وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ: أَنَّ الْجُمُعَةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةٌ وَأَكْثَرُ مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا وَمِمَّنْ أَسْلَمَ بِهَا . ثُمَّ لَمْ يُصَلُّوا كَذَلِكَ حَتَّى كَمُلَ الْعَدَدُ أَرْبَعِينَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى أَقَلَّ مِنْهُمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ خِلَافَهُ عَنْ أَحْمَدَ فِي اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِينَ . قَالَ: وَإِنَّمَا يُحْكَى عَنْ غَيْرِهِ، أَنَّهُ قَالَ بِثَلَاثَةٍ، وَبِأَرْبَعَةٍ، وَبِسَبْعَةٍ، وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْخَلَّالُ هُوَ الْأَظْهَرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي عَدَدِ الْجُمُعَةِ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ، لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ، فَلَا مَعْنًى لِذِكْرِهَا . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا الْأَصْلُ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْجُمُعَةَ تَنْعَقِدُ بِاثْنَيْ عَشَرَ رُجَلًا أَوْ بِدُونِهِمْ، فَلَا إِشْكَالَ عِنْدَهُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ جَابِرٍ ; فَإِنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ، وَصَحَّتْ جُمْعْتُهُمْ . وَمَنْ قَالَ: لَا تَصِحُّ الْجُمْعَةُ بِدُونِ أَرْبَعِينَ، فَإِنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرٍ . وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُمُ انْفَضُّوا وَهُوَ فِي الْخُطْبَةِ . قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ رَجَعُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، أَوْ رَجَعَ مَنْ تَمَّ بِهِ الْأَرْبَعُونَ، فَجَمَّعَ بِهِمْ . قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمُ انْفَضُّوا ابْتِدَاءً سِوَى اثْنَيْ عَشَرَ رُجَلًا، ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمْ تَمَامُ أَرْبَعِينَ، فَجَمَّعَ بِهِمْ، وَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ وَسَائِرِ الرِّوَايَاتِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ بَعِيدٌ، وَرِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ غَلَطٌ مَحْضٌ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا . وَسَلَكَ طَائِفَةٌ مَسْلَكًا آخَرَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ هَاهُنَا وَتَبْوِيبُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ . وَهُوَ: أَنَّ انْفِضَاضَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ قَدِ افْتَتَحَ بِهِمُ الْجُمُعَةَ بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَأَتَمَّ بِهِمْ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ" فَإِنَّ الِاسْتِدَامَةَ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ . وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ - فِي الْقَدِيمِ - وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِنَا . وَعَلَى هَذَا، فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ; لِأَنَّ أَصْلَ الْجَمَاعَةِ تَنْعَقِدُ بِذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ اثْنَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَحُكِيَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ . وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِنْ بَقِيَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رُجَلًا جَمَّعَ بِهِمْ وَإِلَّا فَلَا; لِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرٍ . وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِنَا . وَلِأَصْحَابِنَا وَجْهٌ آخَرُ: يُتِمُّهَا الْإِمَامُ جُمُعَةً، وَلَوْ بَقِيَ وَحْدَهُ . وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا . وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ انْفِضَاضُهُمْ قَبْلَ تَمَامِ رَكْعَةٍ فَلَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ وَيُصَلُّونَ ظُهْرًا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَمَامِ رَكْعَةٍ فَيُتِمُّونَهَا جُمْعَةً . وَوَافَقَهُ الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِنَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنِ انْفَضُّوا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ فِي الْأُولَى فَلَا جُمُعَةَ لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَجَدَ فِيهَا سَجْدَةً أَتَمُّوهَا جُمْعَةً . وَقَالَ صَاحِبَاهُ: بَلْ يُتِمُّونَهَا جُمْعَةً بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوِ انْفَضُّوا عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - فِي الْجَدِيدِ - وَأَحْمَدَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ : أَنَّهُ لَا جُمْعَةَ لَهُمْ، حَتَّى يَكْمُلَ الْعَدَدُ فِي مَجْمُوعِ الصَّلَاةِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ وَجَدْتُ جَوَابًا آخَرَ عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَهُوَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَدْ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَانْفَضُّوا عَنْهُ فِي خُطْبَتِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ قَدَّمَ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ عَلَى صَلَاتِهَا . فَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ فِي "مَرَاسِيلِهِ " بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْجُمُعَةَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ مِثْلَ الْعِيدِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ، وَقَدْ صَلَّى الْجُمْعَةَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ قَدْ قَدِمَ بِتِجَارَتِهِ - وَكَانَ دِحْيَةٌ إِذَا قَدِمَ تَلَقَّاهُ أَهْلُهُ بِالدِّفَافِ -، فَخَرَجَ النَّاسُ، لَمْ يَظُنُّوا إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي تَرْكِ الْخُطْبَةِ شَيْءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا فَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ . وَهَذَا الْجَوَابُ أَحْسَنُ مِمَّا قَبْلَهُ . وَمَنْ ظَنَّ بِالصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ تَرَكُوا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ دُخُولِهِمْ مَعَهُ فِيهَا، ثُمَّ خَرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رُجَلًا، فَقَدْ أَسَاءَ بِهِمُ الظَّنَّ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى .

                                                                                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية