الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                                                                                          سُورَةُ الصَّفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ لَمَّا حَاسَبَ الْمُتَّقُونَ أَنْفُسَهُمْ خَافُوا مِنْ عَاقِبَةِ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ . قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ . فَقَالَ لَهُ: إِنْ لَمْ تَخْشَ أَنْ تَفْضَحَكَ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فَافْعَلْ، وَإِلَّا فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ تَلاَ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَقَوْلَهُ تَعَالَى: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ وَقَوْلَهُ حِكَايَةً عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ قَالَ النَّخَعِيُّ : كَانُوا يَكْرَهُونَ الْقَصَصَ; لِهَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ . قِيلَ لِمُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ: أَلَا تَعِظُ أَصْحَابَكَ؟ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَفْعَلُ . تَقَدَّمَ بَعْضُ التَّابِعِينَ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ إِمَامًا، فَالْتَفَتَ إِلَى الْمَأْمُومِينَ يُعَدِّلُ الصُّفُوفَ، وَقَالَ: اسْتَوُوا، فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَمَّا قُلْتُ لَهُمْ: اسْتَقِيمُوا، فَكَّرْتُ فِي نَفْسِي، فَقُلْتُ لَهَا: فَأَنْتِ، هَلِ اسْتَقَمْتِ مَعَ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ؟ مَا كُلُّ مَنْ وَصَفَ الدَّوَاءَ يَسْتَعْمِلُهُ . وَلَا كُلُّ مَنْ وَصَفَ التُّقَى ذُو تُقَى وَصَفْتُ التُّقَى حَتَّى كَأَنِّي ذُو تُقًى . وَرِيحُ الْخَطَايَا مِنْ ثِيَابِي تَعْبَقُ وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ، وَلَوْ لَمْ يِعِظِ النَّاسَ إِلَّا مَعْصُومٌ مِنَ الزَّلَلِ، لَمْ يَعِظْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ لِأَنَّهُ لَا عِصْمَةَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ . لَئِنْ لَمْ يَعِظِ الْعَاصِينَ مَنْ هُوَ مُذْنِبُ . فَمَنْ يَعِظُ الْعَاصِينَ بَعْدَ مُحَمَّدِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعُفٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ: "مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلِّهِ، وَانَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ كُلِّهِ " . وَقِيلَ لِلْحَسَنِ : إِنَّ فُلَانًا لَا يَعِظُ، وَيَقُولُ: أَخَافُ أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَفْعَلُ . فَقَالَ الْحَسَنُ: وَأَيُّنَا يَفْعَلُ مَا يَقُولُ ؟! وَدَّ الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِهَذَا، فَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ . وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ، مَا أَمَرَ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ . قَالَ مَالِكٌ : وَصَدَقَ، وَمَنْ ذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءُ؟! مَنْ ذَا الَّذِي مَا سَاءَ قَطْ . وَمَنْ لَهُ الْحُسْنَى فَقَطْ خَطَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَوْمًا، فَقَالَ فِي مَوْعِظَتِهِ: إِنِّي لَأَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَمَا أَعْلَمُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الذُّنُوبِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْلَمُ عِنْدِي . فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ . وَكَتَبَ إِلَى بَعْضِ نُوَّابِهِ عَلَى بَعْضِ الْأَمْصَارِ كِتَابًا يَعِظُهُ فِيهِ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَإِنِّي لَأَعِظُكَ بِهَذَا، وَإِنِّي لَكَثِيرُ الْإِسْرَافِ عَلَى نَفْسِي، غَيْرُ مُحْكِمٍ لِكَثِيرٍ مِنْ أَمْرِي، وَلَوْ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَعِظُ أَخَاهُ حَتَّى يُحْكِمَ نَفْسَهُ إِذًا لَتَوَاكَلَ النَّاسُ الْخَيْرَ، وِإِذًا لَرُفِعَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ . وَإِذًا لَاسْتُحِلَّتِ الْمَحَارِمُ، وَقَلَّ الْوَاعِظُونَ وَالسَّاعُونَ لِلَّهِ بِالنَّصِيحَةِ فِي الْأَرْضَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ وَأَعْوَانَهُ يَوَدُّونَ أَنْ لَا يَأْمُرَ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ أَحَدٌ أَوْ نَهَاهُمْ، عَابُوهُ بِمَا فِيهِ وَبِمَا لَيْسَ فِيهِ . كَمَا قِيلَ: وَأُعْلِنَتِ الْفَوَاحِشُ فِي الْبَوَادِي . وَصَارَ النَّاسُ أَعْوَانَ الْمُرِيبِ إِذَا مَا عِبْتُهُمْ عَابُوا مَقَالِي . لِمَا فِي الْقَوْمِ مِنْ تِلْكَ الْعُيُوبِ وَوَدُّوا لَوْ كَفَفْنَا فَاسْتَوَيْنَا . فَصَارَ النَّاسُ كَالشَّيْءِ الْمَشُوبِ وَكُنَّا نَسْتَطِبُّ إِذَا مَرِضْنَا . فَصَارَ هَلَاكُنَا بِيَدِ الطَّبِيبِ

                                                                                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية