الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ قَرَأَ حَمْزَةُ: (رَبِّي الْفَوَاحِشَ) بِإِسْكَانِ الْيَاءِ . مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ فِيهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الزِّنَا ، مَا ظَهَرَ مِنْهُ: عَلَانِيَتُهُ ، وَمَا بَطَنَ سِرُّهُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَا ظَهَرَ ، نِكَاحُ الْأُمَّهَاتِ ، وَمَا بَطَنَ: الزِّنَا ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَا ظَهَرَ: نِكَاحُ الْأَبْنَاءِ نِسَاءُ الْآَبَاءِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ، وَأَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا ، وَمَا بَطَنَ: الزِّنَا ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا . وَالرَّابِعُ: أَنَّ مَا ظَهَرَ: الزِّنَا ، وَمَا بَطَنَ: الْعَزْلُ قَالَهُ شُرَيْحٌ . وَالْخَامِسُ: أَنَّ مَا ظَهَرَ: طَوَافُ الْجَاهِلِيَّةِ عُرَاةٌ ، وَمَا بَطَنَ: الزِّنَا ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَعَاصِي . ثُمَّ فِي "مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّ الظَّاهِرَ: الْعَلَانِيَةُ ، وَالْبَاطِنُ: السِّرُّ ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَا ظَهَرَ: أَفْعَالٌ الْجَوَارِحِ ، وَالْبَاطِنُ: اعْتِقَادُ الْقُلُوبِ ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ . وَفِي الْإِثْمِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ الذَّنْبُ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْفَرَّاءُ ، وَالثَّانِي: الْمَعَاصِي كُلُّهَا ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْخَمْرُ ، قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ . قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَنْشَدَنَا رَجُلٌ فِي مَجْلِسِ ثَعْلَبٍ بِحَضْرَتِهِ ، وَزَعَمَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْشَدَهُ: نَشْرَبُ الْإِثْمَ بِالصُّوَاعِ جِهَارًا وَنَرَى الْمُتْكَ بَيْنَنَا مُسْتَعَارًا فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: لَا أَعْرِفُهُ ، وَلَا أَعْرِفُ الْإِثْمَ: الْخَمْرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . وَأَنْشَدَنَا رَجُلٌ آَخَرُ: شَرِبْتُ الْإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي كَذَاكَ الْإِثْمُ تُذْهِبُ بِالْعُقُولِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هَذَا الْبَيْتُ مَعْرُوفًا أَيْضًا فِي شِعْرِ مَنْ يَحْتَجُّ بِشِعْرِهِ ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْغَرِيبِ أَدْخَلَ الْإِثْمَ فِي أَسْمَاءِ الْخَمْرِ ، وَلَا سَمَّتْهَا الْعَرَبُ بِذَلِكَ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ . فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْخَمْرَ تَدْخُلُ تَحْتَ الْإِثْمِ ، فَصَوَابٌ ، لَا لِأَنَّهُ اسْمٌ لَهَا . فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ فَصِلَ الْإِثْمَ عَنِ الْفَوَاحِشِ ، وَفِي كُلِّ الْفَوَاحِشِ إِثْمٌ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ كُلَّ فَاحِشَةٍ إِثْمٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ إِثْمٍ فَاحِشَةً ، فَكَانَ لَإِثْمِ كُلِّ فِعْلٍ مَذْمُومٍ; وَالْفَاحِشَةُ: الْعَظِيمَةُ . فَأَمَّا الْبَغْيُ ، فَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ الِاسْتِطَالَةُ عَلَى النَّاسِ . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْ تُشْرِكُوا قَالَ الزَّجَّاجُ : مَوْضِعُ "أَنْ" نَصْبٍ; فَالْمَعْنَى: حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ ، وَحَرَّمَ الشِّرْكَ . وَالسُّلْطَانُ: الْحُجَّةُ . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ عَامٌّ فِي تَحْرِيمِ الْقَوْلِ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية