الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَيَتَلَطَّفُ شُعَيْبٌ تَلَطُّفَ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ الْوَاثِقِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي مَعَهُ; وَيُعْرِضُ عَنْ تِلْكَ السُّخْرِيَةِ لَا يُبَالِيهَا وَهُوَ يَشْعُرُ بِقُصُورِهِمْ وَجَهْلِهِمْ.. يَتَلَطَّفُ فِي إِشْعَارِهِمْ أَنَّهُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَا يَجِدُهُ فِي ضَمِيرِهِ وَقَلْبِهِ; وَأَنَّهُ عَلَى ثِقَةٍ مِمَّا يَقُولُ لِأَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يُؤْتُوا، وَأَنَّهُ إِذْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْأَمَانَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ سَيَتَأَثَّرُ مَثْلَهُمْ بِنَتَائِجِهَا لِأَنَّهُ مِثْلُهُمْ ذُو مَالٍ وَذُو مُعَامَلَاتٍ; فَهُوَ لَا يَبْغِي كَسْبًا شَخْصِيًّا مِنْ وَرَاءِ دَعْوَتِهِ لَهُمْ; فَلَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ يَفْعَلُهُ هُوَ لِتَخْلُوَ لَهُ السُّوقُ! إِنَّمَا هِيَ دَعْوَةُ الْإِصْلَاحِ الْعَامَّةُ لَهُمْ وَلَهُ وَلِلنَّاسِ. وَلَيْسَ فِيمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ خَسَارَةٌ عَلَيْهِمْ كَمَا يَتَوَهَّمُونَ: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ .. يَا قَوْمِ .. فِي تَوَدُّدٍ وَتَقَرُّبٍ، وَتَذْكِيرٍ بِالْأَوَاصِرِ الْقَرِيبَةِ. أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي .. أَجِدُ حَقِيقَتَهُ فِي نَفْسِي وَأَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ هُوَ يُوحِي إِلَيَّ وَيَأْمُرُنِي بِمَا أُبَلِّغُكُمْ إِيَّاهُ. وَعَنْ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ الْوَاضِحَةِ فِي نَفْسِي، أُصْدِرُ وَاثِقًا مُسْتَيْقِنًا. وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا .. وَمِنْهُ الثَّرْوَةُ الَّتِي أَتَعَامَلُ مَعَ النَّاسِ مَثْلَكُمْ فِيهَا. وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ .. فَأَنَّهَا كَمْ ثُمَّ أَذْهَبُ مِنْ خَلْفِكُمْ فَأَفْعَلُ مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ لِأُحَقِّقَ لِنَفْسِي نَفْعًا بِهِ! إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ .. الْإِصْلَاحَ الْعَامَ لِلْحَيَاةِ وَالْمُجْتَمَعِ الَّذِي يَعُودُ صَلَاحُهُ بِالْخَيْرِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ وَكُلِّ جَمَاعَةٍ فِيهِ وَإِنْ خُيِّلَ إِلَى بَعْضِهِمْ أَنَّ اتِّبَاعَ الْعَقِيدَةِ وَالْخُلُقِ يُفَوِّتُ بَعْضَ الْكَسْبِ الشَّخْصِيِّ، وَيُضَيِّعُ بَعْضَ الْفُرَصِ. فَإِنَّمَا يُفَوِّتُ الْكَسْبَ الْخَبِيثَ وَيُضَيِّعُ الْفُرَصَ الْقَذِرَةَ; وَيُعَوِّضُ عَنْهُمَا كَسْبًا طَيِّبًا وَرِزْقًا حَلَالًا، وَمُجْتَمَعًا مُتَضَامِنًا مُتَعَاوِنًا لَا حِقْدَ فِيهِ وَلَا غَدْرَ وَلَا خِصَامَ! وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ .. فَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى إِنْجَاحِ مَسْعَايَ فِي الْإِصْلَاحِ بِمَا يَعْلَمُ مِنْ نِيَّتِي، وَبِمَا يَجْزِي عَلَى جُهْدِي. عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ .. عَلَيْهِ وَحْدَهُ لَا أَعْتَمِدُ عَلَى غَيْرِهِ. وَإِلَيْهِ أُنِيبُ .. إِلَيْهِ وَحْدَهُ أَرْجِعُ فِيمَا يُحْزِنُنِي مِنَ الْأُمُورِ، وَإِلَيْهِ وَحْدَهُ أَتَوَجَّهُ بِنِيَّتِي وَعَمَلِي وَمَسْعَايَ. ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِمْ فِي وَادٍ آخَرَ مِنَ التَّذْكِيرِ، فَيُطِلُّ بِهِمْ عَلَى مَصَارِعِ قَوْمِ نُوحٍ وَقَوْمِ هُودٍ وَقَوْمِ صَالِحٍ وَقَوْمِ لُوطٍ: فَقَدْ يَفْعَلُ هَذَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْقُلُوبِ الْجَاسِيَةِ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ التَّوْجِيهُ الْعَقْلِيُّ اللَّيِّنُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى رُشْدٍ وَتَفْكِيرٍ: وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ .. لَا يَحْمِلْنَكُمُ الْخِلَافُ مَعِي وَالْعِنَادُ فِي مُوَاجَهَتِي عَلَى أَنْ تَلِجُوا فِي التَّكْذِيبِ وَالْمُخَالَفَةِ، خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْأَقْوَامَ قَبْلَكُمْ. وَهَؤُلَاءِ قَوْمُ لُوطٍ قَرِيبٌ مِنْكُمْ فِي الْمَكَانِ. وَقَرِيبٌ كَذَلِكَ فِي الزَّمَانِ. فَمَدْيَنُ كَانَتْ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ. ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ - وَهُمْ فِي مُوَاجَهَةِ الْعَذَابِ وَالْهَلَاكِ - بَابَ الْمَغْفِرَةِ وَالتَّوْبَةِ، وَيُطْمِعُهُمْ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ بِأَرَقِّ الْأَلْفَاظِ وَأَحَنَّاهَا: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ .. وَهَكَذَا يَطُوفُ بِهِمْ فِي مَجَالَاتِ الْعِظَةِ وَالتَّذَكُّرِ وَالْخَوْفِ وَالطَّمَعِ، لَعَلَّ قُلُوبَهُمْ تَتَفَتَّحُ وَتَخْشَعُ وَتَلِينُ وَلَكِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا قَدْ بَلَغُوا مِنْ فَسَادِ الْقُلُوبِ، وَمِنْ سُوءِ تَقْدِيرِ الْقِيَمِ فِي الْحَيَاةِ، وَسُوءِ التَّصَوُّرِ لِدَوَافِعِ الْعَمَلِ وَالسُّلُوكِ، مَا كَشَفَ عَنْهُ تَبَجُّحُهُمْ مِنْ قَبْلُ بِالسُّخْرِيَةِ وَالتَّكْذِيبِ: قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ .. فَهُمْ ضَيِّقُو الصُّدُورِ بِالْحَقِّ الْوَاضِحِ، لَا يُرِيدُونَ أَنْ يُدْرِكُوهُ: قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ .. وَهُمْ يَقِيسُونَ الْقِيَمَ فِي الْحَيَاةِ بِمِقْيَاسِ الْقُوَّةِ الْمَادِّيَّةِ الظَّاهِرَةِ: وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا .. فُلًّا وَزْنَ عِنْدَهُمْ لِلْحَقِيقَةِ الْقَوِيَّةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا وَيُوَاجِهُهُمْ بِهَا. وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ .. فَفِي حِسَابِهِمْ عَصَبِيَّةُ الْعَشِيرَةِ، لَا عَصَبِيَّةَ الِاعْتِقَادِ، وَصِلَةِ الدَّمِ لَا صِلَةَ الْقَلْبِ. ثُمَّ هُمْ يَغْفُلُونَ عَنْ غِيرَةِ اللَّهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ فَلَا يَضَعُونَهَا فِي الْحِسَابِ. وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ .. لَا عِزَّةَ التَّقْدِيِرِ وَالْكَرَامَةِ وَلَا عِزَّةَ الْغَلَبِ وَالْقَهْرِ. وَلَكِنَّنَا نَحْسُبُ حِسَابَ الْأَهْلِ وَالْعَشِيرَةِ! وَحِينَ تَفْرَغُ النُّفُوسُ مِنَ الْعَقِيدَةِ الْقَوِيمَةِ وَالْقِيَمِ الرَّفِيعَةِ وَالْمُثُلِ الْعَالِيَةِ; فَإِنَّهَا تَقْبَعُ عَلَى الْأَرْضِ وَمَصَالِحِهَا الْقَرِيبَةِ وَقِيَمِهَا الدُّنْيَا; فَلَا تَرَى حُرْمَةً يَوْمَئِذٍ لِدَعْوَةٍ كَرِيمَةٍ، وَلَا لِحَقِيقَةٍ كَبِيرَةٍ; وَلَا تَتَحَرَّجُ عَنِ الْبَطْشِ بِالدَّاعِيَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ عُصْبَةٌ تُؤْوِيهِ; وَإِلَّا أَنْ تَكُونَ مَعَهُ قُوَّةٌ مَادِّيَّةٌ تَحْمِيهِ. أَمَّا حُرْمَةُ الْعَقِيدَةِ وَالْحَقِّ وَالدَّعْوَةِ فَلَا وَزْنَ لَهَا وَلَا ظِلَّ فِي تِلْكَ النُّفُوسِ الْفَارِغَةِ الْخَاوِيَةِ. وَعِنْدَئِذٍ تَأْخُذُ شُعَيْبًا الْغَيْرَةُ عَلَى جَلَالِ رَبِّهِ وَوَقَارِهِ; فَيَتَنَصَّلُ مِنَ الْاعْتِزَازِ بِرَهْطِهِ وَقَوْمِهِ; وَيُجِبُهُمْ بِسُوءِ التَّقْدِيرِ لِحَقِيقَةِ الْقُوَى الْقَائِمَةِ فِي هَذَا الْوُجُودِ، وَبِسُوءِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ الْمُحِيطِ بِمَا يَعْمَلُونَ. وَيُلْقِي كَلِمَتَهُ الْفَاصِلَةَ الْأَخِيرَةَ. وَيُفَاصِلُ قَوْمَهُ عَلَى أَسَاسِ الْعَقِيدَةِ، وَيُخْلِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَيُنْذِرُهُمُ الْعَذَابُ الَّذِي يَنْتَظِرُ أَمْثَالَهُمْ، وَيَدَعُهُمْ لِمَصِيِرِهِمِ الَّذِي يَخْتَارُونَ: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ .. أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ .. أَجَمَاعَةٌ مِنَ الْبَشَرِ مَهْمَا يَكُونُوا مِنَ الْقُوَّةِ وَالْمَنَعَةِ فَهُمْ نَاسٌ، وَهُمْ ضِعَافٌ، وَهُمْ عِبَادٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ.. أَهَؤُلَاءِ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ؟ .. أَهَؤُلَاءِ أَشَدُّ قُوَّةً وَرَهْبَةً فِي نُفُوسِكُمْ مِنَ اللَّهِ؟ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا .. وَهِيَ صُورَةٌ حِسِّيَّةٌ لِلْتَرْكِ وَالْإِعْرَاضِ، تُزِيدُ فِي شَنَاعَةِ فِعْلَتِهِمْ، وَهُمْ يَتْرُكُونَ اللَّهَ وَيُعْرِضُونَ عَنْهُ، وَهُمْ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ رَازِقُهُمْ وَمُمَتِّعُهُمْ بِالْخَيْرِ الَّذِي هُمْ فِيهِ. فَهُوَ الْبَطَرُ وَجُحُودُ النِّعْمَةِ وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ إِلَى جَانِبِ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَسُوءِ التَّقْدِيرِ. إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ .. وَالْإِحَاطَةُ أَقْصَى الصُّوَرِ الْحِسِّيَّةِ لِلْعِلْمِ بِالشَّيْءِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. إِنَّهَا غَضْبَةُ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ لِرَبِّهِ أَنْ يُسْتَبَاحَ جَلَالُهُ - سُبْحَانَهُ - وَوَقَارُهُ. الْغَضْبَةُ الَّتِي لَا يَقُومُ إِلَى جِوَارِهَا شَيْءٌ مِنَ الْاعْتِزَازِ بِنَسَبِهِ وَرَهْطِهِ وَعَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ.. إِنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَنْتَفِخْ وَلَمْ يَنْتَفِشْ أَنْ يَجِدَ الْقَوْمَ يَرْهَبُونَ رَهْطَهُ، فَلَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ أَيْدِيَهُمْ بِالْبَطْشِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ! وَلَمْ يَسْتَرِحْ وَلَمْ يَطْمَئِنْ إِلَى أَنْ يَكُونَ رَهْطُهُ هُمُ الَّذِينَ يَحْمُونَهُ وَيَمْنَعُونَهُ مَنْ قَوْمَهُ - الَّذِينَ افْتَرَقَ طَرِيقُهُمْ عَنْ طَرِيقِهِ - وَهَذَا هُوَ الْإِيمَانُ فِي حَقِيقَتِهِ.. أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَعْتَزُّ إِلَّا بِرَبِّهِ; وَلَا يَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُ عُصْبَةٌ تُخْشَى وَلَا يُخْشَى رَبُّهُ! فَعَصَبِيَّةُ الْمُسْلِمِ لَيْسَتْ لِرَهْطِهِ وَقَوْمِهِ، إِنَّمَا هِيَ لِرَبِّهِ وَدِينِهِ. وَهَذَا هُوَ مَفْرِقُ الطَّرِيقِ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْنَ التَّصَوُّرِ الْإِسْلَامِيِّ وَالتَّصَوُّرِ الْجَاهِلِيِّ فِي كُلِّ أَزْمَانِهِ وَبِيئَاتِهِ! وَمِنْ هَذِهِ الْغَضْبَةِ لِلَّهِ. وَالتَّنَصُّلِ مِنَ الْاعْتِزَازَ أَوِ الْاحْتِمَاءِ بِسِوَاهُ، يَنْبَعِثُ ذَلِكَ التَّحَدِّي الَّذِي يُوَجِّهُهُ شُعَيْبٌ إِلَى قَوْمِهِ; وَتَقُومُ تِلْكَ الْمُفَاصَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ - بَعْدَ أَنْ كَانَ وَاحِدًا مِنْهُمْ - وَيَفْتَرِقُ الطَّرِيقَانِ فَلَا يَلْتَقِيَانِ: وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ .. وَامْضُوا فِي طَرِيقِكُمْ وَخُطَّتِكُمْ، فَقَدْ نَفَضَتْ يَدِي مِنْكُمْ. إِنِّي عَامِلٌ .. عَلَى طَرِيقَتِي وَمَنْهَجِي. سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ .. أَنَا أَمْ أَنْتُمْ؟ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ .. لِلْعَاقِبَةِ الَّتِي تَنْتَظِرُنِي وَتَنْتَظِرُكُمْ.. وَفِي هَذَا التَّهْدِيدِ مَا يُوحِي بِثِقَتِهِ بِالْمَصِيرِ. كَمَا يُوحِي بِالْمُفَاصَلَةِ وَافْتِرَاقِ الطَّرِيقِ.. وَيُسْدَلُ السِّتَارُ هُنَا. عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْأَخِيرَةِ الْفَاصِلَةِ وَعَلَى هَذَا الِافْتِرَاقِ وَالْمُفَاصَلَةِ، لِيَرْفَعَ هُنَاكَ عَلَى مَصْرَعِ الْقَوْمِ، وَعَلَى مَشْهَدِهِمْ جَاثِمَيْنِ فِي دِيَارِهِمْ، أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ الَّتِي أَخَذَتْ قَوْمَ صَالِحٍ، فَكَانَ مَصِيرُهُمْ كَمَصِيرِهِمْ، خَلَتْ مِنْهُمُ الدُّورُ، كَأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهَا دَوْرٌ، وَكَأَنْ لَمْ يُعَمِّرُوهَا حِينًا مِنَ الدَّهْرِ. مَضَوْا مِثْلَهُمْ مُشَيَّعِينَ بِاللَّعْنَةِ، طُوِيَتْ صَفْحَتُهُمْ فِي الْوُجُودِ وَصَفْحَتُهُمْ فِي الْقُلُوبِ: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ . وَطُوِيَتْ صَفْحَةٌ أُخْرَى مِنَ الصَّفَحَاتِ السُّودِ، حَقَّ فِيهَا الْوَعِيدُ عَلَى مَنْ كَذَّبُوا بِالْوَعِيدِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية