الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ . إِنَّهَا الدَّيْنُونَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ قَاعِدَةُ الْعَقِيدَةِ الْأُولَى. وَقَاعِدَةُ الْحَيَاةِ الْأُولَى. وَقَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى. وَقَاعِدَةُ الْمُعَامَلَاتِ الْأُولَى.. الْقَاعِدَةُ الَّتِي لَا تَقُومُ بِغَيْرِهَا عَقِيدَةٌ وَلَا عِبَادَةٌ وَلَا مُعَامَلَةٌ.. وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ .. وَالْقَضِيَّةُ هُنَا هِيَ قَضِيَّةُ الْأَمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ - بَعْدَ قَضِيَّةِ الْعَقِيدَةِ وَالدَّيْنُونَةِ - أَوْ هِيَ قَضِيَّةُ الشَّرِيعَةِ وَالْمُعَامَلَاتِ الَّتِي تَنْبَثِقُ مِنْ قَاعِدَةِ الْعَقِيدَةِ وَالدَّيْنُونَةِ.. فَقَدْ كَانَ أَهْلُ مَدْيَنَ - وَبِلَادُهُمْ تَقَعُ فِي الطَّرِيقِ مِنَ الْحِجَازِ إِلَى الشَّامِ - يَنْقُصُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، وَيَبْخَسُونَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ، أَيْ يَنْقُصُونَهُمْ قِيمَةَ أَشْيَائِهِمْ فِي الْمُعَامَلَاتِ. وَهِيَ رَذِيلَةٌ تَمَسُّ نَظَافَةَ الْقَلْبِ وَالْيَدِ، كَمَا تَمَسُّ الْمُرُوءَةَ وَالشَّرَفَ. كَمَا كَانُوا بِحُكْمِ مَوْقِعِ بِلَادِهِمْ يَمْلِكُونَ أَنْ يَقْطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى الْقَوَافِلِ الذَّاهِبَةِ الْآئِبَةِ بَيْنَ شَمَالِ الْجَزِيرَةِ وَجَنُوبِهَا. وَيَتَحَكَّمُوا فِي طُرُقِ الْقَوَافِلِ وَيَفْرِضُوا مَا يَشَاءُونَ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ الْجَائِرَةِ الَّتِي وَصَفَهَا اللَّهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَمِنْ ثَمَّ تَبْدُو عَلَاقَةَ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ وَالدَّيْنُونَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِالْأَمَانَةِ وَالنَّظَافَةِ وَعَدَالَةِ الْمُعَامَلَةِ وَشَرَفِ الْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ، وَمُكَافِحَةِ السَّرِقَةِ الْخَفِيَّةِ سَوَاءٌ قَامَ بِهَا الْأَفْرَادُ أَمْ قَامَتْ بِهَا الدُّوَلُ. فَهِيَ بِذَلِكَ ضَمَانَةٌ لِحَيَاةٍ إِنْسَانِيَّةٍ أَفْضَلَ، وَضَمَانَةٌ لِلْعَدْلِ وَالسَّلَامِ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ النَّاسِ. وَهِيَ الضَّمَانَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَى الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ وَطَلَبِ رِضَاهُ، فَتَسْتَنِدُ إِلَى أَصْلٍ ثَابِتٍ، لَا يَتَأَرْجَحُ مَعَ الْمَصَالِحِ وَالْأَهْوَاءِ.. إِنَّ الْمُعَامَلَاتِ وَالْأَخْلَاقِ لَا بُدَّ أَنْ تَسْتَنِدَ إِلَى أَصْلٍ ثَابِتٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِعَوَامِلَ مُتَقَلِّبَةٍ.. هَذِهِ هِيَ نَظْرَةُ الْإِسْلَامِ. وَهِيَ تَخْتَلِفُ مِنَ الْجُذُورِ مَعَ سَائِرِ النَّظَرِيَّاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ الَّتِي تَرْتَكِنُ إِلَى تَفْكِيرَاتِ الْبَشَرِ وَتَصَوُّرَاتِهِمْ وَأَوْضَاعِهِمْ وَمَصَالِحِهِمِ الظَّاهِرَةِ لَهُمْ! وَهِيَ حِينَ تَسْتَنِدُ إِلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ الثَّابِتِ يَنْعَدِمُ تَأَثُّرُهَا بِالْمَصَالِحِ الْمَادِّيَّةِ الْقَرِيبَةِ; كَمَا يَنْعَدِمُ تَأَثُّرُهَا بِالْبِيئَةِ وَالْعَوَامِلِ السَّائِدَةِ فِيهَا. فَلَا يَكُونُ الْمُتَحَكِّمُ فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ وَقَوَاعِدِ تَعَامُلِهِمْ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ هُوَ كَوْنُهُمْ يَعِيشُونَ عَلَى الزِّرَاعَةِ أَوْ يَعِيشُونَ عَلَى الرَّعْيِ أَوْ يَعِيشُونَ عَلَى الصِّنَاعَةِ.. إِنَّ هَذِهِ الْعَوَامِلَ الْمُتَغَيِّرَةَ تَفْقِدُ تَأْثِيرَهَا فِي التَّصَوُّرِ الْأَخْلَاقِيِّ وَفِي قَوَاعِدِ الْمُعَامَلَاتِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، حِينَ يُصْبِحُ مَصْدَرُ التَّشْرِيعِ لِلْحَيَاةِ كُلِّهَا هُوَ شَرِيعَةُ اللَّهِ; وَحِينَ تُصْبِحُ قَاعِدَةُ الْأَخْلَاقِ هِيَ إِرْضَاءُ اللَّهِ وَانْتِظَارُ ثَوَابِهِ وَتَوَقِّي عِقَابِهِ، وَكُلُّ مَا يَهْرِفُ بِهِ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الْوَضْعِيَّةِ مِنْ تَبَعِيَّةِ الْأَخْلَاقِ لِلْعَلَاقَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَلِلطَّوْرِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِلْأُمَّةِ يُصْبِحُ لَغْوًا فِي ظِلِّ النَّظْرَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ ! وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ .. فَقَدْ رَزَقَكُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا، فَلَسْتُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَى هَذِهِ الدَّنَاءَةِ لِتَزِيدُوا غِنَى، وَلَنْ يُفْقِرَكُمْ أَوْ يَضُرَّكُمْ أَنْ لَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ.. بَلْ إِنَّ هَذَا الْخَيْرَ لَيُهَدِّدُهُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ غِشٍّ فِي الْمُعَامَلَةِ، أَوْ غَصْبٍ فِي الْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ. وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ .. إِمَّا فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ. وَإِمَّا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ حِينَ يُؤْتِي هَذَا الْغِشُّ وَالْغَصْبُ ثِمَارَهُمَا الْمُرَّةَ فِي حَالَةِ الْمُجْتَمَعِ وَفِي حَرَكَةِ التِّجَارَةِ. وَحِينَ يَذُوقُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فِي كُلِّ حَرَكَةٍ مِنَ الْحَرَكَاتِ الْيَوْمِيَّةِ وَفِي كُلِّ تَعَامُلٍ وَفِي كُلِّ احْتِكَاكٍ. وَمَرَّةً أُخْرَى يُكَرِّرُ شُعَيْبٌ نُصْحَهُ فِي صُورَةٍ إِيجَابِيَّةٍ بَعْدَ صُورَةِ النَّهْيِ السَّلْبِيَّةِ: وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ .. وَإِيفَاءُ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ أَقْوَى مِنْ عَدَمِ نَقْصِهِمَا، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى جَانِبِ الزِّيَادَةِ. وَلِلْعِبَارَاتِ ظِلٌّ فِي الْحِسِّ. وَظَلُّ الْإِيفَاءُ غَيْرُ ظِلِّ عَدَمِ النَّقْصِ، فَهُوَ أَكْثَرُ سَمَاحَةً وَوَفَاءً. وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ .. وَهَذِهِ أَعَمُّ مِنَ الْمُكَيَّلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ. فَهُوَ يَشْمَلُ حُسْنَ تَقْوِيمِ أَشْيَاءِ النَّاسِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ. تَقْوِيِمِهَا كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ سِعْرًا أَوْ تَقْدِيرًا. وَتَقْوِيِمِهَا مَادِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا. وَقَدْ تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَعْمَالُ وَالصِّفَاتُ. لِأَنَّ كَلِمَةَ "شَيْءٍ" تُطْلَقُ أَحْيَانًا وَيُرَادُ بِهَا غَيْرُ الْمَحْسُوسَاتِ. وَبَخْسُ النَّاسِ أَشْيَاءَهُمْ - فَوْقَ أَنَّهُ ظُلْمٌ - يَشِيعُ فِي نُفُوسِ النَّاسِ مَشَاعِرَ سَيِّئَةٍ مِنَ الْأَلَمِ أَوِ الْحِقْدِ، أَوِ الْيَأْسِ مِنَ الْعَدْلِ وَالْخَيْرِ وَحُسْنِ التَّقْدِيرِ.. وَكُلُّهَا مَشَاعِرُ تُفْسِدُ جَوَّ الْحَيَاةِ وَالتَّعَامُلَ وَالرَّوَابِطَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ وَالنُّفُوسَ وَالضَّمَائِرَ، وَلَا تُبْقِي عَلَى شَيْءٍ صَالِحٍ فِي الْحَيَاةِ. وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ .. وَالْعَثْوُ هُوَ الْإِفْسَادُ، فَلَا تُفْسِدُوا مُتَعَمِّدِينَ الْإِفْسَادَ، قَاصِدِينَ إِلَى تَحْقِيقِهِ. ثُمَّ يُوقِظُ وِجْدَانَهُمْ إِلَى خَيْرٍ أَبْقَى مِنْ ذَلِكَ الْكَسْبِ الدَّنِسِ الَّذِي يَحْصُلُونَ عَلَيْهِ بِنَقْصِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ وَبَخْسِ النَّاسِ أَشْيَاءَهُمْ فِي التَّقْدِيرِ: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .. فَمَا عِنْدَ اللَّهِ أَبْقَى وَأَفْضَلُ.. وَقَدْ دَعَاهُمْ فِي أَوَّلِ حَدِيثِهِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ - أَيِ الدَّيْنُونَةِ لَهُ بِلَا شَرِيكٍ - فَهُوَ يُذَكِّرُهُمْ بِهَا هُنَا، مَعَ ذِكْرِ الْخَيْرِ الْبَاقِي لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ إِنْ آمَنُوا كَمَا دَعَاهُمْ، وَاتَّبَعُوا نَصِيحَتَهُ فِي الْمُعَامَلَاتِ. وَهِيَ فَرْعٌ عَنْ ذَلِكَ الْإِيمَانِ. بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .. ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّهُ هُوَ لَا يَمْلِكُ لَهُمْ شَيْئًا، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مُوَكَّلًا بِحِفْظِهِمْ مِنَ الشَّرِّ وَالْعَذَابِ. وَلَيْسَ مُوَكَّلًا كَذَلِكَ بِحِفْظِهِمْ مِنَ الضَّلَالِ وَلَا مَسْؤُولًا عَنْهُمْ إِنْ هُمْ ضَلُّوا، إِنَّمَا عَلَيْهِ الْبَلَاغُ وَقَدْ أَدَّاهُ: وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ .. وَمِثْلُ هَذَا الْأُسْلُوبِ يُشْعِرُ الْمُخَاطَبِينَ بِخُطُورَةِ الْأَمْرِ، وَبِثِقَلِ التَّبِعَةِ، وَيَقِفُهُمْ وَجْهًا لِوَجْهٍ أَمَامَ الْعَاقِبَةِ بِلَا وَسِيطٍ وَلَا حَفِيظٍ. وَلَكِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا قَدْ عَتَوَا وَمَرَدُوا عَلَى الِانْحِرَافِ وَالْفَسَادِ، وَسُوءِ الِاسْتِغْلَالِ: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ .. وَهُوَ رَدٌّ وَاضِحُ التَّهَكُّمِ، بَيْنَ السُّخْرِيَةِ فِي كُلِّ مَقْطَعٍ مِنْ مَقَاطِعِهِ. وَإِنْ كَانَتْ سُخْرِيَةَ الْجَاهِلِ الْمَطْمُوسِ، وَالْمُعَانِدِ بِلَا مَعْرِفَةٍ وَلَا فِقْهٍ. أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ .. فَهُمْ لَا يُدْرِكُونَ - أَوَّلًا يُرِيدُونَ أَنْ يُدْرِكُوا - أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقِيدَةِ، وَمِنْ صُوَرِ الْعُبُودِيَّةِ وَالدَّيْنُونَةِ. وَأَنَّ الْعَقِيدَةَ لَا تَقُومُ بِغَيْرِ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَنَبْذِ مَا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِهِ هُمْ وَآبَاؤُهُمْ، كَمَا أَنَّهَا لَا تَقُومُ إِلَّا بِتَنْفِيذِ شَرَائِعِ اللَّهِ فِي التِّجَارَةِ وَفِي تَدَاوُلِ الْأَمْوَالِ وَفِي كُلِّ شَأْنٍ مِنْ شُئُونِ الْحَيَاةِ وَالتَّعَامُلِ. فَهِيَ لُحْمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَفْتَرِقُ فِيهَا الْاعْتِقَادُ عَنِ الصَّلَاةِ عَنْ شَرَائِعِ الْحَيَاةِ وَعَنْ أَوْضَاعِ الْحَيَاةِ. وَقَبْلَ أَنْ نَمْضِيَ طَوِيلًا فِي تَسْفِيهِ هَذَا التَّصَوُّرِ السَّقِيمِ لِارْتِبَاطِ الشَّعَائِرِ بِالْعَقِيدَةِ وَارْتِبَاطِهِمَا مَعًا بِالْمُعَامَلَاتِ.. قَبْلَ أَنْ نَمْضِيَ طَوِيلًا فِي تَسْفِيهِ هَذَا التَّصَوُّرِ مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ قَبْلَ أُلُوفِ السِّنِينَ، يَحْسُنُ أَنْ نَذْكُرَ أَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ لَا يَفْتَرِقُونَ فِي تَصَوُّرِهِمْ وَلَا فِي إِنْكَارِهِمْ لِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ. وَأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ الَّتِي نَعِيشُ فِيهَا الْيَوْمَ لَيْسَتْ أَفْضَلَ وَلَا أَذْكَى وَلَا أَكْثَرَ إِدْرَاكًا مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى! وَأَنَّ الشِّرْكَ الَّذِي كَانَ يُزَاوِلُهُ قَوْمُ شُعَيْبٍ هُوَ ذَاتُهُ الشِّرْكُ الَّذِي تُزَاوِلُهُ الْيَوْمَ الْبَشَرِيَّةُ بِجُمْلَتِهَا - بِمَا فِيهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ يَهُودٌ أَوْ نَصَارَى أَوْ مُسْلِمُونَ - فَكُلُّهُمْ يَفْصِلُ بَيْنَ الْعَقِيدَةِ وَالشَّعَائِرِ، وَالشَّرِيعَةِ وَالتَّعَامُلِ. فَيَجْعَلُ الْعَقِيدَةَ وَالشَّعَائِرَ لِلَّهِ وَوَفْقَ أَمْرِهِ، وَيَجْعَلُ الشَّرِيعَةَ وَالتَّعَامُلَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَوَفْقَ أَمْرُ غَيْرِهِ.. وَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ فِي حَقِيقَتِهِ وَأَصْلِهِ.. وَإِنْ كَانَ لَا يَفُوتُنَا أَنَّ الْيَهُودَ وَحْدَهُمُ الْيَوْمَ هُمُ الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِأَنْ تَكُونَ أَوْضَاعُهُمْ وَمُعَامَلَاتُهُمْ وَفْقَ مَا يَزْعُمُونَهُ عَقِيدَتَهُمْ وَشَرِيعَتَهُمْ - وَذَلِكَ بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْعَقِيدَةِ مِنَ انْحِرَافٍ وَمَا فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ تَحْرِيفٍ - فَلَقَدْ قَامَتْ أَزْمَةٌ فِي "الْكِنِيسِتَ" مَجْلِسُ تَشْرِيعِهِمْ فِي إِسْرَائِيلَ بِسَبَبِ أَنَّ بَاخِرَةً إِسْرَائِيلِيَّةً تُقَدِّمُ لِرُكَّابِهَا - مِنْ غَيْرِ الْيَهُودِ - أَطْعِمَةً غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ. وَأُرْغِمَتِ الشَّرِكَةُ وَالسَّفِينَةُ عَلَى تَقْدِيمِ الطَّعَامِ الشَّرْعِيِّ وَحْدَهُ - مَهْمَا تَعَرَّضَتْ لِلْخَسَارَةِ - فَأَيْنَ مَنْ يَدْعُونَ أَنْفُسَهُمْ "مُسْلِمِينَ!" مِنْ هَذَا الِاسْتِمْسَاكِ بِالدِّينِ؟!! إِنَّ بَيْنَنَا الْيَوْمَ - مِمَّنْ يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ مُسْلِمُونَ! - مَنْ يَسْتَنْكِرُ وُجُودَ صِلَةٍ بَيْنَ الْعَقِيدَةِ وَالْأَخْلَاقِ، وَبِخَاصَّةٍ أَخْلَاقُ الْمُعَامَلَاتِ الْمَادِّيَّةُ. وَحَاصِلُونَ عَلَى الشَّهَادَاتِ الْعُلْيَا مِنْ جَامِعَاتِنَا وَجَامِعَاتِ الْعَالَمِ. يَتَسَاءَلُونَ أَوَّلًا فِي اسْتِنْكَارٍ: وَمَا لِلْإِسْلَامِ وَسُلُوكُنَا الشَّخْصِيُّ؟ مَا لِلْإِسْلَامِ وَالْعُرْيُ فِي الشَّوَاطِئِ؟ مَا لِلْإِسْلَامِ وَزِيُّ الْمَرْأَةِ فِي الطَّرِيقِ؟ مَا لِلْإِسْلَامِ وَتَصْرِيفُ الطَّاقَةِ الْجِنْسِيَّةِ بِأَيِّ سَبِيلٍ؟ مَا لِلْإِسْلَامِ وَتَنَاوُلُ كَأْسٍ مِنَ الْخَمْرِ لِإِصْلَاحِ الْمِزَاجِ؟ مَا لِلْإِسْلَامِ وَهَذَا الَّذِي يَفْعَلُهُ "الْمُتَحَضِّرُونَ" ؟!.. فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ سُؤَالِ أَهْلِ مَدْيَنَ: أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا .. وَهُمْ يَتَسَاءَلُونَ ثَانِيًا. بَلْ يُنْكِرُونَ بِشِدَّةٍ وَعُنْفٍ. أَنْ يَتَدَخَّلَ الدِّينُ فِي الِاقْتِصَادِ، وَأَنْ تَتَّصِلَ الْمُعَامَلَاتُ بِالِاعْتِقَادِ، أَوْ حَتَّى بِالْأَخْلَاقِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ.. فَمَا لِلدِّينِ وَالْمُعَامَلَاتُ الرَّبَوِيَّةُ؟ وَمَا لِلدِّينِ وَالْمَهَارَةُ فِي الْغِشِّ وَالسَّرِقَةِ مَا لَمْ يَقَعَا تَحْتَ طَائِلَةِ الْقَانُونِ الْوَضْعِيِّ؟ لَا بَلْ إِنَّهُمْ يَتَبَجَّحُونَ بِأَنَّ الْأَخْلَاقَ إِذَا تَدَخَّلَتْ فِي الِاقْتِصَادِ تُفْسِدُهُ. وَيُنْكِرُونَ حَتَّى عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِ النَّظَرِيَّاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ - النَّظَرِيَّةُ الْأَخْلَاقِيَّةُ مَثَلًا - وَيَعُدُّونَهَا تَخْلِيطًا مِنْ أَيَّامِ زَمَانٍ! فُلَا يَذْهَبْنَ بِنَا التَّرَفُّعُ كَثِيرًا عَلَى أَهْلِ مَدْيَنَ فِي تِلْكَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى. وَنَحْنُ الْيَوْمَ فِي جَاهِلِيَّةٍ أَشَدُّ جَهَالَةً، وَلَكِنَّهَا تَدَّعِي الْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ وَالْحَضَارَةَ، وَتَتَّهِمُ الَّذِينَ يَرْبُطُونَ بَيْنَ الْعَقِيدَةِ فِي اللَّهِ، وَالسُّلُوكِ الشَّخْصِيِّ فِي الْحَيَاةِ، وَالْمُعَامَلَاتِ الْمَادِّيَّةِ فِي السُّوقِ.. تَتَّهِمُهُمْ بِالرَّجْعِيَّةِ وَالتَّعَصُّبِ وَالْجُمُودِ!!! وَمَا تَسْتَقِيمُ عَقِيدَةُ تَوْحِيدِ اللَّهِ فِي الْقَلْبِ، ثُمَّ تَتْرُكُ شَرِيعَةَ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسُّلُوكِ وَالْمُعَامَلَةِ إِلَى غَيْرِهَا مِنْ قَوَانِينِ الْأَرْضِ. فَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ التَّوْحِيدُ وَالشِّرْكُ فِي قَلْبٍ وَاحِدٍ. وَالشِّرْكُ أَلْوَانٌ. مِنْهُ هَذَا اللَّوْنُ الَّذِي نَعِيشُ بِهِ الْآنَ. وَهُوَ يُمَثِّلُ أَصْلَ الشِّرْكِ وَحَقِيقَتَهُ الَّتِي يَلْتَقِي عَلَيْهَا الْمُشْرِكُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ! وَيَسْخَرُ أَهْلُ مَدْيَنَ مِنْ شُعَيْبٍ - كَمَا يَتَوَقَّحُ بِالسُّخْرِيَةِ الْيَوْمَ نَاسٌ عَلَى دُعَاةِ التَّوْحِيدِ الْحَقِّ - فَيَقُولُونَ: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ .. وَهُمْ يَعْنُونَ عَكْسَ مَعْنَاهَا. فَالْحُلْمُ وَالرُّشْدُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا مَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ بِلَا تَفْكِيرٍ، وَأَنْ يَفْصِلُوا بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالتَّعَامُلِ فِي السُّوقِ! وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ الْمُثَقَّفِينَ الْمُتَحَضِّرِينَ الْيَوْمَ الَّذِينَ يَعِيبُونَ عَلَى الْمُتَعَصِّبِينَ الرَّجْعِيِّينَ!!!

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية