الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَيَسْكُتُ السِّيَاقُ. وَقَدْ سَكَتَ - وَلَا شَكَّ - إِبْرَاهِيمَ .. وَيُسْدَلُ السِّتَارُ عَلَى مَشْهَدِ إِبْرَاهِيمَ وَزَوْجِهِ لِيَرْفَعَ هُنَاكَ عَلَى مَشْهَدٍ حَافِلٍ بِالْحَرَكَةِ وَالِانْفِعَالِ مَعَ لُوطٍ. وَقَوْمُ لُوطٍ فِي مُدُنِ الْأُرْدُنِ : عَمُورِيَّةَ وَسَدُومَ. وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ .. لَقَدْ كَانَ يَعْرِفُ قَوْمَهُ. وَيَعْرِفُ مَا أَصَابَ فِطْرَتَهُمْ مِنَ انْحِرَافٍ وَشُذُوذٍ عَجِيبَيْنِ. إِذْ يَتْرُكُونَ النِّسَاءَ إِلَى الرِّجَالِ، مُخَالِفِينَ الْفِطْرَةَ الَّتِي تَهْتَدِي إِلَى حِكْمَةِ خَلْقِ الْأَحْيَاءِ جَمِيعًا أَزْوُاجًا، كَيْ تَمْتَدَّ الْحَيَاةُ بِالنَّسْلِ مَا شَاءَ لَهَا اللَّهُ. وَالَّتِي تَجِدُ اللَّذَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ فِي تَلْبِيَةِ نِدَاءِ ِالْحِكْمَةِ الْأَزَلِيَّةِ، لَا عَنْ تَفْكِيرٍ وَتَدْبِيرٍ، وَلَكِنْ عَنِ اهْتِدَاءٍ وَاسْتِقَامَةٍ. وَالْبَشَرِيَّةُ تَعْرِفُ حَالَاتٍ مَرَضِيَّةً فَرْدِيَّةً شَاذَّةً، وَلَكِنْ ظَاهِرَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَجِيبَةٌ. وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمَرَضَ النَّفْسِيَّ يُعْدِي كَالْمَرَضِ الْجَسَدِيِّ. وَأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُرَوَّجَ مَرَضٌ نَفْسِيٌّ كَهَذَا نَتِيجَةً لِاخْتِلَالِ الْمَقَايِيسِ فِي بِيئَةٍ مِنَ الْبِيئَاتِ، وَانْتِشَارِ الْمَثَلِ السَّيِّئِ، عَنْ طَرِيقِ إِيحَاءِ الْبِيئَةِ الْمَرِيضَةِ. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ مُصَادَمَتِهِ لِلْفِطْرَةِ، الَّتِي يَحْكُمُهَا النَّامُوسُ الَّذِي يَحْكُمُ الْحَيَاةَ. النَّامُوسُ الَّذِي يَقْتَضِي أَنْ تَجِدَ لَذَّتَهَا فِيمَا يُلَبِّي حَاجَةَ الْحَيَاةِ لَا فِيمَا يُصَادِمُهَا وَيُعْدِمُهَا. وَالشُّذُوذُ الْجِنْسِيُّ يُصَادِمُ الْحَيَاةَ وَيُعْدِمُهَا، لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِبُذُورِ الْحَيَاةِ فِي تُرْبَةٍ خَبِيثَةٍ لَمْ تُعَدُّ لِاسْتِقْبَالِهَا وَإِحْيَائِهَا. بَدَلًا مِنَ الذِّهَابِ بِهَا إِلَى التُّرْبَةِ الْمُسْتَعِدَّةِ لِتَلَقِّيهَا وَإِنْمَائِهَا. وَمِنْ أَجْلِ هَذَا تَنْفِرُ الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ نُفُورًا فِطْرِيًّا - لَا أَخْلَاقِيًّا فَحَسْبُ - مِنْ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ. لِأَنَّ هَذِهِ الْفِطْرَةَ مَحْكُومَةٌ بِقَانُونِ اللَّهِ فِي الْحَيَاةِ. الَّذِي يَجْعَلُ اللَّذَّةَ الطَّبِيعِيَّةَ السَّلِيمَةَ فِيمَا يُسَاعِدُ عَلَى إِنْمَاءِ الْحَيَاةِ لَا فِيمَا يَصْدِمُهَا وَيُعَطِّلُهَا. وَلَقَدْ نَجِدُ أَحْيَانًا لَذَّةً فِي الْمَوْتِ - فِي سَبِيلِ غَايَةِ أَسْمَى مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا - وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ لَذَّةً حِسِّيَّةً إِنَّمَا هِيَ مَعْنَوِيَّةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ. عَلَى أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مُصَادَفَةً لِلْحَيَاةِ، إِنَّمَا هِيَ إِنْمَاءٌ لَهَا وَارْتِفَاعٌ بِهَا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ. وَلَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ الشَّاذِّ الَّذِي يُعْدِمُ الْحَيَاةَ وَخَلَايَاهَا.. سِيءَ لُوطٌ بِأَضْيَافِهِ. وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَنْتَظِرُهُمْ مِنْ قَوْمِهِ، وَيُدْرِكُ الْفَضِيحَةَ الَّتِي سَتَنَالُهُ فِي أَضْيَافِهِ: وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ! وَبَدَأَ الْيَوْمُ الْعَصِيبُ! وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ .. أَيْ يُسْرِعُونَ فِي حَالَةِ تُشْبِهُ الْحُمَّى. وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ .. وَكَانَ هَذَا مَا سَاءَ الرَّجُلَ بِضُيُوفِهِ، وَمَا ضَيَّقَ بِهِمْ ذَرْعَهُ، وَمَا دَعَاهُ إِلَى تَوَقُّعِ يَوْمٍ عَصِيبٍ! وَرَأَى لُوطٌ مَا يُشْبِهُ الْحُمَّى فِي أَجْسَادِ قَوْمِهِ الْمُنْدَفِعِينَ إِلَى دَارِهِ، يُهَدِّدُونَهُ فِي ضَيْفِهِ وَكَرَامَتِهِ. فَحَاوَلَ أَنْ يُوقِظُ فِيهِمُ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ، وَيُوَجِّهُهُمْ إِلَى الْجِنْسِ الْآخَرِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ لِلرِّجَالِ، وَعِنْدَهُ مِنْهُ فِي دَارِهِ بَنَاتُهُ، فَهُنَّ حَاضِرَاتٌ، حَاضِرَاتٌ اللَّحْظَةِ إِذَا شَاءَ الرِّجَالُ الْمَحْمُومُونَ تَمَّ الزَّوَاجُ عَلَى الْفَوْرِ، وَسَكَنَتِ الْفَوْرَةُ الْمَحْمُومَةُ وَالشَّهْوَةُ الْمَجْنُونَةُ! قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ . هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ .. أَطْهَرُ بِكُلِّ مَعَانِي الطُّهْرِ. النَّفْسِيِّ وَالْحِسِّيِّ. فَهُنَّ يُلَبِّينَ الْفِطْرَةَ النَّظِيفَةَ، وَيُثِرْنَ مَشَاعِرَ كَذَلِكَ نَظِيفَةً. نَظَافَةً فِطْرِيَّةً وَنَظَافَةً أَخْلَاقِيَّةً وَدِينِيَّةً. ثُمَّ هُنَّ أَطْهَرُ حِسِّيًّا. حَيْثُ أَعَدَّتِ الْقُدْرَةُ الْخَالِقَةُ لِلْحَيَاةِ النَّاشِئَةِ مَكْمَنًا كَذَلِكَ طَاهِرًا نَظِيفًا. فَاتَّقُوا اللَّهَ .. قَالَهَا يَلْمِسُ نُفُوسَهُمْ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ بَعْدَ أَنْ لَمْسَهَا مِنْ نَاحِيَةِ الْفِطْرَةِ. وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي .. قَالَهَا كَذَلِكَ يَلْمِسُ نَخْوَتَهُمْ وَتَقَالِيدَ الْبَدْوِ فِي إِكْرَامِ الضَّيْفِ إِطْلَاقًا. أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ .. فَالْقَضِيَّةُ قَضِيَّةُ رُشْدٍ وَسَفَهٍ إِلَى جِوَارِ أَنَّهَا قَضِيَّةُ فِطْرَةٍ وَدِينٍ وَمُرُوءَةٍ.. وَلَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ لَمْ يَلْمِسِ الْفِطْرَةَ الْمُنْحَرِفَةَ الْمَرِيضَةَ، وَلَا الْقُلُوبَ الْمَيِّتَةَ الْآسِنَةَ، وَلَا الْعُقُولَ الْمَرِيضَةَ الْمَأْفُونَةَ. وَظَلَّتِ الْفَوْرَةُ الْمَرِيضَةُ الشَّاذَّةُ فِي انْدِفَاعِهَا الْمَحْمُومِ: قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ .. لَقَدْ عَلِمَتْ لَوْ أَرَدْنَا بَنَاتَكَ لَتَزَوَّجْنَاهُنَّ. فَهَذَا حَقُّنَا.. وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ .. وَهِيَ إِشَارَةٌ خَبِيثَةٌ إِلَى الْعَمَلِ الْخَبِيثِ. وَأَسْقَطَ فِي يَدِ لُوطٍ، وَأَحَسَّ ضَعْفَهُ وَهُوَ غَرِيبٌ بَيْنَ الْقَوْمِ، نَازِحٌ إِلَيْهِمْ مِنْ بَعِيدٍ، لَا عَشِيرَةَ لَهُ تَحْمِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ قُوَّةٍ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْعَصِيبِ; وَانْفَرَجَتْ شَفَتَاهُ عَنْ كَلِمَةٍ حَزِينَةٍ أَلِيمَةٍ: قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ .. قَالَهَا وَهُوَ يُوَجِّهُ كَلَامَهُ إِلَى هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةِ - الَّذِينَ جَاءَ الْمَلَائِكَةُ فِي صُورَتِهِمْ - وَهُمْ صِغَارٌ صِبَاحُ الْوُجُوهِ; وَلَكِنَّهُمْ - فِي نَظَرِهِ - لَيْسُوا بِأَهْلِ بَأْسٍ وَلَا قُوَّةٍ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ يَتَمَنَّى أَنْ لَوْ كَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ فَيَجِدُ بِهِمْ قُوَّةً. أَوْ لَوْ كَانَ لَهُ رُكْنٌ شَدِيدٌ يَحْتَمِي بِهِ مِنْ ذَلِكَ التَّهْدِيدِ! وَغَابَ عَنْ لُوطٍ فِي كُرْبَتِهِ وَشَدَّتِهِ أَنَّهُ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ. رُكْنِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَتَخَلَّى عَنْ أَوْلِيَائِهِ. كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ: " رَحْمَةٌ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ "! وَعِنْدَمَا ضَاقَتْ وَاسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا، وَبَلَغَ الْكَرْبُ أَشَدَّهُ.. كَشَفَ الرُّسُلُ لِلُوطٍ عَنِ الرُّكْنِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ: قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ .. وَأَنْبَئُوهُ نَبَأَهُمْ، لِيَنْجُوَ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرَيْنِ، إِلَّا امْرَأَتِهِ فَإِنَّهَا كَانَتْ مِنَ الْقَوْمِ الْفَاسِدِينَ: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ .. وَالسُّرَى: سَيَّرَ اللَّيْلَ، وَالْقِطَعُ مِنَ اللَّيْلِ: بَعْضُهُ، وَلَا يَلْتَفِتُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. أَيْ لَا يَتَخَلَّفُ وَلَا يَعُوقُ. لِأَنَّ الصُّبْحَ مَوْعِدُهُمْ مَعَ الْهَلَاكِ. فَكُلُّ مَنْ بَقِيَ فِي الْمَدِينَةِ فَهُوَ هَالِكٌ مَعَ الْهَالِكِينَ. أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ .. سُؤَالٌ لِإِنْعَاشٍ نَفْسِ لُوطٍ بَعْدَ مَا ذَاقَ. لِتَقْرِيبِ الْمَوْعِدِ وَتَأْكِيدِهِ. فَهُوَ قَرِيبٌ. مَعَ مَطْلَعِ الصَّبَاحِ. ثُمَّ يَفْعَلُ اللَّهُ بِالْقَوْمِ - بِقُوَّتِهِ - مَا لَمْ تَكُنْ قُوَّةُ لُوطٍ الَّتِي تَمَنَّاهَا فَاعِلَهُ! وَالْمَشْهَدُ الْأَخِيرُ. مَشْهَدُ الدَّمَارِ الْمُرَوِّعُ، اللَّائِقُ بِقَوْمِ لُوطٍ: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ .. فِلْمًا جَاءَ مَوْعِدُ تَنْفِيذِ الْأَمْرِ جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا .. وَهِيَ صُورَةٌ لِلتَّدْمِيرِ الْكَامِلِ الَّذِي يَقْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ وَيُغَيِّرُ الْمَعَالِمَ وَيَمْحُوهَا. وَهَذَا الْقَلْبُ وَجَعْلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا أَشْبَهَ شَيْءٍ بِتِلْكَ الْفِطْرَةِ الْمَقْلُوبَةِ الْهَابِطَةِ الْمُرْتَكِسَةِ مِنْ قِمَّةِ الْإِنْسَانِ إِلَى دَرْكِ الْحَيَوَانِ. بَلْ أَحَطُّ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَالْحَيَوَانُ وَاقِفٌ مُلْتَزِمٌ عِنْدَ حُدُودِ فِطْرَةِ الْحَيَوَانِ.. وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ .. حِجَارَةً مُلَوَّثَةً بِالطِّينِ.. وَهِيَ كَذَلِكَ مُنَاسِبَةٌ وَعَلَى قَدْرِ الْمَقَامِ: مَنْضُودٍ .. مُتَرَاكِمٌ بَعْضُهُ يُلَاحِقُ بَعْضًا. هَذِهِ الْحِجَارَةُ.. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ .. كَمَا تَسُومُ الْمَاشِيَةَ أَيْ تُرَبَّى وَتُطْلَقُ بِكَثْرَةٍ. فَكَأَنَّمَا هَذِهِ الْحِجَارَةُ مُرَبَّاةٌ! وَمُطْلَقَةٌ لِتَنْمُوَ وَتَتَكَاثَرَ! لِوَقْتِ الْحَاجَةِ.. وَهُوَ تَصْوِيرٌ عَجِيبٌ يُلْقِي ظِلَّهُ فِي الْحِسِّ، وَلَا يُفْصِحُ عَنْهُ التَّفْسِيرُ، كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ هَذَا الظِّلُّ الَّذِي يُلْقِيهِ.. وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ .. فَهِيَ قَرِيبَةٌ وَتَحْتَ الطَّلَبِ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ تُطْلِقُ فَتُصِيبُ ! وَالصُّورَةُ الَّتِي يَرْسُمُهَا السِّيَاقُ هُنَا لِهَذِهِ النَّازِلَةِ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمَ لُوطٍ هِيَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِبَعْضِ الظَّوَاهِرِ الْبُرْكَانِيَّةِ الَّتِي تَخْسِفُ فِيهَا الْأَرْضَ فَتِبْتَلَعُ مَا فَوْقَهَا وَيُصَاحِبُ هَذَا حُمَمٌ وَحِجَارَةٌ وَوَحْلٌ.. وَعِنْدَ رَبِّكِ لِلظَّالِمِينَ كَثِيرٌ!!! وَلَا نَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ لِنَقُولَ: إِنَّهُ كَانَ بُرْكَانٌ مِنْ تِلْكَ الْبَرَاكِينِ، ثَارَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَوَقَعَ مَا وَقَعَ. إِنَّنَا لَا نَنْفِي هَذَا. فَقَدْ يَكُونُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِعْلًا. وَلَكِنَّنَا لَا نَجْزِمُ بِهِ كَذَلِكَ وَلَا نُقَيِّدُ قَدَرَ اللَّهِ بِظَاهِرَةٍ وَاحِدَةٍ مَأْلُوفَةٍ.. وَقَوَامُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَأَمْثَالِهَا أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فِي تَقْدِيرِ اللَّهِ وُقُوعُ انْفِجَارٍ بُرْكَانِيٍّ فِي مَوْعِدِهِ فِي هَذَا الْمَوْعِدِ لِيُحَقِّقَ قَدَرَ اللَّهِ فِي قَوْمِ لُوطٍ كَمَا قُدِّرَ فِي عِلْمِهِ الْقَدِيمِ. وَهَذَا التَّوْقِيتُ وَالتَّوَافُقُ شَأْنٌ مِنْ شُؤُونِ أُلُوهِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ وَرُبُوبِيَّتِهِ لِلْكَوْنِ وَتَصْرِيفِهِ لِكُلِّ مَا يَجْرِي فِيهِ مُتَنَاسِقًا مَعَ قَدَرِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ وَبِكُلِّ حَيٍّ فِيهِ. وَجَائِزٌ كَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ وَقَعَتْ بِقَدَرٍ خَاصٍّ تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي تَمَّ بِهَا فِي ذَلِكَ الْحِينِ. وَفَهْمُ عَلَاقَةِ مَشِيئَةِ اللَّهِ بِالْكَوْنِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنَاهُ قَرِيبًا فِي التَّعْلِيقِ عَلَى حَادِثَةِ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ، لَا يُبْقِي مَجَالًا لِمُشْكِلَةٍ تَقُومُ فِي التَّصَوُّرِ الْإِنْسَانِيِّ لِمِثْلِ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ وَالْأُمُورِ ..

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية