الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى .. وَلَا يُفْصِحُ السِّيَاقُ عَنْ هَذِهِ الْبُشْرَى إِلَّا فِي مَوْعِدِهَا الْمُنَاسِبِ بِحُضُورِ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ! وَالرُّسُلِ: الْمَلَائِكَةِ. وَهُمْ هُنَا مَجْهُولُونَ، فَلَا نَدْخُلُ - مَعَ الْمُفَسِّرِينَ - فِي تَعْرِيفِهِمْ وَتَحْدِيدِ مِنْ هُمْ بِلَا دَلِيلٍ. قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ .. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ هَاجَرَ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ مَسْقَطُ رَأْسِهِ فِي الْعِرَاقِ، وَعَبْرَ الْأُرْدُنَ، وَسَكَنَ فِي أَرْضِ كَنْعَانٍ فِي الْبَادِيَةِ - وَعَلَى عَادَةِ الْبَدْوِ فِي إِكْرَامِ الْأَضْيَافِ رَاحَ إِبْرَاهِيمُ يُحْضِرُ لَهُمُ الطَّعَامَ وَقَدْ ظَنَّهُمْ ضُيُوفًا - : فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ .. أَيْ سَمِينٍ مَشْوِيٍّ عَلَى حِجَارَةِ الرَّضْفِ الْمُحْمَاةِ. وَلَكِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَ أَهْلِ الْأَرْضِ: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ .. أَيْ لَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ. نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً .. فَالَّذِي لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ يُرِيبُ، وَيُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَنْوِي خِيَانَةً أَوْ غَدْرًا بِحَسَبِ تَقَالِيدِ أَهْلِ الْبَدْوِ.. وَأَهَّلُ الرِّيفِ عِنْدَنَا يَتَحَرَّجُونَ مِنْ خِيَانَةِ الطَّعَامِ، أَيْ مِنْ خِيَانَةِ مَنْ أَكَلُوا مَعَهُ طَعَامًا! فَإِذَا امْتَنَعُوا عَنْ طَعَامِ أَحَدٍ فَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ يَنْوُونَ بِهِ شَرًّا، أَوْ أَنَّهُمْ لَا يَثِقُونَ فِي نِيَّاتِهِ لَهُمْ.. وَعِنْدَ هَذَا كَشَفُوا لَهُ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ: قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ .. وَإِبْرَاهِيمُ يُدْرِكُ مَا وَرَاءَ إِرْسَالِ الْمَلَائِكَةِ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ! وَلَكِنْ حَدَثَ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ مَا غَيَّرَ مَجْرَى الْحَدِيثِ: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ .. وَرُبَّمَا كَانَ ضَحِكُهَا ابْتِهَاجًا بِهَلَاكِ الْقَوْمِ الْمُلَوَّثِينَ: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ .. وَكَانَتْ عَقِيمًا لَمْ تَلِدْ وَقَدْ أَصْبَحَتْ عَجُوزًا. فَفَاجَأَتْهَا الْبُشْرَى بِإِسْحَاقَ. وَهِيَ بُشْرَى مُضَاعَفَةٌ بِأَنْ سَيَكُونُ لِإِسْحَاقَ عَقِبٌ مِنْ بَعْدِهِ هُوَ يَعْقُوبُ. وَالْمَرْأَةُ - وَبِخَاصَّةٍ الْعَقِيمُ - يَهْتَزُّ كِيَانُهَا كُلُّهُ لِمِثْلِ هَذِهِ الْبُشْرَى، وَالْمُفَاجَأَةُ بِهَا تَهُزُّهَا وَتُرْبِكُهَا: قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ .. وَهُوَ عَجِيبٌ حَقًّا. فَالْمَرْأَةُ يَنْقَطِعُ طَمَثُهَا عَادَةً فِي سِنِّ مُعَيَّنَةٍ فَلَا تَحْمِلُ. وَلَكِنْ لَا شَيْءَ بِالْقِيَاسِ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ عَجِيبٌ: قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ .. وَلَا عَجَبَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. فَالْعَادَةُ حِينَ تَجْرِي بِأَمْرٍ لَا يَكُونُ مَعْنَى هَذَا أَنَّهَا سُنَّةٌ لَا تَتَبَدَّلُ. وَعِنْدَمَا يَشَاءُ اللَّهُ لِحِكْمَةٍ يُرِيدُهَا - وَهِيَ هُنَا رَحْمَتُهُ بِأَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ وَبَرَكَاتِهِ الْمَوْعُودَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيهِ - يَقَعُ مَا يُخَالِفُ الْعَادَةَ، مَعَ وُقُوعِهِ وَفْقَ السُّنَّةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَا نَعْلَمُ حُدُودَهَا، وَلَا نَحْكُمُ عَلَيْهَا بِمَا تَجْرِي بِهِ الْعَادَةُ فِي أَمَدٍ هُوَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَحْدُودٍ، وَنَحْنُ لَا نَسْتَقْرِئُ جَمِيعَ الْحَوَادِثِ فِي الْوُجُودِ. وَالَّذِينَ يُقَيِّدُونَ مَشِيئَةَ اللَّهِ بِمَا يَعْرِفُونَهُ هُمْ مِنْ نَوَامِيسِهِ لَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ الْأُلُوهِيَّةِ كَمَا يُقَرِّرُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ - وَقَوْلُهُ الْفَصْلُ وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ قَوْلٌ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ - وَحَتَّى الَّذِينَ يُقَيِّدُونَ مَشِيئَةَ اللَّهِ بِمَا يُقَرِّرُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهُ نَامُوسُهُ، لَا يُدْرِكُونَ حَقِيقَةَ الْأُلُوهِيَّةِ كَذَلِكَ! فَمَشِيئَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ طَلِيقَةٌ وَرَاءَ مَا قَرَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ نَوَامِيسَ. وَلَا تَتَقَيَّدُ هَذِهِ الْمَشِيئَةُ بِالنَّوَامِيسِ. نَعَمْ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُجْرِي هَذَا الْكَوْنُ وَفْقَ النَّوَامِيسِ الَّتِي قَدَّرَهَا لَهُ.. وَلَكِنْ هَذَا شَيْءٌ وَالْقَوْلُ بِتَقَيُّدِ إِرَادَتِهِ بِهَذِهِ النَّوَامِيسِ بَعْدَ وُجُودِهَا شَيْءٌ آخَرُ! إِنَّ النَّامُوسَ يَجْرِي وَيَنْفُذُ بِقَدَرٍ مِنَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَنْفُذُ فِيهَا. فَهُوَ لَا يَجْرِي وَلَا يَنْفُذُ آلِيًّا. فَإِذَا قَدَّرَ اللَّهُ فِي مَرَّةٍ أَنْ يَجْرِيَ النَّامُوسُ بِصُورَةٍ أُخْرَى غَيْرَ الَّتِي جَرَى بِهَا فِي مَرَّاتٍ سَابِقَةٍ كَانَ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَلَمْ يَقِفِ النَّامُوسُ فِي وَجْهِ هَذَا الْقَدَرِ الْجَدِيدِ.. ذَلِكَ أَنَّ النَّامُوسَ الَّذِي تَنْدَرِجُ تَحْتَهُ كُلُّ النَّوَامِيسِ هُوَ طَلَاقَةُ الْمَشِيئَةِ بِلَا قَيْدٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَتَحَقُّقُ النَّامُوسِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَتَحَقَّقُ فِيهَا بِقَدْرٍ خَاصٍّ طَلِيقٍ.. وَإِلَى هُنَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدِ اطْمَأَنَّ إِلَى رُسُلِ رَبِّهِ، وَسَكَنَ قَلْبُهُ بِالْبُشْرَى الَّتِي حَمَلُوهَا إِلَيْهِ. وَلَكِنْ هَذَا لَمْ يُنْسِهِ لُوطًا وَقَوْمَهُ - وَهُوَ ابْنُ أَخِيهِ النَّازِحُ مَعَهُ مِنْ مَسْقَطِ رَأْسِهِ وَالسَّاكِنُ قَرِيبًا مِنْهُ - وَمَا يَنْتَظِرُهُمْ مِنْ وَرَاءِ إِرْسَالِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ هَلَاكٍ وَاسْتِئْصَالٍ. وَطَبِيعَةُ إِبْرَاهِيمَ الرَّحِيمَةُ الْوَدُودَةُ لَا تَجْعَلُهُ يُطِيقُ هَلَاكَ الْقَوْمِ وَاسْتِئْصَالَهُمْ جَمِيعًا: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ . وَالْحَلِيمُ الَّذِي يَحْتَمِلُ أَسْبَابَ الْغَضَبِ فَيَصْبِرُ وَيَتَأَنَّى وَلَا يَثُورُ. وَالْأَوَّاهُ الَّذِي يَتَضَرَّعُ فِي الدُّعَاءِ مِنَ التَّقْوَى. وَالْمُنِيبُ الَّذِي يَعُودُ سَرِيعًا إِلَى رَبِّهِ.. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا قَدْ دَعَتْ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يُجَادِلَ الْمَلَائِكَةَ فِي مَصِيرِ قَوْمِ لُوطٍ وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ هَذَا الْجِدَالُ لِأَنَّ النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ لَمْ يَفْصِلْهُ، فَجَاءَهُ الرَّدُّ بِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ فِيهِمْ قَدْ قُضِيَ وَأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ لِلْجِدَالِ مَجَالٌ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ..

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية