الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ .. إِنَّهَا تَكَادُ تَكُونُ الْأَلْفَاظَ ذَاتَهَا الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالَّتِي تَضَمَّنَهَا الْكُتَّابُ الَّذِي أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. وَهَذِهِ الْمُقَارَبَةُ فِي أَلْفَاظِ التَّعْبِيرِ عَنِ الْمَعْنَى الرَّئِيسِيِّ الْوَاحِدِ مَقْصُودَةٌ فِي السِّيَاقِ لِتَقْرِيرِ وَحْدَةِ الرِّسَالَةِ وَوَحْدَةِ الْعَقِيدَةِ، حَتَّى تَتَوَحَّدَ أَلْفَاظُ التَّعْبِيرِ عَنْ مَعَانِيهَا. وَذَلِكَ مَعَ تَقْدِيرِ أَنَّ الْمَحْكِيَّ هُنَا هُوَ مَعْنَى مَا قَالَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا أَلْفَاظُهُ. وَهُوَ الْأَرْجَحُ. فَنَحْنُ لَا نَدْرِي بِأَيَّةِ لُغَةٍ كَانَ نُوحٌ يُعَبِّرُ. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ .. وَلَمْ يَقُلْ قَالَ: إِنِّي.. لِأَنَّ التَّعْبِيرَ الْقُرْآنِيَّ يُحْيِي الْمَشْهَدَ فَكَأَنَّمَا هُوَ وَاقِعَةٌ حَاضِرَةٌ لَا حِكَايَةً مَاضِيَةً. وَكَأَنَّمَا هُوَ يَقُولُ لَهُمُ الْآنَ وَنَحْنُ نَشْهَدُ وَنَسْمَعُ. هَذَا مِنْ نَاحِيَةٍ، وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ يُلَخِّصُ وَظِيفَةَ الرِّسَالَةِ كُلَّهَا وَيُتَرْجِمُهَا إِلَى حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ .. وَهُوَ أَقْوَى فِي تَحْدِيدِ هَدَفِ الرِّسَالَةِ وَإِبْرَازِهِ فِي وِجْدَانِ السَّامِعِينَ. وَمَرَّةً أُخْرَى يُبَلْوِرُ مَضْمُونَ الرِّسَالَةِ فِي حَقِيقَةٍ جَدِيدَةٍ: أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ .. فَهَذَا هُوَ قِوَامُ الرِّسَالَةِ، وَقِوَامُ الْإِنْذَارِ. وَلِمَاذَا؟ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ .. فَيَتِمُّ الْإِبْلَاغُ وَيَتِمُّ الْإِنْذَارُ، فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْقِصَارِ.. وَالْيَوْمُ لَيْسَ أَلِيمًا. إِنَّمَا هُوَ مُؤْلِمٌ. وَالْأَلِيمُ - اسْمُ مَفْعُولٍ أَصْلُهُ: مَأْلُومٌ! - إِنَّمَا هُمُ الْمَأْلُومُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَلَكِنَّ التَّعْبِيرَ يَخْتَارُ هَذِهِ الصِّيغَةَ هُنَا، لِتَصْوِيرِ الْيَوْمِ ذَاتِهِ بِأَنَّهُ مُحَمَّلٌ بِالْأَلَمِ، شَاعِرٌ بِهِ، فَمَا بَالُ مِنْ فِيهِ؟ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ .. ذَلِكَ رَدُّ الْعِلْيَةِ الْمُتَكَبِّرِينَ.. الْمَلَأُ.. كِبَارُ الْقَوْمِ الْمُتَصَدِّرِينَ.. وَهُوَ يَكَادُ يَكُونُ رَدُّ الْمَلَإِ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا، وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا - بَادِيَ الرَّأْيِ - وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ، بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ. الشُّبَهَاتُ ذَاتُهَا، وَالْاتِّهَامَاتُ ذَاتُهَا، وَالْكِبْرِيَاءُ ذَاتُهُ، وَالِاسْتِقْبَالُ الْغَبِيُّ الْجَاهِلُ الْمُتَعَافِي! إِنَّهَا الشُّبْهَةُ الَّتِي وَقَّرَتْ فِي نُفُوسِ جُهَّالِ الْبَشَرِ: أَنَّ الْجِنْسَ الْبَشَرِيَّ أَصْغَرُ مِنْ حَمْلِ رِسَالَةِ اللَّهِ; فَإِنْ تَكُنْ رِسَالَةً فَلْيَحْمِلْهَا مَلِكٌ أَوْ مَخْلُوقٌ آخَرُ. وَهِيَ شُبْهَةٌ جَاهِلَةٌ، مَصْدَرُهَا عَدَمُ الثِّقَةِ بِهَذَا الْمَخْلُوقِ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ اللَّهُ فِي أَرْضِهِ، وَهِيَ وَظِيفَةٌ خَطِيرَةٌ ضَخْمَةٌ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ قَدْ أَوْدَعَ فِي هَذَا الْإِنْسَانِ مَا يُكَافِئُهَا مِنَ الْاسْتِعْدَادِ وَالطَّاقَةِ، وَأَوْدَعَ فِي جِنْسِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْنِهِ أَفْرَادٌ مُهَيَّأُونَ لِحَمْلِ الرِّسَالَةِ، بِاخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا أَوْدَعَ فِي كِيَانِهِمُ الْخَاصِّ مِنْ خَصَائِصِ هَذَا الْجِنْسِ فِي عُمُومِهِ. وَشُبْهَةٌ أُخْرَى جَاهِلَةٌ كَذَلِكَ. هِيَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ اللَّهُ يَخْتَارُ رَسُولًا، فَلِمَ لَا يَكُونُ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الْمَلَإِ الْكُبَرَاءُ فِي قَوْمِهِمِ، الْمُتَسَلِّطِينَ الْعَالِينَ؟ وَهُوَ جَهْلٌ بِالْقِيَمِ الْحَقِيقِيَّةِ لِهَذَا الْمَخْلُوقِ الْإِنْسَانِيِّ، وَالَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اسْتَحَقَّ الْخِلَافَةَ فِي الْأَرْضِ بِعُمُومِهِ، وَاسْتَحَقَّ حَمْلَ رِسَالَةِ اللَّهِ بِخُصُوصِيَّتِهِ فِي الْمُخْتَارِينَ مِنْ صُفُوفِهِ. وَهَذِهِ الْقِيَمُ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِمَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوِ اسْتِطَالَةٍ فِي الْأَرْضِ، إِنَّمَا هِيَ فِي صَمِيمِ النَّفْسِ، وَاسْتِعْدَادِهَا لِلِاتِّصَالِ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى، بِمَا فِيهَا مِنْ صَفَاءٍ وَتَفَتُّحٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى التَّلَقِّي، وَاحْتِمَالٍ لِلْأَمَانَةِ وَصَبْرٍ عَلَى أَدَائِهَا وَمَقْدِرَةٍ عَلَى إِبْلَاغِهَا.. إِلَى آخَرِ صِفَاتِ النُّبُوَّةِ الْكَرِيمَةِ.. وَهِيَ صِفَاتٌ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِمَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوِ اسْتِعْلَاءٍ! وَلَكِنَّ الْمَلَأَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، كَالْمَلَإِ مَنْ قَوْمِ كُلِّ نَبِيٍّ تُعْمِيهِمْ مَكَانَتُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ عَنْ رُؤْيَةِ هَذِهِ الْخَصَائِصِ الْعُلْوِيَّةِ، فَلَا يُدْرِكُونَ مُبَرِّرًا لِاخْتِصَاصِ الرُّسُلِ بِالرِّسَالَةِ. وَهِيَ فِي زَعْمِهِمْ لَا تَكُونُ لِبَشَرٍ. فَإِنْ كَانَتْ فَهِيَ لِأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْوُجَهَاءِ الْعَالِينَ فِي الْأَرْضِ! مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا .. هَذِهِ وَاحِدَةٌ.. أَمَّا الْأُخْرَى فَأَدْهَى: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ !! وَهُمْ يُسَمُّونَ الْفُقَرَاءَ مِنَ النَّاسِ "أَرَاذِلَ" .. كَمَا يَنْظُرُ الْكُبَرَاءُ دَائِمًا إِلَى الْآخَرِينَ الَّذِينَ لَمَّ يُؤْتُوا الْمَالَ وَالسُّلْطَانَ! وَأُولَئِكَ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ السَّابِقُونَ غَالِبًا; لِأَنَّهُمْ بِفِطْرَتِهِمْ أَقْرَبُ إِلَى الِاسْتِجَابَةِ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي تُحَرِّرُ النَّاسَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ لِلْكُبَرَاءِ، وَتَصِلُ الْقُلُوبَ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ قَاهِرٍ عَالٍ عَلَى الْأَعْلِياءِ. وَلِأَنَّ فِطْرَتَهُمْ لَمْ يُفْسِدْهَا الْبَطَرُ وَالتَّرَفُ، وَلَمْ تُعَوِّقْهَا الْمَصَالِحُ وَالْمَظَاهِرُ عَنِ الْاسْتِجَابَةِ; وَلِأَنَّهُمْ لَا يَخَافُونَ مِنَ الْعَقِيدَةِ فِي اللَّهِ أَنْ تُضَيِّعَ عَلَيْهِمْ مَكَانَةً مَسْرُوقَةً لِغَفْلَةِ الْجَمَاهِيرِ وَاسْتِعْبَادِهَا لِلْخُرَافَاتِ الْوَثَنِيَّةِ فِي شَتَّى صُوَرِهَا. وَأَوَّلُ صُوَرِ الْوَثَنِيَّةِ الدَّيْنُونَةُ وَالْعُبُودِيَّةُ وَالطَّاعَةُ وَالِاتِّبَاعُ لِلْأَشْخَاصِ الزَّائِلَةِ بَدَلًا مِنَ الْاتِّجَاهِ بِهَذَا كُلِّهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ دُونَ شَرِيكٍ. فَرِسَالَاتُ التَّوْحِيدِ هِيَ حَرَكَاتُ التَّحْرِيرِ الْحَقِيقِيَّةُ لِلْبَشَرِ فِي كُلِّ طَوْرٍ وَفِي كُلِّ أَرْضٍ. وَمِنْ ثَمَّ كَانَ يُقَاوِمُهَا الطُّغَاةُ دَائِمًا، وَيَصُدُّونَ عَنْهَا الْجَمَاهِيرَ; وَيُحَاوِلُونَ تَشْوِيهَهَا وَاتِّهَامَ الدُّعَاةِ إِلَيْهَا بِشَرِّ التُّهَمِ لِلتَّشْوِيشِ وَالتَّنْفِيرِ. وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ .. أَيْ دُونَ تَرَوٍّ وَلَا تَفْكِيرٍ.. وَهَذِهِ تُهْمَةٌ كَذَلِكَ تُوَجَّهُ دَائِمًا مِنَ الْمَلَإِ الْعَالِينَ لِجُمُوعِ الْمُؤْمِنِينَ.. أَنَّهَا لَا تَتَرَوَّى وَلَا تُفَكِّرُ فِي اتِّبَاعِ الدَّعَوَاتِ. وَمِنْ ثَمَّ فَهِيَ مُتَّهَمَةٌ فِي اتِّبَاعِهَا وَانْدِفَاعِهَا، وَلَا يَلِيقُ بِالْكُبَرَاءِ أَنْ يَنْهَجُوا نَهْجَهَا، وَلَا أَنْ يَسْلُكُوا طَرِيقَهَا. فَإِذَا كَانَ الْأَرَاذِلُ يُؤْمِنُونَ، فَمَا يَلِيقُ إِذَنْ بِالْكُبَرَاءِ أَنْ يُؤْمِنُوا إِيمَانَ الْأَرَاذِلِ; وَلَا أَنْ يَدْعُوَا الْأَرَاذِلَ يُؤْمِنُونَ! وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ .. يُدْمِجُونَ الدَّاعِيَ بِمَنْ تَبِعُوهُ مِنَ الْأَرَاذِلِ! مَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ يَجْعَلُكُمْ أَقْرَبَ إِلَى الْهُدَى، أَوْ أَعْرَفَ بِالصَّوَابِ. فَلَوْ كَانَ مَا مَعَكُمْ خَيْرًا وَصَوَابًا لَاهْتَدَيْنَا إِلَيْهِ، وَلَمْ تَسْبِقُونَا أَنْتُمْ إِلَيْهِ! وَهُمْ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ ذَلِكَ الْقِيَاسَ الْخَاطِئَ الَّذِي تَحَدَّثْنَا عَنْهُ. قِيَاسُ الْفَضْلِ بِالْمَالِ، وَالْفَهْمِ بِالْجَاهِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِالسُّلْطَانِ.. فَذُو الْمَالِ أَفْضَلُ. وَذُو الْجَاهِ أَفْهَمُ. وَذُو السُّلْطَانِ أَعْرَفُ!!! هَذِهِ الْمَفَاهِيمُ وَتِلْكَ الْقِيَمُ الَّتِي تَسُودُ دَائِمًا حِينَ تَغِيبُ عَقِيدَةُ التَّوْحِيدِ عَنِ الْمُجْتَمَعِ، أَوْ تَضْعُفُ آثَارُهَا، فَتَرْتَدُّ الْبَشَرِيَّةُ إِلَى عُهُودِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِلَى تَقَالِيدِ الْوَثَنِيَّةِ فِي صُورَةٍ مِنْ صُوَرِهَا الْكَثِيرَةِ. وَإِنْ بَدَتْ فِي ثَوْبٍ مِنَ الْحَضَارَةِ الْمَادِّيَّةِ قَشِيبٍ . وَهِيَ انْتِكَاسَةٌ لِلْبَشَرِيَّةِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، لِأَنَّهَا تُصَغِّرُ مِنَ الْقِيَمِ الَّتِي بِهَا صَارَ الْإِنْسَانُ إِنْسَانًا، وَاسْتَحَقَّ الْخِلَافَةَ فِي الْأَرْضِ، وَتَلَقَّى الرِّسَالَةَ مِنَ السَّمَاءِ وَتَرْجِعُ بِهِ إِلَى قِيَمٍ أَقْرَبَ إِلَى الْحَيَوَانِيَّةِ الْعَضَلِيَّةِ الْفِيزِيقِيَّةِ! بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ... وَهِيَ التُّهْمَةُ الْأَخِيرَةُ يَقْذِفُونَ بِهَا فِي وَجْهِ الرَّسُولِ وَأَتْبَاعِهِ. وَلَكِنَّهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ طَبَقَتِهِمِ.. "الْأُرُسْتُقْرَاطِيَّةِ" .. يُلْقُونَهَا فِي أُسْلُوبِ التَّحَفُّظِ اللَّائِقِ "بِالْأُرُسْتُقْرَاطِ!" "بَلْ نَظُنُّكُمْ!" لِأَنَّ الْيَقِينَ الْجَازِمَ فِي الْقَوْلِ وَالْاتِّجَاهَ مِنْ طَبِيعَةِ الْجَمَاهِيرِ الْمُنْدَفِعَةِ - بَادِيَ الرَّأْيِ - الَّتِي يَتَرَفَّعُ عَنْهَا السَّادَةُ الْمُفَكِّرُونَ الْمُتَحَفِّظُونَ! إِنَّهُ النَّمُوذَجُ الْمُتَكَرِّرُ مِنْ عَهْدِ نُوحٍ ، لِهَذِهِ الطَّبَقَةِ الْمَلِيئَةِ الْجُيُوبِ الْفَارِغَةِ الْقُلُوبِ، الْمُتَعَاظِمَةِ الْمُدَّعِيَةِ الْمُنْتَفِخَةِ الْأَوْدَاجِ وَالْأَمْخَاخِ!! وَيَتَلَقَّى نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْاتِّهَامَ وَالْإِعْرَاضَ وَالِاسْتِكْبَارَ، فِي سَمَاحَةِ النَّبِيِّ وَفِي اسْتِعْلَائِهِ وَفِي ثِقَتِهِ بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ،وَاطْمِئْنَانِهِ إِلَى رَبِّهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ; وَفِي وُضُوحِ طَرِيقِهِ أَمَامَهُ وَاسْتِقَامَةِ مَنْهَجِهِ فِي شُعُورِهِ. فَلَا يَشْتُمُ كَمَا شَتَمُوا، وَلَا يَتَّهِمُ كَمَا اتَّهَمُوا، وَلَا يَدَّعِي كَمَا ادَّعَوْا، وَلَا يُحَاوِلُ أَنْ يَخْلَعَ عَلَى نَفْسِهِ مَظْهَرًا غَيْرَ حَقِيقَتِهِ وَلَا عَلَى رِسَالَتِهِ شَيْئًا غَيْرَ طَبِيعَتِهَا.. قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ .. "يَا قَوْمِ" .. فِي سَمَاحَةٍ وَمَوَدَّةٍ بِنِدَائِهِمْ وَنِسْبَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَنِسْبَةِ نَفْسِهِ إِلَيْهِمْ. إِنَّكُمْ تَعْتَرِضُونَ فَتَقُولُونَ: مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا .. فَمَا يَكُونُ رَأْيُكُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى اتِّصَالٍ بِرَبِّي، بَيِّنٍ فِي نَفْسِي مُسْتَيْقِنٍ فِي شُعُورِي. وَهِيَ خَاصِّيَّةٌ لَمْ تُوهَبُوهَا. وَإِنْ كَانَ اللَّهُ آتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ بِاخْتِيَارِي لِلرِّسَالَةِ، أَوْ آتَانِي مِنَ الْخَصَائِصِ مَا أَسْتَحِقُّ بِهِ حَمْلَ الرِّسَالَةِ - وَهَذِهِ رَحْمَةٌ وَلَا شَكَّ عَظِيمَةٌ - مَا رَأْيُكُمْ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ وَتِلْكَ فَخَفِيَتْ عَلَيْكُمْ خَفَاءَ عِمَايَةٍ، لِأَنَّكُمْ غَيْرُ مُتَهَيِّئَيْنِ لِإِدْرَاكِهَا، وَغَيْرُ مَفْتُوحَيِ الْبَصَائِرِ لِرُؤْيَتِهَا. "أَنُلْزِمُكُمُوهَا؟" إِنَّهُ مَا كَانَ لِي وَمَا أَنَا بِمُسْتَطِيعٍ أَنْ أُلْزِمُكُمُ الْإِذْعَانَ لَهَا وَالْإِيمَانَ بِهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ! وَهَكَذَا يَتَلَطَّفُ نُوحٌ فِي تَوْجِيهِ أَنْظَارِهِمْ وَلَمْسِ وِجْدَانِهِمْ وَإِثَارَةِ حَسَاسِيَتِهِمْ لِإِدْرَاكِ الْقِيَمِ الْخَفِيَّةِ عَلَيْهِمْ، وَالْخَصَائِصِ الَّتِي يَغْفُلُونَ عَنْهَا فِي أَمْرِ الرِّسَالَةِ وَالْاخْتِيَارِ لَهَا: وَيُبَصِّرُهُمْ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ مَوْكُولًا إِلَى الظَّوَاهِرِ السَّطْحِيَّةِ الَّتِي يَقِيسُونَ بِهَا. وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ يُقَرِّرُ لَهُمُ الْمَبْدَأَ الْعَظِيمَ الْقَوِيمَ. مَبْدَأُ الْاخْتِيَارِ فِي الْعَقِيدَةِ، وَالْاقْتِنَاعِ بِالنَّظَرِ وَالتَّدَبُّرِ، لَا بِالْقَهْرِ وَالسُّلْطَانِ وَالِاسْتِعْلَاءِ! وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ . يَا قَوْمُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَهُمْ أَرَاذِلَ قَدْ دَعَوْتُهُمْ فَآمَنُوا، وَلَيْسَ لِي عِنْدَ النَّاسِ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا. إِنَّنِي لَا أَطْلُبُ مَالًا عَلَى الدَّعْوَةِ، حَتَّى أَكُونَ حَفِيًّا بِالْأَثْرِيَاءِ غَيْرَ حَفِيٍّ بِالْفُقَرَاءِ; فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ عِنْدِي سَوَاءٌ.. وَمَنْ يَسْتَغْنِ عَنْ مَالِ النَّاسِ يَتَسَاوَى عِنْدَهُ الْفُقَرَاءُ وَالْأَغْنِيَاءُ.. إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ .. عَلَيْهِ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ. وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا .. وَنَفْهَمُ مِنْ هَذَا الرَّدِّ أَنَّهُمْ طَلَبُوا أَوْ لَوَّحُوا لَهُ بِطَرْدِهِمْ مِنْ حَوْلِهِ، حَتَّى يُفَكِّرُوا هُمْ فِي الْإِيمَانِ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَنْكِفُونَ أَنْ يَلْتَقُوا عِنْدَهُ بِالْأَرَاذِلِ، أَوْ أَنْ يَكُونُوا وَإِيَّاهُمْ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ! - لَسْتُ بِطَارِدِهِمْ، فَهَذَا لَا يَكُونُ مِنِّي. لَقَدْ آمَنُوا وَأَمْرَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ لَا لِي: إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ .. وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ .. تَجْهَلُونَ الْقِيَمَ الْحَقِيقِيَّةَ الَّتِي يُقَدَّرُ بِهَا النَّاسُ فِي مِيزَانِ اللَّهَ. وَتَجْهَلُونَ أَنَّ مَرَدَّ النَّاسِ كُلِّهِمْ إِلَى اللَّهِ. وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ .. فَهُنَاكَ اللَّهُ. رَبُّ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ. رَبُّ الضُّعَفَاءِ وَالْأَقْوِيَاءِ. هُنَاكَ اللَّهُ يُقَوِّمُ النَّاسَ بِقِيَمٍ أُخْرَى. وَيَزِنُهُمْ بِمِيزَانٍ وَاحِدٍ. هُوَ الْإِيمَانُ. فَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ فِي حِمَايَةِ اللَّهِ وَرِعَايَتِهِ. وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ .. مَنْ يَعْصِمُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ أَنَا أَخْلَلْتُ بِمَوَازِينِهِ، وَبَغَيْتُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ - وَهُمْ أَكْرَمُ عَلَيْهِ - وَأَقْرَرْتُ الْقِيَمَ الْأَرْضِيَّةَ الزَّائِفَةَ الَّتِي أَرْسَلَنِي اللَّهُ لِأُعِدَّ لَهَا لَا لِأَتْبَعِهَا؟ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ .. وَقَدْ أَنْسَاكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِيزَانُ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الْقَوِيمَةِ ثُمَّ يُقَدِّمُ لَهُمْ شَخْصَهُ وَرِسَالَتَهُ مُجَرَّدَيْنِ عَنْ كُلِّ زُخْرُفٍ وَكُلِّ طِلَاءٍ وَكُلِّ قِيمَةٍ مِنْ تِلْكَ الْقِيَمِ الْعَرْضِيَّةِ الزَّائِفَةِ. يُقَدِّمُهَا لَهُمْ فِي مَعْرِضِ التَّذْكِيرِ، لِيُقَرِّرَ لَهُمُ الْقِيَمَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَيَزْدَرِيَ أَمَامَهُمُ الْقِيَمَ الظَّاهِرِيَّةَ، بِتَخَلِّيهِ عَنْهَا، وَتَجَرُّدِهِ مِنْهَا. فَمَنْ شَاءَ الرِّسَالَةَ كَمَا هِيَ، بِقِيَمِهَا، بِدُونِ زُخْرُفٍ، بِدُونِ ادِّعَاءٍ، فَلْيَتَقَدَّمْ إِلَيْهَا مُجَرَّدَةً خَالِصَةً لِلَّهِ: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ فَأَدَّعِي الثَّرَاءَ أَوِ الْقُدْرَةَ عَلَى الْإِثْرَاءِ ... وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ .. فَأَدَّعِي قُدْرَةً لَيْسَتْ لِلْبَشَرِ أَوْ صِلَةً بِاللَّهِ غَيْرَ صِلَةِ الرِّسَالَةِ.. وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ .. فَأَدَّعِي صِفَةً أَعْلَى مِنْ صِفَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي ظَنِّكُمْ لِأَرْتَفِعَ فِي أَعْيُنِكُمْ، وَأُفَضِّلُ نَفْسِي بِذَاتِي عَلَيْكُمْ.. وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا .. إِرْضَاءً لِكِبْرِيَائِكُمْ، أَوْ مُسَايَرَةً لِتَقْدِيرِكُمُ الْأَرْضِيِّ وَقِيَمِكُمُ الْعَرْضِيَّةِ. اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ .. فَلَيْسَ لِي إِلَّا ظَاهِرُهُمْ، وَظَاهِرُهُمْ يَدْعُو إِلَى التَّكْرِيمِ، وَإِلَى الرَّجَاءِ فِي أَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا.. إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ .. إِنِ ادَّعَيْتُ أَيَّةَ دَعْوَى مِنْ هَذِهِ الدَّعَاوِي. الظَّالِمِينَ لِلْحَقِّ وَقَدْ جِئْتُ أَبْلَغَهُ; وَالظَّالِمِينَ لِنَفْسِي فَأُعَرِّضُهَا لِغَضَبِ اللَّهِ; وَالظَّالِمِينَ لِلنَّاسِ فَأُنْزِلُهُمْ غَيْرَ مَا أَنْزَلَهُمُ اللَّهُ. وَهَكَذَا يَنْفِي نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ رِسَالَتِهِ كُلَّ قِيمَةٍ زَائِفَةٍ وَكُلَّ هَالَةٍ مُصْطَنَعَةٍ يَتَطَلَّبُهَا الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ فِي الرَّسُولِ وَالرِّسَالَةِ. وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِمْ بِهَا مُجَرَّدَةً إِلَّا مِنْ حَقِيقَتِهَا الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَعْرَاضِ السَّطْحِيَّةِ. وَيَرُدُّهُمْ فِي نَصَاعَةِ الْحَقِّ وَقُوَّتِهِ، مَعَ سَمَاحَةِ الْقَوْلِ وَوِدِّهِ إِلَى الْحَقِيقَةِ الْمُجَرَّدَةِ لِيُوَاجِهُوهَا، وَيَتَّخِذُوا لِأَنْفُسِهِمْ خُطَّةً عَلَى هُدَاهَا. بِلَا مُلْقٍ وَلَا زَيْفَ وَلَا مُحَاوَلَةَ اسْتِرْضَاءٍ عَلَى حِسَابِ الرِّسَالَةِ وَحَقِيقَتِهَا الْبَسِيطَةِ. فَيُعْطِي أَصْحَابَ الدَّعْوَةِ فِي أَجْيَالِهَا جَمِيعًا، نُمُوذَجًا لِلدَّاعِيَةِ، وَدَرْسًا فِي مُوَاجَهَةِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ بِالْحَقِّ الْمُجَرَّدِ، دُونَ اسْتِرْضَاءٍ لِتَصَوُّرَاتِهِمْ، وَدُونَ مُمَالَأَةٍ لَهُمْ، مَعَ الْمَوَدَّةِ الَّتِي لَا تَنْحَنِي مَعَهَا الرُّؤُوسُ! وَعِنْدَ هَذَا الْحَدِّ كَانَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ قَدْ يَئِسُوا مِنْ مُنَاهَضَةِ الْحُجَّةِ بِالْحُجَّةِ; فَإِذَا هُمْ - عَلَى عَادَةِ طَبَقَتِهِمْ - قَدْ أَخَذَتْهُمُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، وَاسْتَكْبَرُوا أَنْ تَغْلِبَهُمُ الْحُجَّةُ، وَأَشَنُّ يُذْعِنُوا لِلْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ وَالْفِطْرِيِّ. وَإِذَا هُمْ يَتْرُكُونَ الْجَدَلَ إِلَى التَّحَدِّي: قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .. إِنَّهُ الْعَجْزُ يَلْبَسُ ثَوْبَ الْقُدْرَةِ، وَالضَّعْفُ يَرْتَدِي رِدَاءَ الْقُوَّةِ; وَالْخَوْفُ مِنْ غَلَبَةِ الْحَقِّ يَأْخُذُ شَكْلَ الْاسْتِهَانَةِ وَالتَّحَدِّي: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .. وَأَنْزِلْ بِنَا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ الَّذِي أَنْذَرْتَنَا بِهِ فَلَسْنَا نُصَدِّقُكَ، وَلَسْنَا نُبَالِي وَعِيدَكَ. أَمَّا نُوحٌ فَلَا يُخْرِجُهُ هَذَا التَّكْذِيبُ وَالتَّحَدِّي عَنْ سَمْتِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، وَلَا يُقْعِدُهُ عَنْ بَيَانِ الْحَقِّ لَهُمْ، وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى الْحَقِيقَةِ الَّتِي غَفَلُوا عَنْهَا وَجَهِلُوهَا فِي طَلَبِهِمْ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِمَا أَوْعَدَهُمْ، وَرَدِّهِمْ إِلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ وَهِيَ أَنَّهُ لَيْسَ سِوَى رَسُولٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْبَلَاغُ، أَمَّا الْعَذَابُ فَمِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الْأَمْرَ كُلَّهُ، وَيُقَدِّرُ الْمَصْلَحَةَ فِي تَعْجِيلِ الْعَذَابِ أَوْ تَأْجِيلِهِ، وَسُنَّتُهُ هِيَ الَّتِي تَنْفَذُ.. وَمَا يَمْلِكُ هُوَ أَنْ يَرُدَّهَا أَوْ يُحَوِّلَهَا.. إِنَّهُ رَسُولٌ. وَعَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَ عَنِ الْحَقِّ حَتَّى اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ، فَلَا يُقْعِدُهُ عَنْ إِبْلَاغِهِ وَبَيَانِهِ أَنَّ الْقَوْمَ يُكَذِّبُونَهُ وَيَتَحَدَّوْنَهُ: قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .. فَإِذَا كَانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَقْتَضِي أَنْ تَهْلَكُوا بِغَوَايَتِكُمْ، فَإِنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ سَتَمْضِي فِيكُمْ، مَهْمَا بَذَلْتُ لَكُمْ مِنَ النُّصْحِ. لَا لِأَنَّ اللَّهَ سَيَصُدُّكُمْ عَنِ الْانْتِفَاعِ بِهَذَا النُّصْحِ، وَلَكِنْ لِأَنَّ تَصَرُّفَكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ يَجْعَلُ سُنَّةَ اللَّهِ تَقْتَضِي أَنْ تَضِلُّوا، وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزَيْنِ لِلَّهِ عَنْ أَنْ يَنَالَكُمْ مَا يُقَدَّرُ لَكُمْ، فَأَنْتُمْ دَائِمًا فِي قَبْضَتِهِ، وَهُوَ الْمُدَبِّرُ وَالْمُقَدِّرُ لِأَمْرِكُمْ كُلِّهِ; وَلَا مَفَرَّ لَكُمْ مِنْ لِقَائِهِ وَحِسَابِهِ وَجَزَائِهِ: هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ..

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية