الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَلِتَقْرِيرِ حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ ، وَإِقَامَتِهَا عَلَى أُصُولِهَا الثَّابِتَةِ، يَمْضِي السِّيَاقُ فَيُقَرِّرُ أَنَّ الْقُوَّةَ الْفَاعِلَةَ فِي النَّصْرِ وَالْخُذْلَانِ هِيَ قُوَّةُ اللَّهِ، فَعِنْدَهَا يَلْتَمِسُ النَّصْرَ، وَمِنْهَا تُتَّقَى الْهَزِيمَةُ، وَإِلَيْهَا يَكُونُ التَّوَجُّهُ، وَعَلَيْهَا يَكُونُ التَّوَكُّلُ، بَعْدَ اتِّخَاذِ الْعُدَّةِ، وَنَفْضُ الْأَيْدِي مِنَ الْعَوَاقِبِ، وَتَعْلِيقِهَا بِقَدَرِ اللَّهِ: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .. إِنَّ التَّصَوُّرَ الْإِسْلَامِيَّ يَتَّسِمُ بِالتَّوَازُنِ الْمُطْلَقِ بَيْنَ تَقْرِيرِ الْفَاعِلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لَقَدَرِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - وَتَحَقَّقَ هَذَا الْقَدَرُ فِي الْحَيَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ مِنْ خِلَالِ نَشَاطِ الْإِنْسَانِ وَفَاعِلِيَّتِهِ وَعَمَلِهِ.. إِنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَجْرِي بِتَرْتِيبِ النَّتَائِجِ عَلَى الْأَسْبَابِ. وَلَكِنَّ الْأَسْبَابَ لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي "تُنْشِئُ" النَّتَائِجَ. فَالْفَاعِلُ الْمُؤَثِّرُ هُوَ اللَّهُ. وَاللَّهُ يُرَتِّبُ النَّتَائِجَ عَلَى الْأَسْبَابِ بِقَدْرِهِ وَمَشِيئَتِهِ .. وَمِنْ ثَمَّ يَطْلُبُ إِلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُؤَدِّيَ وَاجِبَهُ، وَأَنْ يَبْذُلَ جُهْدَهُ، وَأَنْ يَفِيَ بِالْتِزَامَاتِهِ. وَبِقَدَرِ مَا يُوفِي بِذَلِكَ كُلِّهِ يُرَتِّبُ اللَّهُ النَّتَائِجَ وَيُحَقِّقُهَا.. وَهَكَذَا تَظَلُّ النَّتَائِجُ وَالْعَوَاقِبُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ. هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يَأْذَنُ لَهَا بِالْوُجُودِ حِينَ يَشَاءُ، وَكَيْفَمَا يَشَاءُ.. وَهَكَذَا يَتَوَازَنُ تَصَوُّرُ الْمُسْلِمِ وَعَمَلِهِ. فَهُوَ يَعْمَلُ وَيَبْذُلُ مَا فِي طَوْقِهِ; وَهُوَ يَتَعَلَّقُ فِي نَتِيجَةِ عَمَلِهِ وَجُهْدِهِ بِقَدَرِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ. وَلَا حَتْمِيَّةَ فِي تَصَوُّرِهِ بَيْنَ النَّتَائِجِ وَالْأَسْبَابِ. فَهُوَ لَا يُحَتِّمُ أَمْرًا بِعَيْنِهِ عَلَى اللَّهِ!. وَهُنَا فِي قَضِيَّةِ النَّصْرِ وَالْخُذْلَانِ، بِوَصْفِهِمَا نَتِيجَتَيْنِ لِلْمَعْرَكَةِ - أَيَّةُ مَعْرَكَةٍ - يَرُدُّ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ; وَيُعَلِّقُهُمْ بِإِرَادَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ: إِنْ يَنْصُرْهُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَهُمْ. وَإِنْ يَخْذُلْهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ.. وَهِيَ الْحَقِيقَةُ الْكُلِّيَّةُ الْمُطْلَقَةُ فِي هَذَا الْوُجُودِ. حَيْثُ لَا قُوَّةَ إِلَّا قُوَّةَ اللَّهِ، وَلَا قُدْرَةَ إِلَّا قُدْرَتَهُ ، وَلَا مَشِيئَةَ إِلَّا مَشِيئَتَهُ. وَعَنْهَا تَصْدُرُ الْأَشْيَاءُ وَالْأَحْدَاثُ.. وَلَكِنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تُعْفِي الْمُسْلِمِينَ مِنَ اتِّبَاعِ الْمَنْهَجِ، وَطَاعَةِ التَّوْجِيهِ، وَالنُّهُوضِ بِالتَّكَالِيفِ، وَبَذْلِ الْجُهْدِ، وَالتَّوَكُّلِ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ عَلَى اللَّهِ: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .. وَبِذَلِكَ يَخْلُصُ تَصَوُّرُ الْمُسْلِمِ مِنَ الْتِمَاسِ شَيْءٍ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ; وَيَتَّصِلُ قَلْبُهُ مُبَاشَرَةً بِالْقُوَّةِ الْفَاعِلَةِ فِي هَذَا الْوُجُودِ; فَيَنْفُضُ يَدَهُ مِنْ كُلِّ الْأَشْبَاحِ الزَّائِفَةِ وَالْأَسْبَابِ الْبَاطِلَةِ لِلنُّصْرَةِ وَالْحِمَايَةِ وَالِالْتِجَاءِ; وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ فِي أَحْدَاثِ النَّتَائِجِ، وَتَحْقِيقِ الْمَصَايِرِ، وَتَدْبِيرِ الْأَمْرِ بِحِكْمَتِهِ، وَتَقَبُّلِ مَا يَجِيءُ بِهِ قَدَرُ اللَّهِ فِي اطْمِئْنَانٍ أَيًّا كَانَ . إِنَّهُ التَّوَازُنُ الْعَجِيبُ، الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ الْقَلْبُ الْبَشَرِيُّ إِلَّا فِي الْإِسْلَامِ. ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْحَدِيثِ عَنِ النُّبُوَّةِ وَخَصَائِصِهَا الْخُلُقِيَّةِ; لِيَمُدَّ مِنْ هَذَا الْمِحْوَرِ خُيُوطًا فِي التَّوْجِيهِ لِلْأَمَانَةِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْغُلُولِ، وَالتَّذْكِيرِ بِالْحِسَابِ ، وَتَوْفِيَةِ النُّفُوسِ دُونَ إِجْحَافٍ: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ .. وَلَقَدْ كَانَ مِنْ بَيْنِ الْعَوَامِلِ الَّتِي جَعَلَتِ الرُّمَاةَ يُزَايِلُونَ مَكَانَهُمْ مِنَ الْجَبَلِ ، خَوْفَهُمْ أَلَّا يَقْسِمَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْغَنَائِمِ! كَذَلِكَ كَانَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ قَدْ تَكَلَّمُوا بِأَنَّ بَعْضَ غَنَائِمِ بَدْرٍ مِنْ قَبْلُ قَدِ اخْتَفَتْ; وَلَمْ يَسْتَحُوا أَنَّ يَهْمِسُوا بِاسْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْمَجَالِ. فَهُنَا يَأْتِي السِّيَاقُ بِحُكْمٍ عَامٍّ يَنْفِي عَنِ الْأَنْبِيَاءِ عَامَّةً إِمْكَانَ أَنْ يَغْلُوا .. أَيْ أَنْ يَحْتَجِزُوا شَيْئًا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْغَنَائِمِ أَوْ يُقَسِّمُوا لِبَعْضِ الْجُنْدِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ يَخُونُوا إِجْمَالًا فِي شَيْءٍ: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ .. مَا كَانَ لَهُ. فَهُوَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَصْلًا وَلَا مَنْ طَبْعِهِ وَلَا مِنْ خُلُقِهِ. فَالنَّفْيُ هُنَا نَفْيٌ لِإِمْكَانِ وُقُوعِ الْفِعْلِ. وَلَيْسَ نَفْيًا لِحَلِّهِ أَوْ جَوَازِهِ. فَطَبِيعَةُ النَّبِيِّ الْأَمِينَةُ الْعَادِلَةُ الْعَفِيفَةُ لَا يَتَأَتَّى أَنْ يَقَعَ مِنْهَا الْغُلُولُ ابْتِدَاءً.. وَفِي قِرَاءَةِ: يَغُلَّ عَلَى بِنَاءِ الْفِعْلِ لِغَيْرِ الْفَاعِلِ. أَيْ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَانَ. وَلَا أَنْ يُخْفِيَ عَنْهُ أَتْبَاعُهُ شَيْئًا.. فَيَكُونُ نَهْيًا عَنْ خِيَانَةِ النَّبِيِّ فِي شَيْءٍ . وَهُوَ يَتَمَشَّى مَعَ عَجْزِ الْآيَةِ. وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . ثُمَّ يُهَدِّدُ الَّذِينَ يَغْلُونَ، وَيُخْفُونَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ أَوْ مِنَ الْغَنَائِمِ ، ذَلِكَ التَّهْدِيدُ الْمُخِيفُ: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ .. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ . حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، سَمِعَ عُرْوَةُ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو حَمِيدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مَنَّ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتَيْبَةِ . عَلَى الصَّدَقَةِ. فَجَاءَ فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ عَلَى عَمَلٍ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ. أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ مِنْهَا بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ، وَإِنَّ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ" .. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عَفْرَةَ إِبِطَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟" - ثَلَاثًا - .. (وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا فَذَكَرَ الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ. ثُمَّ قَالَ: "لَا أَلْفَيْنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُكَ. لَا أَلْفَيْنَّ أَحَدُكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فُرَسٌ لَهَا حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُكَ. لَا أَلْفَيْنَّ أَحَدُكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ. فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُكَ .. وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ .. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ - بِإِسْنَادِهِ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ . قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا أَيُّهَا النَّاسُ. مَنْ عَمِلَ لَنَا مِنْكُمْ عَمَلًا، فَكَتَمْنَا مِنْهُ مَخِيطًا فَمَا فَوْقَهُ، فَهُوَ غِلٌّ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" .. قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَسْوَدُ - قَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ سَعْدُ بْنُ عَبَادَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْبَلْ مِنِّي عَمَلَكَ. قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟" قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: "وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ الْآنَ. مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَهُ; وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى .. (وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ) .. وَقَدْ عَمِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْقُرْآنِيَّةُ الْكَرِيمَةُ وَالْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ عَمَلَهَا فِي تَرْبِيَةِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ; حَتَّى أَتَتْ بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ; وَحَتَّى أَنْشَأَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ النَّاسِ تَتَمَثَّلُ فِيهِمُ الْأَمَانَةُ وَالْوَرَعُ وَالتَّحَرُّجُ مِنَ الْغُلُولِ فِي أَيَّةِ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِهِ، كَمَا لَمْ تَتَمَثَّلْ قَطُّ فِي مَجْمُوعَةٍ بَشَرِيَّةٍ. وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقَعُ فِي يَدِهِ الثَّمِينُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، فَيَأْتِيَ بِهِ إِلَى أَمِيرِهِ، لَا تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَنْطَبِقَ عَلَيْهِ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ الْمَرْهُوبُ، وَخَشْيَةَ أَنْ يَلْقَى نَبِيَّهُ عَلَى الصُّورَةِ الْمُفْزِعَةِ الْمُخْجِلَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ أَنْ يَلْقَاهُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ! فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُ يَعِيشُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ فِعْلًا. وَكَانَتِ الْآخِرَةُ فِي حِسِّهِ وَاقِعًا، وَكَانَ يَرَى صُورَتَهُ تِلْكَ أَمَامَ نَبِيِّهِ وَأَمَامَ رَبِّهِ، فَيَتَوَقَّاهَا وَيَفْزَعُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا. وَكَانَ هَذَا هُوَ سِرُّ تَقْوَاهُ وَخَشْيَتِهِ وَتَحَرُّجِهِ. فَالْآخِرَةُ كَانَتْ حَقِيقَةً يَعِيشُهَا، لَا وَعْدًا بَعِيدًا! وَكَانَ عَلَى يَقِينٍ لَا يُخَالِجُهُ الشَّكُّ مِنْ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ سَتُوَفَّى مَا كَسَبَتْ، وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.. رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ فِي تَارِيخِهِ قَالَ: لَمَّا هَبَطَ الْمُسْلِمُونَ الْمَدَائِنَ ، وَجَمَعُوا الْأَقْبَاضَ، أَقْبَلَ رَجُلٌ بِحَقٍّ مَعَهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِ الْأَقْبَاضِ. فَقَالَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا قَطُّ، مَا يَعْدِلُهُ مَا عِنْدَنَا وَلَا يُقَارِبُهُ. فَقَالُوا: هَلْ أَخَذْتَ مِنْهُ شَيْئًا؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا آتَيْتُكُمْ بِهِ. فَعَرَفُوا أَنَّ لِلرَّجُلِ شَأْنًا. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُخْبِرُكُمْ لِتَحْمَدُونِي، وَلَا غَيْرُكُمْ لِيَقْرِظُونِي! وَلَكِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ وَأَرْضَى بِثَوَابِهِ. فَأَتْبَعُوهُ رَجُلًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَصْحَابِهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَإِذَا عَامِرُ بْنُ عَبَدِ قَيْسٍ .. وَقَدْ حُمِلَتِ الْغَنَائِمُ إِلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ الْقَادِسِيَّةِ ، وَفِيهَا تَاجُ كِسْرَى وَإِيوَانِهِ لَا يَقُومَانِ بِثَمَنٍ.. فَنَظَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَى مَا أَدَّاهُ الْجُنْدُ فِي غِبْطَةٍ وَقَالَ: "إِنَّ قَوْمًا أَدَّوْا هَذَا لِأَمِيرِهِمْ لِأُمَنَاءَ .. وَهَكَذَا رَبَّى الْإِسْلَامُ الْمُسْلِمِينَ تِلْكَ التَّرْبِيَةَ الْعَجِيبَةَ الَّتِي تَكَادُ أَخْبَارُهَا تُحْسَبُ فِي الْأَسَاطِيرِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية