الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا قُرِئَ "يُدْرِكُكُمْ" بِالرَّفْعِ وَقِيلَ : هُوَ عَلَى حَذْفِ الْفَاءِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : فَيُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ ، وَشُبِّهَ بُقُولِ الْقَائِلِ [مِنَ الْبَسِيطِ] : مِنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : حُمِلَ عَلَى مَا يَقَعُ مَوْقِعَ : أَيْنَمَا تَكُونُوا ، وَهُوَ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ، كَمَا حُمِلَ "وَلا نَاعِبٍ" عَلَى مَا يَقَعُ مَوْقِعَ "لَيْسُوا مُصْلِحِينَ" وَهُوَ لَيْسُوا بِمُصْلِحِينَ ، فَرُفِعَ كَمَا رَفَعَ زُهَيْرٌ [مِنَ الْبَسِيطِ] : يَقُولُ : لا غَائِبٌ مَالِيَ وَلا حَرِمُ وَهُوَ قَوْلٌ نَحْوِيٌّ سِيبَوِيٌّ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَّصِلَ بِقَوْلِهِ : وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْ : وَلا تُنْقِصُونَ شَيْئًا مِمَّا كُتِبَ مِنْ آجَالِكُمْ . أَيْنَمَا تَكُونُوا فِي مَلاحِمِ حُرُوبٍ أَوْ غَيْرِهَا ، ثُمَّ ابْتَدَأَ قَوْلَهُ : يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَالْوُقُوفُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى "أَيْنَمَا تَكُونُوا" . وَالْبُرُوجُ : الْحُصُونُ . مُشَيَّدَةٌ مُرْفَعَةٌ ، وَقُرِئَ "مَشِيدَةٍ" مَنْ شَادَ الْقَصْرَ إِذَا رَفَعَهُ أَوْ طَلاهُ بِالشَّيْدِ وَهُوَ الْجِصُّ ، وَقَرَأَ نَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ "مُشْيِدَةٍ" بِكَسْرِ الْيَاءِ وَصْفًا لَهَا بِفِعْلِ فَاعِلِهَا مَجَازًا كَمَا قَالُوا : قَصِيدَةٌ شَاعِرَةٌ ، وَإِنَّمَا الشَّاعِرُ قَارِضُهَا . السَّيِّئَةُ تَقَعُ عَلَى الْبَلِيَّةِ وَالْمَعْصِيَةِ ، وَالْحَسَنَةُ عَلَى النِّعْمَةِ وَالطَّاعَةِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الْأَعْرَافِ : 168] وَقَالَ : إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هُودٍ : 114] ، وَالْمَعْنَى : وَإِنْ تُصِبْهُمْ نِعْمَةٌ مِنْ خِصْبٍ وَرَخَاءٍ نَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ بَلِيَّةٌ مِنْ قَحْطٍ وَشِدَّةٍ أَضَافُوهَا إِلَيْكَ وَقَالُوا : هِيَ مِنْ عِنْدِكَ ، وَمَا كَانَتْ إِلَّا بِشُؤْمِكَ ، كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْ قَوْمِ مُوسَى : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ [الْأَعْرَافِ : 131] وَعَنْ قَوْمِ صَالِحٍ : قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ [النَّمْلِ : 47] وَرُوِيَ عَنِ الْيَهُودِ - لُعِنَتْ - أَنَّهَا تَشَاءَمَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : مُنْذُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ نَقَصَتْ ثِمَارُهَا وَغَلَتْ أَسْعَارُهَا ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ : يَبْسُطُ الْأَرْزَاقَ وَيَقْبِضُهَا عَلَى حَسَبِ الْمَصَالِحِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا : فَيَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْبَاسِطُ الْقَابِضُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ صَادِرٌ عَنْ حِكْمَةٍ وَصَوَابٍ ثُمَّ قَالَ مَا أَصَابَكَ يَا إِنْسَانُ خِطَابًا عَامًّا مِنْ حَسَنَةٍ أَيْ : مِنْ نِعْمَةٍ وَإِحْسَانٍ فَمِنَ اللَّهِ : تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا وَامْتِنَانًا وَامْتِحَانًا وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ أَيْ : مِنْ بَلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ لِأَنَّكَ السَّبَبُ فِيهَا بِمَا اكْتَسَبَتْ يَدَاكَ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشُّورَى : 30] وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ وَصَبٌ وَلا نَصَبٌ ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا ، وَحَتَّى انْقِطَاعُ شِسْعِ نَعْلِهِ إِلَّا بِذَنْبٍ ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ أَكْثَرُ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا أَيْ : رَسُولًا لِلنَّاسِ جَمِيعًا لَسْتَ بِرَسُولِ الْعَرَبِ وَحْدَهُمْ ، أَنْتَ رَسُولُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ ، كَقَوْلِهِ : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سَبَأٍ : 28] قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الْأَعْرَافِ : 158] وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا عَلَى ذَلِكَ ، فَمَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ طَاعَتِكَ وَاتِّبَاعِكَ .

                                                                                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية