الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ بَرِقَ الْبَصَرُ تَحَيَّرَ فَزِعًا; وَأَصْلُهُ مِنْ بَرِقَ الرَّجُلُ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ. وَقُرِئَ: "بَرَقَ" مِنَ الْبَرِيقِ، أَيْ لَمَعَ مِنْ شِدَّةِ شُخُوصِهِ. وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ: بَلَقَ إِذَا انْفَتَحَ وَانْفَرَجَ. يُقَالُ: بَلَقَ الْبَابُ وَأَبْلَقْتُهُ وَبَلَّقْتُهُ: فَتَحْتُهُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَذَهَبَ ضَوْؤُهُ، أَوْ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ. وَقُرِئَ: "وَخُسِفَ" عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ حَيْثُ يُطْلِعُهُمَا اللَّهُ مِنَ الْمَغْرِبِ. وَقِيلَ: وَجُمِعَا فِي ذَهَابِ الضَّوْءِ وَقِيلَ: يُجْمَعَانِ أَسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فِي النَّارِ. وَقِيلَ: يُجْمَعَانِ ثُمَّ يُقْذَفَانِ فِي الْبَحْرِ، فَيَكُونُ نَارُ اللَّهِ الْكُبْرَى. الْمَفَرُّ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ; وَبِالْكَسْرِ: الْمَكَانُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَالْمَرْجِعِ. وَقُرِئَ بِهِمَا كَلَّا رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ الْمَفَرِّ لَا وَزَرَ لَا مَلْجَأَ، وَكُلُّ مَا الْتَجَأْتَ إِلَيْهِ مِنْ جَبَلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَتَخَلَّصْتَ بِهِ فَهُوَ وِزْرُكَ إِلَى رَبِّكَ خَاصَّةً يَوْمَئِذٍ مُسْتَقَرُّ الْعِبَادِ، أَيْ اسْتِقْرَارُهُمْ. يَعْنِي: أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَسْتَقِرُّوا إِلَى غَيْرِهِ وَيَنْصِبُوا إِلَيْهِ أَوْ إِلَى حُكْمِهِ تُرْجَعُ أُمُورُ الْعِبَادِ، لَا يَحْكُمُ فِيهَا غَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غَافِرٍ: 16]. أَوْ إِلَى رَبِّكَ مُسْتَقَرُّهُمْ، أَيْ: مَوْضِعُ قَرَارِهِمْ مِنْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ، أَيْ: مُفَوَّضٌ ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَتِهِ، مَنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ النَّارَ. بِمَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ عَمِلَهُ. "وَ" بِمَا وَأَخَّرَ مِنْهُ لَمْ يَعْمَلْهُ أَوْ بِمَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ بِمَا أَخَّرَهُ فَخَلَفَهُ. وَبِمَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَبِمَا أَخَّرَ مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ : بِأَوَّلِ عَمَلِهِ وَآخِرِهِ. وَنَحْوَهُ: فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ. بَصِيرَةٌ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ وُصِفَتْ بِالْبَصَارَةِ عَلَى الْمَجَازِ، كَمَا وُصِفَتِ الْآيَاتُ بِالْإِبْصَارِ فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً [النَّمْلِ: 13]. أَوْ عَيْنٌ بَصِيرَةٌ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُنَبَّأُ بِأَعْمَالِهِ وَإِنْ لَمْ يُنَبَّأْ، فَفِيهِ مَا يُجْزِئُ عَنِ الْإِنْبَاءِ; لِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَيْهَا بِمَا عَمِلَتْ; لِأَنَّ جَوَارِحَهُ تَنْطِقُ بِذَلِكَ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النُّورِ: 24]. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ وَلَوْ جَاءَ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَيُجَادِلُ عَنْهَا. وَعَنِ الضَّحَّاكِ: وَلَوْ أَرْخَى سُتُورَهُ، وَقَالَ: الْمَعَاذِيرُ: السُّتُورُ، وَاحِدُهَا مِعْذَارٌ، فَإِنْ صَحَّ فَلِأَنَّهُ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الْمُحْتَجِبِ، كَمَا تَمْنَعُ الْمَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الْمُذْنِبِ. فَإِنْ قُلْتَ: أَلَيْسَ قِيَاسُ الْمَعْذِرَةِ أَنْ تُجْمَعَ مَعَاذِرَ لَا مَعَاذِيرَ؟ قُلْتُ: الْمَعَاذِيرُ لَيْسَ بِجَمْعِ مَعْذِرَةٍ، إِنَّمَا هُوَ اسْمُ جَمْعٍ لَهَا، وَنَحْوَهُ: الْمَنَاكِيرُ فِي الْمُنْكَرِ.

                                                                                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية