الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ رَهِينَةٌ لَيْسَتْ بِتَأْنِيثِ رَهِينٍ فِي قَوْلِهِ: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطُّورِ: 21]. لِتَأْنِيثِ النَّفْسِ; لِأَنَّهُ لَوْ قُصِدَتِ الصِّفَةُ لَقِيلَ: رَهِينٌ; لِأَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يُسْتَوَى فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَإِنَّمَا هِيَ اسْمٌ بِمَعْنَى الرَّهْنِ، كَالشَّتِيمَةِ بِمَعْنَى الشَّتْمِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهْنٌ، وَمِنْهُ بَيْتُ الْحَمَاسَةِ [مِنَ الطَّوِيلِ]: أَبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعْفِ كُوَيْكِبٍ رَهِينَةِ رَمْسٍ ذِي تُرَابٍ وَجَنْدَلِ كَأَنَّهُ قَالَ: رَهْنُ رَمْسٍ. وَالْمَعْنَى: كُلُّ نَفْسِ رَهْنٌ بِكَسْبِهَا، عِنْدٌ بِكَسْبِهَا عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مَفْكُوكٍ. إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فَإِنَّهُمْ فَكُّوا عَنْهُ رِقَابَهُمْ بِمَا أَطَابُّوهُ مِنْ كَسْبِهِمْ، كَمَا يُخَلِّصُ الرَّاهِنُ رَهْنَهُ بِأَدَاءِ الْحَقِّ. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ فَسَرَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ بِالْأَطْفَالِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا أَعْمَالَ لَهُمْ يَرْتَهِنُونَ بِهَا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ. فِي جَنَّاتٍ أَيْ: هُمْ فِي جَنَّاتٍ لَا يُكْتَنَهُ وَصْفُهَا يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنْهُمْ. أَوْ يَتَسَاءَلُونَ غَيْرَهُمْ عَنْهُمْ، كَقَوْلِكَ: دَعَوْتُهُ وَتَدَاعَيْنَاهُ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ طَابَقَ قَوْلُهُ: مَا سَلَكَكُمْ وَهُوَ سُؤَالٌ لِلْمُجْرِمِينَ قَوْلَهُ: يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ وَهُوَ سُؤَالٌ عَنْهُمْ؟ وَإِنَّمَا كَانَ يَتَطَابَقُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ: يَتَسَاءَلُونَ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ قُلْتُ: مَا سَلَكَكُمْ لَيْسَ بِبَيَانٍ لِلتَّسَاؤُلِ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةُ قَوْلِ الْمَسْؤُولِينَ عَنْهُمْ; لِأَنَّ الْمَسْؤُولِينَ يُلْقُونَ إِلَى السَّائِلِينَ مَا جَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُجْرِمِينَ، فَيَقُولُونَ: قُلْنَا لَهُمْ: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ إِلَّا أَنَّ الْكَلَامَ جِيءَ بِهِ عَلَى الْحَذْفِ وَالِاخْتِصَارِ، كَمَا هُوَ نَهْجُ التَّنْزِيلِ فِي غَرَابَةِ نَظْمِهِ. الْخَوْضُ: الشُّرُوعُ فِي الْبَاطِلِ وَمَا لَا يَنْبَغِي. فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ يَسْأَلُونَهُمْ وَهُمْ عَالِمُونَ بِذَلِكَ قُلْتُ: تَوْبِيخًا لَهُمْ وَتَحْسِيرًا، وَلِيَكُونَ حِكَايَةُ اللَّهِ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ تَذْكِرَةً لِلسَّامِعِينَ. وَقَدْ عَضَّدَ بَعْضُهُمْ تَفْسِيرَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ بِالْأَطْفَالِ: أَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوهُمْ لِأَنَّهُمْ وِلْدَانٌ لَا يَعْرِفُونَ مُوجِبَ دُخُولِ النَّارِ. فَإِنْ قُلْتَ: أَيُرِيدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَرْبَعِ دَخَلَ النَّارَ، أَمْ دَخَلَهَا بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ وَبَعْضُهُمْ بِهَذِهِ؟ قُلْتُ: يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ أَخَّرَ التَّكْذِيبَ وَهُوَ أَعْظَمُهَا؟ قُلْتُ: أَرَادُوا أَنَّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ كَانُوا مُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ تَعْظِيمًا لِلتَّكْذِيبِ. كَقَوْلِهِ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَلَدِ: 17]. وَ الْيَقِينُ الْمَوْتُ وَمُقَدِّمَاتُهُ، أَيْ: لَوْ شَفَعَ لَهُمُ الشَّافِعُونَ جَمِيعًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ; لَمْ تَنْفَعْهُمْ شَفَاعَتُهُمْ: لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ لِمَنِ ارْتَضَاهُ اللَّهُ وَهُمْ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِمْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ تَنْفَعُ يَوْمَئِذٍ; لِأَنَّهَا تَزِيدُ فِي دَرَجَاتِ الْمُرْتَضِينَ.

                                                                                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية