الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                سُورَةُ [الْحَاقَّةِ] مَكِّيَّةٌ، وَآيَاتُهَا 52 نَزَلَتْ بَعْدَ [الْمُلْكِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ الْحَاقَّةُ السَّاعَةُ الْوَاجِبَةُ الْوُقُوعِ الثَّابِتَةُ الْمَجِيءِ، الَّتِي هِيَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا. أَوِ الَّتِي فِيهَا حَوَاقُّ الْأُمُورِ مِنَ الْحِسَابِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. أَوِ الَّتِي تَحِقُّ فِيهَا الْأُمُورُ، أَيْ: تُعْرَفَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، مِنْ قَوْلِكَ: لَا أَحِقُّ هَذَا، أَيْ: لَا أَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ. جَعَلَ الْفِعْلَ لَهَا وَهُوَ لِأَهْلِهَا. وَارْتِفَاعُهَا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهَا مَا الْحَاقَّةُ وَالْأَصْلُ: الْحَاقَّةُ مَا هِيَ، أَيْ أَيُّ شَيْءٍ هِيَ! تَفْخِيمًا لِشَأْنِهَا وَتَعْظِيمًا لِهَوْلِهَا، فَوَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ; لِأَنَّهُ أَهْوَلُ لَهَا وَمَا أَدْرَاكَ وَأَيُّ شَيْءٍ أَعْلَمَكَ مَا الْحَاقَّةُ، يَعْنِي: أَنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِكُنْهِهَا وَمَدَى عِظَمِهَا، عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْعِظَمِ وَالشَّدَّةِ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُهُ دِرَايَةً أَحَدٌ وَلَا وَهْمْهُ، وَكَيْفَمَا قَدَّرْتَ حَالَهَا فَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَ "مَا" فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَ"أَدْرَاكَ" مُعَلَّقٌ عَنْهُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ. "الْقَارِعَةُ" الَّتِي تَقْرَعُ النَّاسَ بِالْأَفْزَاعِ وَالْأَهْوَالِ، وَالسَّمَاءَ بِالِانْشِقَاقِ وَالِانْفِطَارِ، وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ بِالدَّكِّ وَالنَّسْفِ، وَالنُّجُومَ بِالطَّمْسِ وَالِانْكِدَارِ. وَوُضِعَتْ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَدُلَّ عَلَى مَعْنَى الْقَرْعِ. فِي الْحَاقَّةِ: زِيَادَةٌ فِي وَصْفِ شِدَّتِهَا; وَلَمَّا ذَكَرَهَا وَفَخَّمَهَا أَتْبَعَ ذِكْرَ مَنْ كَذَّبَ بِهَا وَمَا حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ، تَذْكِيرًا لِأَهْلِ مَكَّةَ وَتَخْوِيفًا لَهُمْ مِنْ عَاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ "بِالطَّاغِيَةِ" بِالْوَاقِعَةِ الْمُجَاوِزَةِ لِلْحَدِّ فِي الشِّدَّةِ. وَاخْتُلِفَ فِيهَا، فَقِيلَ: الرَّجْفَةُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الصَّاعِقَةُ. وَعَنْ قَتَادَةَ : بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً فَأَهْمَدَتْهُمْ. وَقِيلَ: الطَّاغِيَةُ مَصْدَرٌ كَالْعَافِيَةِ، أَيْ: بِطُغْيَانِهِمْ; وَلَيْسَ بِذَاكَ لِعَدَمِ الطِّبَاقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ وَالصَّرْصَرُ: الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ لَهَا صَرْصَرَةٌ. وَقِيلَ: الْبَارِدَةُ مِنَ الصَّرِّ، كَأَنَّهَا الَّتِي كُرِّرَ فِيهَا الْبَرْدُ وَكَثُرَ؛ فَهِيَ تُحْرِقُ لِشِدَّةِ بَرْدِهَا "عَاتِيَةٍ" شَدِيدَةِ الْعَصْفِ وَالْعُتُوُّ اسْتِعَارَةٌ. أَوْ عَتَتْ عَلَى عَادٍ، فَمَا قَدَرُوا عَلَى رَدِّهَا بِحِيلَةٍ، مِنَ اسْتِتَارٍ بِبِنَاءٍ، أَوْ لِيَاذٍ بِجَبَلٍ، أَوِ اخْتِفَاءٍ فِي حُفْرَةٍ; فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْزِعُهُمْ مِنْ مَكَامِنِهِمْ وَتُهْلِكُهُمْ. وَقِيلَ: عَتَتْ عَلَى خُزَّانِهَا، فَخَرَجَتْ بِلَا كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ: وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا أَرْسَلَ اللَّهُ سَفِينَةً مِنْ رِيحٍ إِلَّا بِمِكْيَالٍ، وَلَا قَطْرَةً مِنْ مَطَرٍ إِلَّا بِمِكْيَالٍ إِلَّا يَوْمَ عَادٍ وَيَوْمَ نُوحٍ ، فَإِنَّ الْمَاءَ يَوْمَ نُوحٍ طَغَى عَلَى الْخُزَّانِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ السَّبِيلُ، ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الْحَاقَّةِ: 11]. وَإِنَّ الرِّيحَ يَوْمَ عَادٍ عَتَتْ عَلَى الْخُزَّانِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهَا سَبِيلٌ ثُمَّ قَرَأَ: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ وَلَعَلَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ وَالْإِفْرَاطِ فِيهَا. الْحُسُومُ: لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ حَاسِمٍ كَشُهُودٍ وَقُعُودٍ. أَوْ مَصْدَرًا كَالشُّكُورِ وَالْكُفُورِ; فَإِنْ كَانَ جَمْعًا فَمَعْنَى قَوْلِهِ: "حُسُومًا" نَحِسَاتٍ حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ وَاسْتَأْصَلَتْ كُلَّ بَرَكَةٍ. أَوْ مُتَتَابِعَةً هُبُوبَ الرِّيَاحِ: مَا خَفَتَتْ سَاعَةً حَتَّى أَتَتْ عَلَيْهِمْ تَمْثِيلًا لِتَتَابُعِهَا بِتَتَابُعِ فِعْلِ الْحَاسِمِ فِي إِعَادَةِ الْكَيِّ عَلَى الدَّاءِ، مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَنْحَسِمَ. وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا: فَإِمَّا أَنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلِهِ مُضْمَرًا، أَيْ: تَحْسِمُ حُسُومًا، بِمَعْنَى تَسْتَأْصِلُ اسْتِئْصَالًا. أَوْ يَكُونُ صِفَةً كَقَوْلِكَ: ذَاتُ حُسُومٍ. أَوْ يَكُونُ مَفْعُولًا لَهُ، أَيْ: سَخَّرَهَا لِلِاسْتِئْصَالِ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ زُرَارَةَ الْكِلَابِيُّ [مِنَ الْوَافِرِ]: فَفَرَّقَ بَيْنَ بَيْنِهِمُ زَمَانٌ تَتَابَعَ فِيهِ أَعْوَامٌ حُسُومُ وَقَرَأَ السُّدِّيُّ : حَسُومًا، بِالْفَتْحِ حَالًا مِنَ الرِّيحِ، أَيْ: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ مُسْتَأْصِلَةً. وَقِيلَ: هِيَ أَيَّامُ الْعَجُوزِ; وَذَلِكَ أَنَّ عَجُوزًا مِنْ عَادٍ تَوَارَتْ فِي سِرْبٍ، فَانْتَزَعَتْهَا الرِّيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ فَأَهْلَكَتْهَا. وَقِيلَ: هِيَ أَيَّامُ الْعَجْزِ، وَهِيَ آخِرُ الشِّتَاءِ: وَأَسْمَاؤُهَا: الصَّنُّ وَالصِّنَّبْرُ، وَالْوَبْرُ. وَالْآمِرُ، وَالْمُؤْتَمِرُ، وَالْمُعَلَّلُ، وَمُطْفِئُ الْجَمْرِ. وَقِيلَ: مُكْفِئُ الظَّعْنِ. وَمَعْنَى سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ كَمَا شَاءَ "فِيهَا" فِي مَهَابِّهَا. أَوْ فِي اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ. وَقُرِئَ: "أَعْجَازُ نَخِيلٍ" "مِنْ بَاقِيَةٍ" مِنْ بَقِيَّةٍ أَوْ مِنْ نَفْسٍ بَاقِيَةٍ. أَوْ مِنْ بَقَاءٍ، كَالطَّاغِيَةِ: بِمَعْنَى الطُّغْيَانِ.

                                                                                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية