الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَيْ: وَلِكُلِّ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَغَيْرِهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ لَيْسَ الشَّيَاطِينُ الْمَرْجُومِينَ مَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ. وَقُرِئَ: "عَذَابَ جَهَنَّمَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى: "عَذَابَ السَّعِيرِ". إِذَا أُلْقُوا فِيهَا أَيْ: طُرِحُوا كَمَا يُطْرَحُ الْحَطَبُ فِي النَّارِ الْعَظِيمَةِ، وَيُرْمَى بِهِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: حَصَبُ جَهَنَّمَ [الْأَنْبِيَاءِ: 98]. سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا إِمَّا لِأَهْلِهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهُمْ فِيهَا. أَوْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، كَقَوْلِهِ: لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هُودٍ: 106]. وَإِمَّا لِلنَّارِ تَشْبِيهًا لِحَسِيسِهَا الْمُنْكَرِ الْفَظِيعِ بِالشَّهِيقِ وَهِيَ تَفُورُ تَغْلِي بِهِمْ غَلَيَانَ الْمِرْجَلِ بِمَا فِيهِ. وَجُعِلَتْ كَالْمُغْتَاظَةِ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَلَيَانِهَا بِهِمْ، وَيَقُولُونَ: فُلَانٌ يَتَمَيَّزُ غَيْظًا وَيَتَقَصَّفُ غَضَبًا، وَغَضِبَ فَطَارَتْ مِنْهُ شِقَّةٌ فِي الْأَرْضِ وَشِقَّةٌ فِي السَّمَاءِ: إِذَا وَصَفُوهُ بِالْإِفْرَاطِ فِيهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ: غَيْظُ الزَّبَانِيَةِ. أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ تَوْبِيخٌ يَزْدَادُونَ بِهِ عَذَابًا إِلَى عَذَابِهِمْ وَحَسْرَةً إِلَى حَسْرَتِهِمْ. وَخَزَنَتُهَا: مَالِكٌ وَأَعْوَانُهُ مِنَ الزَّبَانِيَةِ قَالُوا بَلَى اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِعَدْلِ اللَّهِ، وَإِقْرَارٌ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَعَلَا أَزَاحَ عِلَلَهُمْ بِبَعْثِهِ الرُّسُلَ وَإِنْذَارِهِمْ مَا وَقَعُوا فِيهِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْتُوا مِنْ قَدَرِهِ كَمَا تَزْعُمُ الْمُجَبِّرَةُ; وَإِنَّمَا أُتُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، وَاخْتِيَارِهِمْ خِلَافَ مَا اخْتَارَ اللَّهُ وَأَمَرَ بِهِ وَأَوْعَدَ عَلَى ضِدِّهِ. فَإِنْ قُلْتَ: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ مِنَ الْمُخَاطَبُونَ بِهِ؟ قُلْتُ: هُوَ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِ الْكُفَّارِ وَخِطَابِهِمْ لِلْمُنْذِرِينَ، عَلَى أَنَّ النَّذِيرَ بِمَعْنَى الْإِنْذَارِ. وَالْمَعْنَى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ أَهْلٌ نَذِيرٌ. أَوْ وُصِفَ مُنْذَرُوهُمْ لِغُلُوِّهِمْ فِي الْإِنْذَارِ، كَأَنَّهُمْ لَيْسُوا إِلَّا إِنْذَارًا; وَكَذَلِكَ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشُّعَرَاءِ: 16]. أَيْ: حَامِلًا رِسَالَتَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الْخَزَنَةِ لِلْكُفَّارِ عَلَى إِرَادَةِ الْقَوْلِ: أَرَادُوا حِكَايَةَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ ضَلَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا. أَوْ أَرَادُوا بِالضَّلَالِ; الْهَلَاكَ. أَوْ سَمَّوْا عِقَابَ الضَّلَالِ بِاسْمِهِ. أَوْ مِنْ كَلَامِ الرُّسُلِ لَهُمْ حَكَوْهُ لِلْخَزَنَةِ، أَيْ: قَالُوا لَنَا هَذَا فَلَمْ نَقْبَلْهُ. لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ الْإِنْذَارَ سَمَاعَ طَالِبِينَ لِلْحَقِّ. أَمْ نَعْقِلُهُ عَقْلَ مُتَأَمِّلِينَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ; لِأَنَّ مَدَارَ التَّكْلِيفِ عَلَى أَدِلَّةِ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ. وَمِنْ بِدَعِ التَّفَاسِيرِ: أَنَّ الْمُرَادَ: لَوْ كُنَّا عَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَوْ عَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، كَأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ظُهُورِ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ، وَكَأَنَّ سَائِرَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ وَالْمُجْتَهِدِينَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ وَعِيدَهُمْ، وَكَأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ فَهُوَ مِنَ النَّاجِينَ لَا مَحَالَةَ; وَعِدَّةُ الْمُبَشَّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ: عَشَرَةٌ، لَمْ يُضَمَّ إِلَيْهِمْ حَادِي عَشَرَ، وَكَأَنَّ مَنْ يَجُوزُ عَلَى الصِّرَاطِ أَكْثَرُهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا بِاسْمِ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ "بِذَنْبِهِمْ" بِكُفْرِهِمْ فِي تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ "فَسُحْقًا" قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ، أَيْ: فَبُعْدًا لَهُمْ، اعْتَرَفُوا أَوْ جَحَدُوا; فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ.

                                                                                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية