الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ فِي سَمُومٍ فِي حَرِّ نَارٍ يَنْفُذُ فِي الْمَسَامِّ "وَحَمِيمٍ" وَمَاءٍ حَارٍّ مُتَنَاهٍ فِي الْحَرَارَةِ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ مِنْ دُخَانٍ أَسْوَدَ بَهِيمٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ نَفْيٌ لِصِفَتَيِ الظِّلِّ عَنْهُ، يُرِيدُ: أَنَّهُ ظِلٌّ، وَلَكِنْ لَا كَسَائِرِ الظِّلَالِ: سَمَّاهُ ظِلًّا، ثُمَّ نَفَى عَنْهُ بَرْدَ الظِّلِّ وَرُوحَهُ وَنَفْعَهُ لِمَنْ يَأْوِي إِلَيْهِ مِنْ أَذَى الْحَرِّ وَذَلِكَ كَرَمُهُ لِيَمْحَقَ مَا فِي مَدْلُولِ الظِّلِّ مِنَ الِاسْتِرْوَاحِ إِلَيْهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ ظِلٌّ حَارٌّ ضَارٌّ إِلَّا أَنَّ لِلنَّفْيِ فِي نَحْوِ هَذَا شَأْنًا لَيْسَ لِلْإِثْبَاتِ. وَفِيهِ تَهَكُّمٌ بِأَصْحَابِ الْمَشْأَمَةِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَأْهِلُونَ الظِّلَّ الْبَارِدَ الْكَرِيمَ الَّذِي هُوَ لِأَضْدَادِهِمْ فِي الْجَنَّةِ. وَقُرِئَ: "لَا بَارِدٌ وَلَا كَرِيمٌ" بِالرَّفْعِ، أَيْ: لَا هُوَ كَذَلِكَ وَ"الْحِنْثُ" الذَّنْبُ الْعَظِيمُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: بَلَغَ الْغُلَامُ الْحِنْثَ، أَيِ: الْحُلُمَ وَوَقْتَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْمَآثِمِ. وَمِنْهُ: حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، خِلَافُ بَرَّ فِيهَا. وَيُقَالُ: تَحَنَّثَ إِذَا تَأَثَّمَ وَتَحَرَّجَ "أَوَآبَاؤُنَا" دَخَلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى حَرْفِ الْعَطْفِ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ حَسُنَ الْعَطْفُ عَلَى الْمُضْمَرِ فِي "لَمَبْعُوثُونَ" مِنْ غَيْرِ تَأْكِيدٍ بِنَحْنُ؟ قُلْتُ: حَسُنَ لِلْفَاصِلِ الَّذِي هُوَ الْهَمْزَةُ، كَمَا حَسُنَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا لِفَصْلِ "لَا" الْمُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ. وَقُرِئَ: "أَوَآبَاؤُنَا" وَقُرِئَ: "لَمُجْمَعُونَ" إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ إِلَى مَا وُقِّتَتْ بِهِ الدُّنْيَا مِنْ يَوْمٍ مَعْلُومٍ. وَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى مِنْ؛ كَخَاتَمِ فِضَّةٍ. وَالْمِيقَاتُ: مَا وُقِّتَ بِهِ الشَّيْءُ، أَيْ: حُدَّ. وَمِنْهُ مَوَاقِيتُ الْإِحْرَامِ: وَهِيَ الْحُدُودُ الَّتِي لَا يَتَجَاوَزُهَا مَنْ يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا. أَيُّهَا الضَّالُّونَ عَنِ الْهُدَى الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ، وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ فِي مِثْلِ حَالِهِمْ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ مِنْ الْأُولَى لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَالثَّانِيَةُ لِبَيَانِ الشَّجَرِ وَتَفْسِيرِهِ. وَأَنَّثَ ضَمِيرَ الشَّجَرِ عَلَى الْمَعْنَى، وَذَكَرَهُ عَلَى اللَّفْظِ فِي قَوْلِهِ: "مِنْهَا" وَ "عَلَيْهِ" وَمَنْ قَرَأَ: "مِنْ شَجَرَةٍ مِنْ زَقُّومٍ" فَقَدْ جَعَلَ الضَّمِيرَيْنِ لِلشَّجَرَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ الثَّانِي عَلَى تَأْوِيلِ الزَّقُّومِ، لِأَنَّهُ تَفْسِيرُهَا وَهِيَ فِي مَعْنَاهُ "شُرْبَ الْهِيمِ" قُرِئَ: بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ، فَالْفَتْحُ وَالضَّمُّ مَصْدَرَانِ. وَعَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَيَّامُ أَكْلٍ وَشَرْبٍ. بِفَتْحِ الشِّينِ. وَأَمَّا الْمَكْسُورُ فَبِمَعْنَى الْمَشْرُوبِ، أَيْ: مَا يَشْرَبُهُ الْهِيمُ؛ وَهِيَ الْإِبِلُ الَّتِي بِهَا الْهُيَامُ، وَهُوَ دَاءٌ تَشْرَبُ مِنْهُ فَلَا تَرْوَى: جَمْعُ أَهْيَمَ وَهَيْمَاءَ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ "مِنَ الطَّوِيلِ": فَأَصْبَحْتُ كَالْهَيْمَاءِ لَا الْمَاءُ مِبْرَدٌ صَدَاهَا وَلَا يَقْضِي عَلَيْهَا هُيَامُهَا وَقِيلَ: الْهِيمُ: الرِّمَالُ. وَوَجْهُهُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ الْهَيَامِ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَهُوَ الرَّمْلُ الَّذِي لَا يَتَمَاسَكُ، جُمِعَ عَلَى فُعُلٍ كَسَحَابٍ وَسُحُبٍ، ثُمَّ خُفِّفَ وَفُعِلَ بِهِ مَا فُعِلَ بِجَمْعِ أَبْيَضَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجُوعِ مَا يَضْطَرُّهُمْ إِلَى أَكْلِ الزَّقُّومِ هُوَ كَالْمُهْلِ; فَإِذَا مَلَئُوا مِنْهُ الْبُطُونَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَطَشِ مَا يَضْطَرُّهُمْ إِلَى شُرْبِ الْحَمِيمِ الَّذِي يُقَطِّعُ أَمْعَاءَهُمْ، فَيَشْرَبُونَهُ شُرْبَ الْهِيمِ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُ الشَّارِبِينَ عَلَى الشَّارِبِينَ، وَهُمَا لِذَوَاتٍ مُتَّفِقَةٍ، وَصِفَتَانِ مُتَّفِقَتَانِ، فَكَانَ عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ؟ قُلْتُ: لَيْسَتَا بِمُتَّفِقَتَيْنِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ كَوْنَهُمْ شَارِبِينَ لِلْحَمِيمِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ: مِنْ تَنَاهِي الْحَرَارَةِ وَقَطْعِ الْأَمْعَاءِ أَمْرٌ عَجِيبٌ، وَشُرْبُهُمْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَشْرَبُ الْهِيمُ الْمَاءَ، أَمْرٌ عَجِيبٌ أَيْضًا، فَكَانَتَا صِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. النُّزُلُ: الرِّزْقُ الَّذِي يُعَدُّ لِلنَّازِلِ تَكْرِمًا لَهُ. وَفِيهِ تَهَكُّمٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَكَقَوْلِ أَبِي الشَّعْرِ الضَّبِّيِّ "مِنَ الطَّوِيلِ": وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ بِالْجَيْشِ ضَافَنَا جَعَلْنَا الْقَنَا وَالْمُوهِفَاتِ لَهُ نُزُلَا وَقُرِئَ: "نَزَلُهُمْ" بِالتَّخْفِيفِ.

                                                                                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية