الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                سُورَةُ الْوَاقِعَةِ مَكِّيَّةٌ [إِلَّا آيَتَيْ 81 وَ 82 فَمَدَنِيَّتَانِ] وَآيَاتُهَا 96 وَقِيلَ: 97 آيَةً نَزَلَتْ بَعْدَ [طه] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ كَقَوْلِ: كَانَتِ الْكَائِنَةُ، وَحَدَثَتِ الْحَادِثَةُ، وَالْمُرَادُ الْقِيَامَةُ، وُصِفَتْ بِالْوُقُوعِ; لِأَنَّهَا تَقَعُ لَا مَحَالَةَ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا وَقَعَتِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا، وَوُقُوعُ الْأَمْرِ: نُزُولُهُ. يُقَالُ: وَقَعَ مَا كُنْتُ أَتَوَقَّعُهُ، أَيْ: نَزَلَ مَا كُنْتُ أَتَرَقَّبُ نُزُولَهُ. فَإِنْ قُلْتَ: بِمَ انْتَصَبَ إِذًا؟ قُلْتُ: بِلَيْسَ. كَقَوْلِكَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لَيْسَ لِي شُغْلٌ. أَوْ بِمَحْذُوفٍ، يَعْنِي: إِذَا وَقَعَتْ كَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ، أَوْ بِإِضْمَارِ اذْكُرْ "كَاذِبَةٌ" نَفْسٌ كَاذِبَةٌ، أَيْ: لَا تَكُونُ حِينَ تَقَعُ نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَتُكَذِّبُ فِي تَكْذِيبِ الْغَيْبِ; لِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ حِينَئِذٍ مُؤْمِنَةٌ صَادِقَةٌ مُصَدِّقَةٌ، وَأَكْثَرُ النُّفُوسِ الْيَوْمَ كَوَاذِبُ مُكَذِّبَاتٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ، لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [الشُّعَرَاءِ: 201]. ، وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً [الْحَجِّ: 55]. وَاللَّامُ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الْفَجْرِ: 24]. أَوْ: لَيْسَ لَهَا نَفْسٌ تُكَذِّبُهَا وَتَقُولُ لَهَا: لَمْ تَكُونِي كَمَا لَهَا الْيَوْمَ نُفُوسٌ كَثِيرَةٌ يُكَذِّبْنَهَا، يَقُلْنَ لَهَا: لَنْ تَكُونِي. أَوْ هِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ: كَذَّبَتْ فُلَانًا نَفْسُهُ فِي الْخَطْبِ الْعَظِيمِ، إِذَا شَجَّعَتْهُ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ وَقَالَتْ لَهُ: إِنَّكَ تُطِيقُهُ وَمَا فَوْقَهُ فَتَعَرَّضْ لَهُ وَلَا تُبَالِ بِهِ، عَلَى مَعْنَى: أَنَّهَا وَقْعَةٌ لَا تُطَاقُ شِدَّةً وَفَظَاعَةً. وَأَنْ لَا نَفْسَ حِينَئِذٍ تُحَدِّثُ صَاحِبَهَا بِمَا تُحَدِّثُهُ بِهِ عِنْدَ عَظَائِمِ الْأُمُورِ وَتُزَيِّنُ لَهُ احْتِمَالَهَا وَإِطَاقَتَهَا، لِأَنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ وَأَذَلُّ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَالْفَرَاشُ مَثَلٌ فِي الضَّعْفِ. وَقِيلَ: "كَاذِبَةٌ" مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ بِمَعْنَى التَّكْذِيبِ، مِنْ قَوْلِكَ: حَمَلَ عَلَى قَرْنِهِ فَمَا كَذَبَ، أَيْ: فَمَا جَبُنَ وَمَا تَثَبَّطَ.. وَحَقِيقَتُهُ: فَمَا كَذَّبَ نَفْسَهُ فِيمَا حَدَّثَتْهُ بِهِ. مِنْ إِطَاقَتِهِ لَهُ وَإِقْدَامِهِ عَلَيْهِ. قَالَ زُهَيْرٌ "مِنَ الْبَسِيطِ". ................ إِذَا مَا اللَّيْثُ كَذَّبَ عَنْ أَقْرَانِهِ صَدَقَا أَيْ: إِذَا وَقَعَتْ لَمْ تَكُنْ لَهَا رَجْعَةٌ وَلَا ارْتِدَادٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ عَلَى: هِيَ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ، تَرْفَعُ أَقْوَامًا وَتَضَعُ آخَرِينَ: إِمَّا وَصْفًا لَهَا بِالشِّدَّةِ; لِأَنَّ الْوَاقِعَاتِ الْعِظَامَ كَذَلِكَ، يَرْتَفِعُ فِيهَا نَاسٌ إِلَى مَرَاتِبَ وَيَتَّضِعُ نَاسٌ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْأَشْقِيَاءَ يُحَطُّونَ إِلَى الدَّرَكَاتِ، وَالسُّعَدَاءُ يُرْفَعُونَ إِلَى الدَّرَجَاتِ; وَإِمَّا أَنَّهَا تُزَلْزِلُ الْأَشْيَاءَ وَتُزِيلُهَا عَنْ مَقَارِّهَا، فَتَخْفِضُ بَعْضًا وَتَرْفَعُ بَعْضًا: حَيْثُ تَسْقُطُ السَّمَاءُ كِسَفًا وَتَنْتَثِرُ الْكَوَاكِبُ وَتَنْكَدِرُ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ فَتَمُرُّ فِي الْجَوِّ مَرَّ السَّحَابِ، وَقُرِئَ: "خَافِضَةً رَافِعَةً" بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ "رُجَّتْ" حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا شَدِيدًا حَتَّى يَنْهَدِمَ كُلُّ شَيْءٍ فَوْقَهَا مِنْ جَبَلٍ وَبِنَاءٍ. وَبُسَّتِ الْجِبَالُ وَفُتَّتْ حَتَّى تَعُودَ كَالسَّوِيقِ، أَوْ سِيقَتْ مِنْ بَسَّ الْغَنَمَ إِذَا سَاقَهَا. كَقَوْلِهِ: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ [النَّبَإِ: 20]. ، "مُنْبَثًّا" مُتَفَرِّقًا. وَقُرِئَ بِالتَّاءِ أَيْ: مُنْقَطِعًا. وَقُرِئَ: "رَجَّتْ وَبَسَّتْ" أَيِ: ارْتَجَّتْ وَذَهَبَتْ. وَفِي كَلَامِ بِنْتِ الْخُسِّ: عَيْنُهَا هَاجّ، وَصِلَاهَا رَاجّ. وَهِيَ تَمْشِي تَفَاجّ. فَإِنْ قُلْتَ: بِمَ انْتَصَبَ إِذَا رُجَّتْ؟ قُلْتُ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ: إِذَا وَقَعَتْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِ "خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ". أَيْ: تَخْفِضُ وَتَرْفَعُ وَقْتَ رَجِّ الْأَرْضِ، وَبَسُّ الْجِبَالِ لِأَنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ مَا هُوَ مُرْتَفِعٌ وَيَرْتَفِعُ مَا هُوَ مُنْخَفِضٌ "أَزْوَاجًا" أَصْنَافًا، يُقَالُ لِلْأَصْنَافِ الَّتِي بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ أَوْ يُذْكَرُ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ: أَزْوَاجٌ.

                                                                                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية