الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ الصِّرُّ: الرِّيحُ الْبَارِدَةُ نَحْوُ الصَّرْصَرِ، قَالَ [مِنَ الْبَسِيطِ]: لَا تَعْدِلَنَّ أَتَاوِيِّينَ تَضْرِبُهُمْ نَكْبَاءُ صِرٌّ بِأَصْحَابِ الْمَحَلَّاتِ كَمَا قَالَتْ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةُ [مِنَ الطَّوِيلِ]: وَلَمْ يَغْلِبِ الْخَصْمَ الْأَلَدَّ وَيَمْلَأِ الْـ ـجِفَانَ سَدِيفًا يَوْمَ نَكْبَاءَ صَرْصَرِ فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ؟ قُلْتُ: فِيهِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الصِّرَّ فِي صِفَةِ الرِّيحِ بِمَعْنَى الْبَارِدَةِ، فَوُصِفَ بِهَا الْقُرَّةُ بِمَعْنَى فِيهَا قُرَّهٌ صِرٌّ، كَمَا تَقُولُ: بَرْدٌ بَارِدٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الصِّرُّ مَصْدَرًا فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْبَرْدِ فَجِيءَ بِهِ عَلَى أَصْلِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الْأَحْزَابِ: 21] وَمِنْ قَوْلِكَ: إِنْ ضَيَّعَنِي فُلَانٌ فَفِي اللَّهِ كَافٍ وَكَافِلٌ، قَالَ [مِنَ الْوَافِرِ]: وَفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافِي شُبِّهَ مَا كَانُوا يُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي الْمَكَارِمِ وَالْمَفَاخِرِ وَكَسْبِ الثَّنَاءِ وَحُسْنِ الذِّكْرِ بَيْنَ النَّاسِ لَا يَبْتَغُونَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ - بِالزَّرْعِ الَّذِي حَسَّهُ الْبَرْدُ فَذَهَبَ حُطَامًا، وَقِيلَ: هُوَ مَا كَانُوا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى اللَّهِ مَعَ كُفْرِهِمْ، وَقِيلَ: مَا أَنْفَقُوا فِي عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَاعَ عَنْهُمْ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا بِإِنْفَاقِهِ مَا أَنْفَقُوهُ لِأَجْلِهِ، وَشُبِّهَ بِحَرْثِ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأُهْلِكَ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى مَعَاصِيهِمْ; لِأَنَّ الْهَلَاكَ عَنْ سُخْطٍ أَشَدُّ وَأَبْلَغُ. فَإِنْ قُلْتَ: الْغَرَضُ تَشْبِيهُ مَا أَنْفَقُوا فِي قِلَّةِ جَدْوَاهُ وَضَيَاعِهِ بِالْحَرْثِ الَّذِي ضَرَبَتْهُ الصِّرُّ، وَالْكَلَامُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْغَرَضِ حَيْثُ جُعِلَ مَا يُنْفِقُونَ مُمَثَّلًا بِالرِّيحِ؟ قُلْتُ: هُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ الْمُرَكَّبِ الَّذِي مَرَّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [الْبَقَرَةِ: 17] وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ: مَثَلُ إِهْلَاكِ مَا يُنْفِقُونَ مَثَلُ إِهْلَاكِ رِيحٍ، أَوْ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ مَهْلِكِ رِيحٍ وَهُوَ الْحَرْثُ وَقُرِئَ: (تُنْفِقُونَ) بِالتَّاءِ. وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ : الضَّمِيرُ لِلْمُنْفِقِينَ عَلَى مَعْنَى: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِأَنْ لَمْ يَقْبَلْ نَفَقَاتِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ حَيْثُ لَمْ يَأْتُوا بِهَا مُسْتَحَقَّةً لِلْقَبُولِ، أَوْ لِأَصْحَابِ الْحَرْثِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، أَيْ: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِإِهْلَاكِ حَرْثِهِمْ، وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِارْتِكَابِ مَا اسْتَحَقُّوا بِهِ الْعُقُوبَةَ. وَقُرِئَ: (وَلَكِنَّ) بِالتَّشْدِيدِ، بِمَعْنَى وَلَكِنَّ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَهَا هُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ: وَلَكِنَّ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، عَلَى إِسْقَاطِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي الشِّعْرِ.

                                                                                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية