الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ إِلَخْ، اسْتِئْنَافٌ جِيءَ بِهِ لِلِاسْتِشْهَادِ بِمَا فَصَلَ فِيهِ عَلَى عِزَّتِهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي هِيَ كَمَالُ الْقُدْرَةِ، وَحِكْمَتِهِ الَّتِي هِيَ كَمَالُ الْعِلْمِ وَإِتْقَانُ الْعَمَلِ، وَتَمْهِيدُ قَاعِدَةِ التَّوْحِيدِ وَتَقْرِيرُهُ وَإِبْطَالُ أَمْرِ الْإِشْرَاكِ، وَتَبْكِيتُ أَهْلِهِ، وَالْعَمَدُ جَمْعُ عِمَادٍ كَأَهَبٍ جَمْعُ إِهَابٍ، وَهُوَ مَا يُعْمَدُ بِهِ أَيْ يُسْنَدُ، يُقَالُ عَمَّدْتُ الْحَائِطَ إِذَا دَعَّمْتَهُ، أَيْ خَلَقَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ لِتَعَدُّدِ السَّمَاوَاتِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: تَرَوْنَهَا اسْتِئْنَافٌ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَهُوَ مَسُوقٌ لِإِثْبَاتِ كَوْنِهَا بِلَا عَمَدٍ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لَهَا عَمَدٌ رُؤِيَتْ، فَالْجُمْلَةُ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلسَّمَاوَاتِ، وَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ لَا عِلْمِيَّةٌ، حَتَّى يَلْزَمَ حَذْفُ أَحَدِ مَفْعُولَيْهَا، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِعَمَدٍ، فَالضَّمِيرُ لَهَا، أَيْ خَلَقَهَا بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ عَلَى التَّقْيِيدِ لِلرَّمْزِ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى عَمَّدَهَا بِعَمَدٍ لَا تُرَى، وَهِيَ عَمَدُ الْقُدْرَةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَكَوْنُ عِمَادِهَا فِي كُلِّ عَصْرٍ الْإِنْسَانَ الْكَامِلَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، وَلِذَا إِذَا انْقَطَعَ الْإِنْسَانُ الْكَامِلُ وَذَلِكَ عِنْدَ انْقِطَاعِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ تُطْوَى السَّمَاوَاتُ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، كَلَامٌ لَا عِمَادَ لَهُ مِنْ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، فِيمَا نَعْلَمُ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ بَيَانٌ لِصُنْعِهِ تَعَالَى الْبَدِيعِ فِي قَرَارِ الْأَرْضِ إِثْرَ بَيَانِ صُنْعِهِ عَزَّ وَجَلَّ الْحَكِيمِ فِي قَرَارِ السَّمَاوَاتِ، أَيْ أَلْقَى فِيهَا جِبَالًا شَوَامِخَ، أَوْ ثَوَابِتَ كَرَاهَةَ أَنْ تَمِيدَ أَوْ لِئَلَّا تَمِيدَ أَيْ تَضْطَرِبَ، بِكُمْ لَوْ لَمْ يُلْقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهَا رَوَاسِيَ لِمَا أَنَّ الْحِكْمَةَ اقْتَضَتْ خَلْقَهَا عَلَى حَالٍ لَوْ خَلَتْ مَعَهُ عَنِ الْجِبَالِ لَمَادَتْ بِالْمِيَاهِ الْمُحِيطَةِ بِهَا الْغَامِرَةِ لِأَكْثَرِهَا، وَالرِّيَاحِ الْعَوَاصِفِ الَّتِي تَقْتَضِي الْحِكْمَةُ هُبُوبَهَا، أَوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ يُعَدُّ مِنْهُ حَرَكَةُ ثَقِيلٍ عَلَيْهَا، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِنَاءً عَلَى كُرَيَّةِ الْأَرْضِ وَوُجُوبِ انْطِبَاقِ مَرْكَزِ ثِقَلِهَا عَلَى مَرْكَزِ الْعَالَمِ حَرَكَتُهَا مَعَ مَا فِيهَا مِنْ الْجِبَالِ بِسَبَبِ حَرَكَةٍ ثَقِيلَةٍ مِنْ جَانِبٍ مِنْهَا إِلَى آخَرَ، لِتَغَيُّرِ مَرْكَزِ الثِّقَلِ حِينَئِذٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ، لِكَوْنِ الْأَثْقَالِ الْمُتَحَرِّكَةِ عَلَيْهَا كَلَا شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا مَعَ مَا فِيهَا، وَلَعَلَّ مَنْ يَعُدُّ حَرَكَةَ الثَّقِيلِ عَلَيْهَا مِنْ أَسْبَابِ الْمَيْدِ، لَوْ خَلَتْ مِنَ الْجِبَالِ يَقُولُ: لَا يَبْعُدُ حَرَكَةُ ثَقِيلٍ عَلَيْهَا كَمَاءٍ جَرَى مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ، فَاجْتَمَعَ حَتَّى صَارَ بَحْرًا عَظِيمًا مَعَ مَا يَنْضَمُّ إِلَى ذَلِكَ مِمَّا تَنْقُلُهُ الْأَهْوِيَةُ مِنَ الرِّمَالِ الْكَثِيرَةِ وَالتُّرَابِ، يَكُونُ لَهُ مِقْدَارٌ يُعْتَدُّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَرْضِ خَالِيَةً مِنَ الْجِبَالِ، فَتَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ إِلَى خِلَافِ جِهَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ الْمَيْدَ لَوْلَا الرَّوَاسِي بِنَحْوِ الْمِيَاهِ وَالرِّيَاحِ مُتَصَوَّرٌ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْأَرْضِ كُرِّيَّةً كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْغَزَالِيُّ، وَكَذَا ذَهَبَ إِلَى كُرِّيَّةِ السَّمَاءِ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَقْتَضِيهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفَلَاسِفَةِ مُسْتَدِلِّينَ عَلَيْهِ بِمَا فِي التَّذْكِرَةِ وَشُرُوحِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الْحِسُّ وَالْحَدْسُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا غَيْرَ كَرَوِيَّةٍ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَنْ ذَهَبَ، وَاخْتَلَفُوا فِي شَكْلِهَا عَلَيْهِ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُطْلَبُ مِنْ مَحَلِّهِ، وَلَا دِلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى انْحِصَارِ حِكْمَةِ إِلْقَاءِ الرَّوَاسِي فِيهَا بِسَلَامَتِهَا عَنِ الْمَيْدِ، فَإِنَّ لِذَلِكَ حِكَمًا لَا تُحْصَى. وَكَذَا لَا دِلَالَةَ فِيهَا عَلَى عَدَمِ حَرَكَتِهَا عَلَى الِاسْتِدَارَةِ دَائِمًا كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ فِيثَاغُورْسَ، وَوَرَاءَهُ مَذَاهِبُ أَظْهَرُ بُطْلَانًا مِنْهُ. نَعَمِ الْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَبَثَّ فِيهَا أَيْ أَوْجَدَ، وَأَظْهَرَ، وَأَصْلُ الْبَثِّ الْإِثَارَةُ وَالتَّفْرِيقُ وَمِنْهُ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [الْوَاقِعَةُ: 6]، ( وَ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ) [الْقَارِعَةُ: 4]، وَفِي تَأْخِيرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَوَقُّفِهِ عَلَى إِزَالَةِ الْمَيْدِ، مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهَا، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً هُوَ الْمَطَرُ، وَالْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ جِهَةُ الْعُلُوِّ، وَجُوِّزَ تَفْسِيرُهَا بِالْمِظَلَّةِ، وَكَوْنُ الْإِنْزَالِ مِنْهَا بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَتَرْكُ التَّأْوِيلِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، إِلَّا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْأَدِلَّةِ مَا يَضْطَرُّنَا إِلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ الْمُشَاهَدِ، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا أَيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْمَاءِ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أَيْ صِنْفٍ كَرِيمٍ أَيْ شَرِيفٍ كَثِيرِ الْمَنْفَعَةِ، وَالِالْتِفَاتُ إِلَى ضَمِيرِ الْعَظَمَةِ فِي الْفِعْلَيْنِ لِإِبْرَازِ مَزِيدِ الِاعْتِنَاءِ بِهِمَا لِتَكَرُّرِهِمَا مَعَ مَا فِيهِمَا مِنَ اسْتِقَامَةِ حَالِ الْحَيَوَانِ، وَعِمَارَةِ الْأَرْضِ مَا لَا يَخْفَى.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية