الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ شُرُوعٌ فِي تَفْصِيلِ مَا أُجْمِلَ فِيمَا سَلَفَ؛ أَيْ: نَحْنُ نُخْبِرُكَ بِتَفْصِيلِ خَبَرِهِمُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وَخَطَرٌ بِالْحَقِّ إِمَّا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ نَقُصُّ أَوْ مِنْ نَبَأَهُمْ أَوْ صِفَةٌ لَهُ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَى جَوَازَ حَذْفِ الْمَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ الصِّلَةِ أَيْ، نَقُصُّ قَصَصًا مُلْتَبِسًا بِالْحَقِّ أَوْ نَقُصُّهُ مُلْتَبِسِينَ بِهِ أَوْ نَقُصُّ نَبَأَهُمْ مُلْتَبِسًا بِهِ أَوْ نَبَأَهُمُ الْمُلْتَبِسَ بِهِ، وَلَعَلَّ فِي التَّقْيِيدِ بِالْحَقِّ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ فِي عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَقُصُّ نَبَأَهُمْ لَكِنْ لَا بِالْحَقِّ. وَفِي الْكَشْفِ بَعْدَ نَقْلِ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ السَّابِقِ مَا نَصُّهُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ كَانَتْ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَالَمِيهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَنَبَؤُهُمْ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَرَجَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ وَعَظُمَتْ فِيهِمُ الْخَطَايَا وَطَغَتْ مُلُوكُهُمْ فَعَبَدُوا الْأَصْنَامَ وَذَبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ وَفِيهِمْ بَقَايَا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُتَمَسِّكِينَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْحِيدِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ مُلُوكِهِمْ وَعَتَا عُتُوًّا كَبِيرًا دِقْيَانُوسُ وَفِي رِوَايَةٍ دِقْيُوسُ فَإِنَّهُ غَلَا غُلُوًّا شَدِيدًا فَجَاسَ خِلَالَ الدِّيَارِ وَالْبِلَادِ، وَأَكْثَرَ فِيهَا الْفَسَادَ وَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ يَتَتَبَّعُ النَّاسَ فَيُخَيِّرُهُمْ بَيْنَ الْقَتْلِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَمَنْ رَغِبَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا انْقَادَ لِأَمْرِهِ وَامْتَثَلَهُ، وَمَنْ آثَرَ عَلَيْهَا الْحَيَاةَ الْأَبَدِيَّةَ لَمْ يُبَالِ بِأَيِّ قِتْلَةٍ قَتَلَهُ، فَكَانَ يَقْتُلُ أَهْلَ الْإِيمَانِ وَيُقَطِّعُ أَجْسَادَهُمْ وَيَجْعَلُهَا عَلَى سُورِ الْمَدِينَةِ وَأَبْوَابِهَا، فَلَمَّا رَأَى الْفِتْيَةُ ذَلِكَ وَكَانُوا عُظَمَاءَ مَدِينَتِهِمْ وَاسْمُهَا عَلَى مَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَفْسُوسُ وَفِي بَعْضِهَا طَرْسُوسُ، وَقِيلَ: كَانُوا مِنْ خَوَاصِّ الْمَلِكِ قَامُوا فَتَضَرَّعُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاشْتَغَلُوا بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْهِمُ الشُّرَطُ فَأَخَذُوهُمْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ، وَوُجُوهُهُمْ مُعَفَّرَةٌ بِالتُّرَابِ وَأَحْضَرُوهُمْ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ فَقَالُوا لَهُمْ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَشْهَدُوا الذَّبْحَ لِآلِهَتِنَا وَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْقَتْلِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَقَالُوا: إِنَّ لَنَا إِلَهًا مَلَأَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ عَظَمَتُهُ وَجَبَرُوتُهُ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ أَحَدًا وَلَنْ نُقِرَّ بِمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ أَبَدًا، فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ، وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَكْبَرُهُمْ مِكْسِلْمِينَا، فَأَمَرَ الْجَبَّارُ فَنُزِعَ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ عِنْدِهِ وَخَرَجَ هُوَ إِلَى مَدِينَةٍ أُخْرَى، قِيلَ: هِيَ نِينَوَى لِبَعْضِ شَأْنِهِ وَأَمْهَلَهُمْ إِلَى رُجُوعِهِ وَقَالَ: مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أُعَجِّلَ عُقُوبَتَكُمْ إِلَّا أَنِّي أَرَاكُمْ شُبَّانًا فَلَا أُحِبُّ أَنْ أُهْلِكَكُمْ حَتَّى أَجْعَلَ لَكُمْ أَجَلًا تَتَأَمَّلُونَ فِيهِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى عُقُولِكُمْ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ فِيهَا وَإِلَّا أَهْلَكْتُكُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا خُرُوجَهُ اشْتَوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلٌّ مِنْهُمْ نَفَقَةً مِنْ بَيْتِ أَبِيهِ فَيَتَصَدَّقَ بِبَعْضِهَا وَيَتَزَوَّدَ بِالْبَاقِي وَيَنْطَلِقُوا إِلَى كَهْفٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ بِنْجِلُوسُ فَفَعَلُوا مَا فَعَلُوا وَأَوَوْا إِلَى الْكَهْفِ فَلَبِثُوا فِيهِ لَيْسَ لَهُمْ عَمَلٌ إِلَّا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ، وَفَوَّضُوا أَمْرَ نَفَقَتِهِمْ إِلَى فَتًى مِنْهُمُ اسْمُهُ يَمْلِيخَا فَكَانَ إِذَا أَصْبَحَ يَتَنَكَّرُ وَيَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَيَشْتَرِي مَا يَهُمُّهُمْ وَيَتَجَسَّسُ مَا فِيهَا مِنَ الْأَخْبَارِ وَيَعُودُ إِلَيْهِمْ فَلَبِثُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَدِمَ الْجَبَّارُ مَدِينَتَهُمْ فَتَطَلَّبَهُمْ وَأَحْضَرَ آبَاءَهُمْ فَاعْتَذَرُوا بِأَنَّهُمْ عَصَوْهُمْ وَنَهَبُوا أَمْوَالَهُمْ وَبَذَّرُوهَا فِي الْأَسْوَاقِ وَفَرُّوا إِلَى الْجَبَلِ وَكَانَ يَمْلِيخَا إِذْ ذَاكَ فِي الْمَدِينَةِ فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُوَ يَبْكِي وَمَعَهُ قَلِيلُ طَعَامٍ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا شَاهَدَ مِنَ الْهَوْلِ فَفَزِعُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، ثُمَّ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَجَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ فِي أَمْرِهِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ ضَرَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى آذَانِهِمْ فَنَامُوا وَنَفَقَتُهُمْ عِنْدَ رُءُوسِهِمْ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ فَأَصَابَهُ مَا أَصَابَهُمْ، فَخَرَجَ الْجَبَّارُ فِي طَلَبِهِمْ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ فَوَجَدُوهُمْ قَدْ دَخَلُوا الْكَهْفَ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ فَلَمْ يُطِقْ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَهُ، فَلَمَّا ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَيْسَ لَوْ كُنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهِمْ قَتَلْتَهُمْ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَابْنِ عَلَيْهِمْ بَابَ الْكَهْفِ وَدَعْهُمْ يَمُوتُوا جُوعًا وَعَطَشًا، وَلْيَكُنْ كَهْفُهُمْ قَبْرًا لَهُمْ فَفَعَلَ ثُمَّ كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ مَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَمْلَكَةِ مَلِكٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ خَرَجُوا مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ فَجَمَعَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ أَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُخْفِي عَنْ بَعْضٍ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَذَا عَلَامَ خَرَجَ هَذَا وَلَا يَدْرِي هَذَا عَلَامَ خَرَجَ هَذَا، فَأَخَذُوا الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنْ يُخْبِرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ وَإِلَّا كَتَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَاجْتَمَعُوا عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالُوا: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ - إِلَى - مِرْفَقًا . ثُمَّ انْطَلَقُوا حَتَّى دَخَلُوا الْكَهْفَ فَضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى آذَانِهِمْ فَنَامُوا وَفُقِدُوا فِي أَهْلِهِمْ فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهُمْ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِمْ فَرُفِعَ أَمْرُهُمْ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: لَيَكُونَنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بَعْدَ الْيَوْمِ شَأْنٌ؛ نَاسٌ خَرَجُوا لَا نَدْرِي أَيْنَ ذَهَبُوا فِي غَيْرِ جِنَايَةٍ وَلَا شَيْءٍ يُعْرَفُ، فَدَعَا بِلَوْحٍ مِنْ رَصَاصٍ فَكَتَبَ فِيهِ أَسْمَاءَهُمْ ثُمَّ طُرِحَ فِي خِزَانَتِهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ مَا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَكَانُوا عَلَى مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ صَيَارِفَةً. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَوَارِيِّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى مَدِينَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ فَأَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا فَقِيلَ: عَلَى بَابِهَا صَنَمٌ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ إِلَّا سَجَدَ لَهُ فَكَرِهَ أَنْ يَدْخُلَ فَأَتَى حَمَّامًا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَجَّرَ نَفْسَهُ مِنْ صَاحِبِهِ فَكَانَ يَعْمَلُ فِيهِ وَرَأَى صَاحِبُ الْحَمَّامِ الْبَرَكَةَ وَالرِّزْقَ وَجَعَلَ يَسْتَرْسِلُ إِلَيْهِ وَعَلِقَهُ فِتْيَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَجَعَلَ يُخْبِرُهُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَخَبَرِ الْآخِرَةِ حَتَّى آمَنُوا وَكَانُوا عَلَى مِثْلِ حَالِهِ فِي حُسْنِ الْهَيْئَةِ، وَكَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ أَنَّ اللَّيْلَ لِي وَلَا تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ الصَّلَاةِ إِذَا حَضَرَتْ حَتَّى جَاءَ ابْنُ الْمَلِكِ بِامْرَأَةٍ يَدْخُلُ بِهَا الْحَمَّامَ فَعَيَّرَهُ الْحِوَارِيُّ فَقَالَ: أَنْتَ ابْنُ الْمَلِكِ وَتَدْخُلُ مَعَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا، فَاسْتَحْيَا فَذَهَبَ فَرَجَعَ مَرَّةً أُخْرَى فَسَبَّهُ وَانْتَهَرَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلَتْ مَعَهُ فَبَاتَا فِي الْحَمَّامِ جَمِيعًا فَمَاتَا فِيهِ، فَأَتَى الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: قَتَلَ ابْنَكَ صَاحِبُ الْحَمَّامِ. فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَهَرَبَ مَنْ كَانَ يَصْحَبُهُ وَالْتَمَسَ الْفِتْيَةَ فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ فَمَرُّوا بِصَاحِبٍ لَهُمْ فِي زَرْعٍ لَهُ وَهُوَ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِمْ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّهُمُ الْتُمِسُوا فَانْطَلَقَ مَعَهُمْ حَتَّى أَوَاهُمُ اللَّيْلُ إِلَى كَهْفٍ فَدَخَلُوا فِيهِ فَقَالُوا: نَبِيتُ هَاهُنَا اللَّيْلَةَ ثُمَّ نُصْبِحُ إِنْ شَاءَ تَعَالَى فَنَرَى رَأْيَنَا، فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ فَخَرَجَ الْمَلِكُ بِأَصْحَابِهِ يَتْبَعُونَهُمْ حَتَّى وَجَدُوهُمْ قَدْ دَخَلُوا الْكَهْفَ فَكُلَّمَا أَرَادَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ أَنْ يَدْخُلَهُ أُرْعِبُ فَلَمْ يُطِقْ أَنْ يَدْخُلَ فَقَالَ لِلْمَلِكِ قَائِلٌ: أَلَسْتَ لَوْ قَدَرْتَ عَلَيْهِمْ قَتَلْتَهُمْ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَابْنِ عَلَيْهِمْ بَابَ الْكَهْفِ وَدَعْهُمْ يَمُوتُوا عَطَشًا وَجُوعًا، فَفَعَلَ ثُمَّ كَانَ مَا كَانَ، وَرُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالْأَخْبَارُ فِي تَفْصِيلِ شَأْنِهِمْ مُخْتَلِفَةٌ. وَفِي الْبَحْرِ: لَمْ يَأْتِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَيْفِيَّةُ اجْتِمَاعِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ وَلَا مُعَوِّلَ إِلَّا عَلَى مَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نَبَئِهِمْ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ اسْتِئْنَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّؤَالِ مِنْ قِبَلِ الْمُخَاطَبِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ آنِفًا فِي الْفِتْيَةِ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ أَيْ: بِسَيِّدِهِمْ وَالنَّاظِرِ فِي مَصَالِحِهِمْ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَأُوثِرَ لِلْإِشْعَارِ بِعِلِّيَّةِ وَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ لِإِيمَانِهِمْ وَلِمَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنَ الْمَقَالَةِ حَسْبَمَا سَيَحْكِي عَنْهُمْ. وَزِدْنَاهُمْ هُدًى بِالتَّثْبِيتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا. وَفِي التَّحْرِيرِ: الْمُرَادُ: زِدْنَاهُمْ ثَمَرَاتِ هُدًى أَوْ يَقِينًا قَوْلَانِ، وَمَا حَصَلَتْ بِهِ الزِّيَادَةُ امْتِثَالُ الْمَأْمُورِ وَتَرْكُ الْمَنْهِيِّ أَوْ إِنْطَاقُ الْكَلْبِ لَهُمْ بِأَنَّهُ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ أَوْ إِنْزَالُ مَلَكٍ عَلَيْهِمْ بِالتَّبْشِيرِ وَالتَّثْبِيتِ وَإِخْبَارِهِمْ بِظُهُورِ نَبِيٍّ مِنَ الْعَرَبِ يَكُونُ بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَآمَنُوا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ بَعْثِهِ اه. وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِإِنْزَالِ مَلَكٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْقَوْلِ بِنُبُوَّتِهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى. وَفِي ( زِدْنَاهُمْ ) الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ الَّذِي عَلَيْهِ سَبْكُ النَّظْمِ الْكَرِيمِ سِبَاقًا وَسِيَاقًا، وَفِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ أَمْرِ الزِّيَادَةِ مَا فِيهِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية