الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَمِنْ بَابِ الْإِشَارَةِ فِي الْآيَاتِ: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ أَيْ مِمَّا كَانَ وَمَا يَكُونُ فَيُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ وَالصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ وَالْمُتَّبِعِ وَالْمُبْتَدِعِ، وَقِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قِيلَ إِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْإِمَامُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ قَالَ السِّيَادِيُّ : الْعَدْلُ رُؤْيَةُ الْمِنَّةِ مِنْهُ تَعَالَى قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَالْإِحْسَانُ الِاسْتِقَامَةُ بِشَرْطِ الْوَفَاءِ إِلَى الْأَبَدِ، وَقِيلَ: الْعَدْلُ أَنْ لَا يُرَى الْعَبْدُ فَاتِرًا عَنْ طَاعَةِ مَوْلَاهُ مَعَ عَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْعِوَضِ، وَإِيتَاءُ ذِي الْقُرْبَى الْإِحْسَانُ إِلَى ذَوِي الْقَرَابَةِ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالدِّينِ فَيَخْدِمُهُمْ بِالصِّدْقِ وَالشَّفَقَةِ وَيُؤَدِّي إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَالْفَحْشَاءُ الِاسْتِهَانَةُ بِالشَّرِيعَةِ، وَالْمُنْكَرُ الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ كَيْفَمَا كَانَ، وَالْبَغْيُ ظُلْمُ الْعِبَادِ، وَقِيلَ: الْفَحْشَاءُ إِضَافَةُ الْأَشْيَاءِ إِلَى غَيْرِهِ تَعَالَى مِلْكًا وَإِيجَادًا وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ الْمَأْخُوذِ عَلَيْكُمْ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ بِالْبَقَاءِ عَلَى حُكْمِهِ وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْغَيْرِ وَالتَّجَرُّدُ عَنِ الْعَلَائِقِ وَالْعَوَائِقِ فِي التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ تَعَالَى إِذَا عَاهَدْتُمْ أَيْ تَذَكَّرْتُمُوهُ بِإِشْرَاقِ نُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْكُمْ وَتَذْكِيرِهِ إِيَّاكُمْ قَالَ النَّصْرَابَاذِيُّ: الْعُهُودُ مُخْتَلِفَةٌ فَعَهْدُ الْعَوَامِّ لُزُومُ الظَّوَاهِرِ وَعَهْدُ الْخَوَاصِّ حِفْظُ السَّرَائِرِ وَعَهْدُ خَوَاصِّ الْخَوَاصِّ التَّخَلِّي مِنْ مِنَ الْكُلِّ لِمَنْ لَهُ الْكُلُّ مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الصِّفَاتِ يَنْفَدُ لِمَكَانِ الْحُدُوثِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ لِمَكَانِ الْقِدَمِ فَالْعَبْدُ الْحَقِيقِيُّ مَنْ كَانَ فَانِيًا مِنْ أَوْصَافِهِ بَاقِيًا بِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي أَسْرَارِ الْقُرْآنِ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَيْ عَمَلًا يُوصِلُهُ إِلَى كَمَالِهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدَادُهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ مُعْتَقِدٌ لِلْحَقِّ اعْتِقَادًا جَازِمًا فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً أَيْ حَيَاةً حَقِيقِيَّةً لَا مَوْتَ بَعْدَهَا بِالتَّجَرُّدِ عَنِ الْمَوَادِّ الْبَدَنِيَّةِ وَالِانْخِرَاطِ فِي سِلْكِ الْأَنْوَارِ الْقُدْسِيَّةِ وَالتَّلَذُّذِ بِكِمَالَاتِ الصِّفَاتِ وَمُشَاهَدَاتِ التَّجَلِّيَاتِ الْإِفْعَالِيَّةِ وَالصِّفَاتِيَّةِ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ مِنْ جَنَّاتِ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِذْ عَمَلُهُمْ يُنَاسِبُ صِفَاتِهِمُ الَّتِي هِيَ مَبَادِئُ أَفْعَالِهِمْ وَأَجْرُهُمْ يُنَاسِبُ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي هِيَ مَصَادِرُ أَفْعَالِهِ فَانْظُرْ كَمْ بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الْحُسْنِ، وَيُقَالُ: الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ مَا تَكُونُ مَعَ الْمَحْبُوبِ وَمِنْ هُنَا قِيلَ: كُلُّ عَيْشٍ يَنْقَضِي مَا لَمْ يَكُنْ مَعَ مَلِيحٍ مَا لِذَاكَ الْعَيْشِ مِلْحُ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ قَالَ سَهْلٌ: هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الَّذِينَ رَجَعُوا الْقَهْقَرَى فِي طَرِيقِ سُلُوكِهِمْ ثُمَّ عَادُوا أَيْ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينِ هَجَرُوا قُرَنَاءَ السُّوءِ مِنْ بَعْدِ أَنْ ظَهَرَ لَهُمْ مِنْهُمُ الْفِتْنَةُ فِي صُحْبَتِهِمْ ثُمَّ جَاهَدُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى مُلَازَمَةِ أَهْلِ الْخَيْرِ ثُمَّ صَبَرُوا مَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْفِتْنَةِ لِسَاتِرٍ عَلَيْهِمْ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ بِصُنُوفِ الْإِنْعَامِ، وَقِيلَ: إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينِ هَاجَرُوا أَيْ تَبَاعَدُوا عَنْ مَوْطِنِ النَّفْسِ بِتَرْكِ الْمَأْلُوفَاتِ وَالْمُشْتَهِيَاتِ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا بِهَا بِحُكْمِ النَّشْأَةِ الْبَشَرِيَّةِ ثُمَّ جَاهَدُوا فِي اللَّهِ تَعَالَى بِالرِّيَاضَاتِ وَسُلُوكِ طَرِيقِهِ سُبْحَانَهُ بِالتَّرَقِّي فِي الْمَقَامَاتِ وَالتَّجْرِيدِ عَنَ التَّعَلُّقَاتِ وَصَبَرُوا عَمَّا تُحِبُّ النَّفْسُ وَعَلَى مَا تَكْرَهُهُ بِالثَّبَاتِ فِي السَّيْرِ إِنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ يَسْتُرُ غَوَاشِي الصِّفَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ رَحِيمٌ بِإِفَاضَةِ الْكَمَالِ وَالصِّفَاتِ الْقُدْسِيَّةِ ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) لِلنَّفْسِ الْمُسْتَعِدَّةِ الْقَابِلَةِ لِفَيْضِ الْقَلْبِ الثَّابِتَةِ فِي طَرِيقِ اكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ الْآمِنَةِ مِنْ خَوْفِ فَوَاتِهَا الْمُطَمْئِنَةِ بِاعْتِقَادِهَا يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنَ الْعُلُومِ وَالْفَضَائِلِ وَالْأَنْوَارِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ الطُّرُقِ الْبَدَنِيَّةِ كَالْحَوَاسِّ وَالْجَوَارِحِ وَالْآلَاتِ وَمِنْ جِهَةِ الْقَلْبِ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ظَهَرَتْ بِصِفَاتِهَا بَطَرًا وَإِعْجَابًا بِزِينَتِهَا وَنَظَرًا إِلَى ذَاتِهَا بِبَهْجَتِهَا وَبَهَائِهَا فَاحْتَجَبَتْ بِصِفَاتِهَا الظَّلْمَانِيَّةِ عَنْ تِلْكَ الْأَنْوَارِ وَمَالَتْ إِلَى الْأُمُورِ السُّفْلِيَّةِ وَانْقَطَعَ إِمْدَادُ الْقَلْبِ عَنْهَا وَانْقَلَبَتِ الْمَعَانِي الْوَارِدَةُ عَلَيْهَا مِنْ طُرُقِ الْحِسِّ هَيْئَاتٍ غَاسِقَةً مِنْ صُوَرِ الْمَحْسُوسَاتِ الَّتِي انْجَذَبَتْ إِلَيْهَا فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ بِانْقِطَاعِ مَدَدِ الْمَعَانِي وَالْفَضَائِلِ وَالْأَنْوَارِ مِنَ الْقَلْبِ وَالْخَوْفِ مِنْ زَوَالِ مُقْتَنِيَاتِهَا مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالْمَأْلُوفَاتِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ مِنْ كُفْرَانِ أَنْعُمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ أَيْ مِنْ جِنْسِهِمْ وَهِيَ الْقُوَّةُ الْفِكْرِيَّةُ فَكَذَّبُوهُ بِمَا أَلْقَى إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ وَالْآرَاءِ الصَّادِقَةِ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ أَيْ عَذَابُ الْحِرْمَانِ وَالِاحْتِجَابِ وَهُمْ ظَالِمُونَ فِي حَالَةِ ظُلْمِهِمْ وَتَرَفُّعِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الْفَضِيلَةِ وَنَقْصِهِمْ لِحُقُوقِ صَاحِبِهِمْ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً لِاجْتِمَاعِ مَا تَفَرَّقَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْكَامِلَةِ فِيهِ وَكَذَا كُلُّ نَبِيٍّ وَلِذَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ عَلَى مَا قِيلَ: لَوْ وُزِنْتُ بِأُمَّتِي لَرَجَحْتُ بِهِمْ قَانِتًا لِلَّهِ مُطِيعًا لَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ حَنِيفًا مَائِلًا عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ تَعَالَى وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِنِسْبَةِ شَيْءٍ إِلَى غَيْرِهِ سُبْحَانَهُ شَاكِرًا لِأَنْعَمِهِ مُسْتَعْمِلًا لَهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي اجْتَبَاهُ اخْتَارَهُ بِلَا وَاسِطَةِ عَمَلٍ لِكَوْنِهِ مِنَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الْحُسْنَى فَتَقَدَّمَ كُشُوفُهُمْ عَلَى سُلُوكِهِمْ وَهَدَاهُ بَعْدَ الْكَشْفِ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَهُوَ مَقَامُ الْإِرْشَادِ وَالدَّعْوَةِ يَنْعُونَ بِهِ مَقَامَ الْفَرْقِ بَعْدَ الْجَمْعِ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَهِيَ الذِّكْرُ الْجَمِيلُ وَالْمُلْكُ الْعَظِيمُ وَالنُّبُوَّةُ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ قِيلَ أَيْ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ الْمُتَمَكِّنِينَ فِي مَقَامِ الِاسْتِقَامَةِ وَقِيلَ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنِ الصَّالِحِينَ لِلْجُلُوسِ عَلَى بِسَاطِ الْقُرْبِ وَالْمُشَاهَدَةِ بِلَا حِجَابٍ وَهَذَا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ مَا أُوتِيَهُ فِي الدُّنْيَا يَنْقُصُ مَقَامُهُ فِي الْعُقْبَى كَمَا قِيلَ إِنَّ مَقَامَ الْوَلِيِّ الْمَشْهُورِ دُونَ الْوَلِيِّ الَّذِي فِي زَوَايَا الْحُمُولِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِمْ: الشُّهْرَةُ آفَةٌ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّعَرَانِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُمُ الْيَهُودُ وَاخْتَارُوهُ لِأَنَّهُ الْيَوْمَ الَّذِي انْتَهَتْ بِهِ أَيَّامُ الْخَلْقِ فَكَانَ بِزَعْمِهِمْ أَنْسَبَ لِتَرْكِ الْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَهُوَ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ الْأَكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ فِي الْفُتُوحَاتِ يَوْمَ الْأَبَدِ الَّذِي لَا انْقِضَاءَ لَهُ فَلَيْلُهُ فِي جَهَنَّمَ وَنَهَارُهُ فِي الْجَنَّةِ وَاخْتِيَارُ النَّصَارَى لِيَوْمِ الْأَحَدِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ يَوْمٍ اعْتَنَى اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ بِخَلْقِ الْخَلْقِ فَكَانَ بِزَعْمِهِمْ أَوْلَى بِالتَّفَرُّغِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَشُكْرِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ هَدَى اللَّهُ تَعَالَى لِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الَّذِي أَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْخَلْقَ وَظَهَرَتْ فِيهِ حِكْمَةُ الِاقْتِدَاءِ بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ الَّذِي خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ فَكَانَ أَوْلَى بِأَنْ يَتَفَرَّغَ فِيهِ الْإِنْسَانُ لِلْعِبَادَةِ وَالشُّكْرِ مِنْ ذَيْنِكَ الْيَوْمَيْنِ وَسُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ فَهَدَى وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَهْرِ النَّفْسِ الْمُوجِبِ لِتَرَقِّيهَا إِلَى أَعْلَى الْمَقَامَاتِ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ قِيلَ: الصَّبْرُ أَقْسَامٌ: صَبْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَصَبْرٌ فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَصَبْرٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَصَبْرٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَصَبْرٌ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَالصَّبْرُ بِاللَّهِ تَعَالَى هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ وَأَوَّلُ دَرَجَاتِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الْجَزَعِ عِنْدَ فَوَاتِ مَرْغُوبٍ أَوْ وُقُوعِ مَكْرُوهٍ وَهُوَ مِنْ فَضَائِلِ الْأَخْلَاقِ الْمَوْهُوبَةِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ دِينِهِ وَطَاعَتِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلثَّوَابِ الْجَزِيلِ. وَالصَّبْرُ فِي اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الثَّبَاتُ فِي سُلُوكِ طَرِيقِ الْحَقِّ وَتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى الْمُجَاهَدَةِ بِالِاخْتِيَارِ وَتَرْكِ الْمَأْلُوفَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَتَحَمُّلِ الْبَلِيَّاتِ وَقُوَّةِ الْعَزِيمَةِ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى مَنْبَعِ الْكِمَالَاتِ وَهُوَ مِنْ مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ يَهَبُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ أَهْلِ الطَّرِيقَةِ، وَالصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ لِأَهْلِ الْحُضُورِ وَالْكَشْفِ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ مَلَابِسِ الْأَفْعَالِ وَالصِّفَاتِ وَالتَّعَرُّضِ لِتَجَلِّيَاتِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ وَتَوَارُدِ وَارِدَاتِ الْأُنْسِ وَالْهَيْبَةُ فَهُوَ بِحُضُورِ الْقَلْبِ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ وَالِاحْتِرَاسُ عَنِ الْغَفْلَةِ وَالْغَيْبَةِ عِنْدَ التَّلْوِينَاتِ بِظُهُورِ النَّفْسِ، وَهُوَ أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ مِنَ الضَّرْبِ عَلَى الْهَامِّ وَإِنْ كَانَ لَذِيذًا جِدًّا، وَالصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ لِأَهْلِ الْعِيَانِ وَالْمُشَاهَدَةِ مِنَ الْعُشَّاقِ الْمُشْتَاقِينَ الْمُتَقَلِّبِينَ فِي أَطْوَارِ التَّجَلِّي وَالِاسْتِتَارِ الْمُنْخَلِعِينَ عَنِ النَّاسُوتِ الْمُتَنَوِّرِينَ بِنُورِ اللَّاهُوتِ مَا بَقِيَ لَهُمْ قَلْبٌ وَلَا وَصْفٌ كُلَّمَا لَاحَ لَهُمْ نُورٌ مِنْ سَبَحَاتِ أَنْوَارِ الْجَمَالِ احْتَرَقُوا وَتَفَانَوْا وَكُلَّمَا ضُرِبَ لَهُمْ حِجَابٌ وَرُدَّ وَجُودُهُمْ تَشْوِيقًا وَتَعْظِيمًا ذَاقُوا مِنْ أَلَمِ الشَّوْقِ وَحُرْقَةِ الْفِرْقَةِ مَا عِيلَ بِهِ صَبْرُهُمْ وَتَحَقَّقَ مَوْتُهُمْ، وَالصَّبْرُ بِاللَّهِ تَعَالَى هُوَ لِأَهْلِ التَّمْكِينِ فِي مَقَامِ الِاسْتِقَامَةِ الَّذِينَ أَفْنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكُلِّيَّةِ وَمَا تَرَكَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ بَقِيَّةِ الْآنِيَةِ وَالِاثْنَيْنِيَّةِ ثُمَّ وَهَبَ لَهُمْ وُجُودًا مِنْ ذَاتِهِ حَتَّى قَامُوا بِهِ وَفَعَلُوا بِصِفَاتِهِ وَهُوَ مِنْ أَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ نَصِيبٌ، وَلِهَذَا بَعْدَ أَنْ أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّكَ لَا تُبَاشِرُهُ إِلَّا بِي وَلَا تُطِيقُهُ إِلَّا بِقُوَّتِي ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ لَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فَالْكُلُّ مِنِّي وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ لِانْشِرَاحِ صَدْرِكَ بِي إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا بَقَايَاهُمْ وَفَنُوا فِيهِ سُبْحَانَهُ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ بِشُهُودِ الْوَحْدَةِ فِي الْكَثْرَةِ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَحْجُبُهُمُ الْفَرْقُ عَنِ الْجَمْعِ وَلَا الْجَمْعُ عَنِ الْفَرْقِ وَيَسَعُهُمْ مُرَاعَاةُ الْحَقِّ وَالْخَلْقِ، وَذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أَنَّ التَّقْوَى فِي الْآيَةِ بِمَنْزِلَةِ التَّوْبَةِ لِلْعَارِفِ وَالْإِحْسَانَ بِمَنْزِلَةِ السِّيَرِ وَالسُّلُوكِ فِي الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مَحْوِ الرَّسْمِ وَالْوُصُولِ إِلَى مَخْدَعِ الْأُنْسِ، هَذَا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ فَنَسْأَلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ أَنْ يَهْدِيَنَا إِلَيْهِ وَيُوَفِّقَنَا لِلْعِلْمِ النَّافِعِ لَدَيْهِ وَيَفْتَحَ لَنَا خَزَائِنَ الْأَسْرَارِ وَيَحْفَظَنَا مِنْ شَرِّ الْأَشْرَارِ بِحُرْمَةِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالرَّسُولِ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَكْمَلُ التَّسْلِيمِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية